قوله تعالى :{ فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله تعالى : { فخرج على قومه من المحراب } قيل كان له موضع ينفرد فيه بالصلاة والعبادة ثم ينتقل إلى قومه فعند ذلك أوحى إليهم ، وقيل : كان موضعا يصلي فيه هو وغيره إلا أنهم كانوا لا يدخلونه للصلاة إلا بإذنه وأنهم اجتمعوا ينتظرون خروجه للإذن فخرج إليهم وهو لا يتكلم فأوحى إليهم .
المسألة الثانية : لا يجوز أن يكون المراد من قوله أوحى إليهم الكلام لأن الكلام كان ممتنعا عليه فكان المراد غير الكلام وهو أن يعرفهم ذلك إما بالإشارة أو برمز مخصوص أو بكتابة لأن كل ذلك يفهم منه المراد فعلموا أنه قد كان ما بشر به فكما حصل السرور له حصل لهم فظهر لهم إكرام الله تعالى له بالإجابة ، واعلم أن الأشبه بالآية هو الإشارة لقوله تعالى في سورة آل عمران : { ثلاثة أيام إلا رمزا } والرمز لا يكون كناية للكلام .
المسألة الثالثة : اتفق المفسرون على أنه أراد بالتسبيح الصلاة وهو جائز في اللغة يقال : سبحه الضحى أي صلاة الضحى وعن عائشة رضي الله عنها في صلاة الضحى : «إني لأسبحها » أي لأصليها إذا ثبت هذا فنقول روي عن أبي العالية أن البكرة صلاة الفجر والعشي صلاة العصر ويحتمل أن يكون إنما كانوا يصلون معه في محرابه هاتين الصلاتين فكان يخرج إليهم فيأذن لهم بلسانه ، فلما اعتقل لسانه خرج إليهم كعادته فأذن لهم بغير كلام ، والله أعلم .
{ فَخَرَجَ على قَوْمِهِ مِنَ المحراب } أي من المصلى كما روي عن ابن زيد أو من الغرفة كما قيل ، وأصل المحراب كما قال الطبرسي : مجلس الأشراف الذي يحارب دونه ذباً عن أهله ، ويسمى محل العبادة محراباً لما أن العابد كالمحارب للشيطان فيه ، وإطلاق المحراب على المعروف اليوم في المساجد لذلك وهو محدث لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد ألف الجلال السيوطي في ذلك رسالة صغيرة سماها إعلام الأريب بحدوث بدعة المحاريب . روي أن قومه كانوا من وراء المحراب ينتظرون أن يفتح لهم الباب فيدخلوه ويصلوا فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم متغيراً لونه فأنكروه وقالوا : مالك ؟ { فأوحى إِلَيْهِمْ } أي أومأ إليهم وأشار كما روي عن قتادة . وابن منبه . والكلبي . والقرطبي وهو إحدى الروايتين عن مجاهد ، ويشهد له قوله تعالى : { إِلاَّ رَمْزًا } [ آل عمران : 41 ] وروي عن ابن عباس كتب لهم على الأرض .
{ أَن سَبّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً } وهو الرواية الأخرى عن مجاهد لكن بلفظ على التراب بدل على الأرض وقال عكرمة : كتب علي ورقة . وجاء إطلاق الوحي على الكتابة في كلام العرب ومنه قول عنترة :
كوحي صحائف من عهد كسرى *** فأهداها لأعجم طمطمى
سوى الأربع الدهم اللواتي كأنها *** بقية وحي في بطون الصحائف
و { أن } إما مفسرة أو مصدرية فتقدر قبلها الباء الجارة . والمراد بالتسبيح الصلاة مجازاً بعلاقة الاشتمال وهو المروى عن ابن عباس . وقتادة . وجماعة . و { بُكْرَةً وَعَشِيّاً } ظرفا زمان له . والمراد بذلك كما أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية صلاة الفجر وصلاة العصر ، وقال بعض : التسبيح على ظاهره وهو التنزيه أي نزهوا ربكم طرفي النهار ، ولعله عليه السلام كان مأموراً بأن يسبح شكراً ويأمر قومه .
وقال صاحب التحرير والتحبير : عندي في هذا معنى لطيف وهو أنه إنما خص التسبيح بالذكر لأن العادة جارية أن كل من رأى أمراً عجب منه أو رأى فيه بديع صنعة أو غريب حكمة يقول : سبحان الله تعالى سبحان الخالق جل جلاله فلما رأى حصول الولد من شيخ وعاقر عجب من ذلك فسبح وأمر بالتسبيح اه .
/ فأمرهم بالتسبيح إشارة إلى حصول أمر عجيب ، وقيل : إنه عليه السلام كان قد أخبر قومه بما بشر به قبل جعل العلامة فلما تعذر عليه الكلام أشار إليهم بحصول ما بشر به من الأمر العجيب فسروا بذلك .
وقرأ طلحة { أن سبحوه } بهاء الضمير عائدة إلى الله تعالى ، وروى ابن غزوان عن طلحة { أن سبحن } بنون مشددة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.