الصفة الرابعة : قوله : { وجعلني مباركا أينما كنت } فلقائل أن يقول كيف جعله مباركا والناس كانوا قبله على الملة الصحيحة فلما جاء صار بعضهم يهودا وبعضهم نصارى قائلين بالتثليث ولم يبق على الحق إلا القليل ، والجواب ذكروا في «تفسير المبارك » وجوها : أحدها : أن البركة في اللغة هي الثبات وأصله من بروك البعير فمعناه جعلني ثابتا على دين الله مستقرا عليه . وثانيها : أنه إنما كان مباركا لأنه كان يعلم الناس دينهم ويدعوهم إلى طريق الحق فإن ضلوا فمن قبل أنفسهم لا من قبله وروى الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أسلمت أم عيسى عليها السلام عيسى إلى الكتاب فقالت للمعلم : أدفعه إليك على أن لا تضربه فقال له المعلم : اكتب فقال : أي شيء أكتب ، فقال : اكتب أبجد فرفع عيسى عليه السلام رأسه فقال : هل تدري ما أبجد ؟ فعلاه بالدرة ليضربه فقال : يا مؤدب لا تضربني إن كنت لا تدري فاسألني فأنا أعلمك الألف من آلاء الله والباء من بهاء الله والجيم من جمال الله والدال من أداء الحق إلى الله . وثالثها : البركة الزيادة والعلو فكأنه قال : جعلني في جميع الأحوال غالبا مفلحا منجحا لأني ما دمت أبقى في الدنيا أكون على الغير مستعليا بالحجة فإذا جاء الوقت المعلوم يكرمني الله تعالى بالرفع إلى السماء . ورابعها : مبارك على الناس بحيث يحصل بسبب دعائي إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، عن قتادة أنه رأته امرأة وهو يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص فقالت : طوبى لبطن حملك وثدي أرضعت به ، فقال عيسى عليه السلام مجيبا لها : طوبى لمن تلا كتاب الله واتبع ما فيه ولم يكن جبارا شقيا . أما قوله : { أين ما كنت } فهو يدل على أن حاله لم يتغير كما قيل إنه عاد إلى حال الصغر وزوال التكليف . الصفة الخامسة : قوله : { وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا } فإن قيل كيف أمر بالصلاة والزكاة مع أنه كان طفلا صغيرا والقلم مرفوع عنه على ما قاله صلى الله عليه وسلم :
" رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ " الحديث وجوابه من وجهين : الأول : أن قوله : { وأوصاني بالصلاة والزكاة } لا يدل على أنه تعالى أوصاه بأدائهما في الحال بل بعد البلوغ فلعل المراد أنه تعالى أوصاه بهما وبأدائهما في الوقت المعين له وهو وقت البلوغ . الثاني : لعل الله تعالى لما انفصل عيسى عن أمه صيره بالغا عاقلا تام الأعضاء والخلقة وتحقيقه قوله تعالى : { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم } فكما أنه تعالى خلق آدم تاما كاملا دفعة فكذا القول في عيسى عليه السلام ، وهذا القول الثاني أقرب إلى الظاهر لقوله : { ما دمت حيا } فإنه يفيد أن هذا التكليف متوجه عليه في جميع زمان حيائه ولكن لقائل أن يقول لو كان الأمر كذلك لكان القوم حين رأوه فقد رأوه شخصا كامل الأعضاء تام الخلقة وصدور الكلام عن مثل هذا الشخص لا يكون عجبا فكان ينبغي أن لا يعجبوا فلعل الأولى أن يقال إنه تعالى جعله مع صغر جثته قوي التركيب كامل العقل بحيث كان يمكنه أداء الصلاة والزكاة والآية دالة على أن تكليفه لم يتغير حين كان في الأرض وحين رفع إلى السماء وحين ينزل مرة أخرى .
{ وَجَعَلَنِي } مع ذلك { مُبَارَكاً } قال مجاهد نفاعاً ومن نفعه إبراء الأكمه والأبرص . وقال سفيان : معلم الخير آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر . وعن الضحاك قاضياً للحوائج ، والأول أولى لعمومه ، والتعبير بلفظ الماضي في الأفعال الثلاثة إما باعتبار ما في القضاء المحتوم أو بجعل ما في شرف الوقوع لا محالة كالذي وقع . وقيل أكمله الله تعالى عقلاً واستنبأه طفلاً وروي ذلك عن الحسن .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس أن عيسى عليه السلام درس الإنجيل وأحكمه في بطن أمه وذلك قوله : { آتاني الكتاب } [ مريم : 30 ] { أَيْنَ مَا كُنتُ } أي حيثما كنت . وفي «البحر » أن هذا شرط وجزاؤه محذوف تقديره جعلني مباركاً وحذف لدلالة ما تقدم عليه ، ولا يجوز أن يكون معمولاً لجعلني السابق لأن أين لا تكون إلا استفهاماً أو شرطاً والأول لا يجوز هنا فتعين الثاني واسم الشرط لا ينصبه فعل قبله وإنما هو معمول للفعل الذي يليه .
{ وأوصاني بالصلاة والزكاة } أي أمرني بهما أمراً مؤكداً . والظاهر أن المراد بهما ما شرع في البدن والمال على وجه مخصوص . وقيل المراد بالزكاة زكاة الفطر . وقيل المراد بالصلاة الدعاء وبالزكاة تطهير النفس عن الرذائل ، ويتعين هذا في الزكاة على ما نقل عن ابن عطاء الله وإن كان منظوراً فيه من أنه لا زكاة على الأنبياء عليهم السلام لأن الله تعالى نزههم عن الدنيا فما في أيديهم لله تعالى ولذا لا يورثون أو لأن الزكاة تطهير وكسبهم طاهر . وقيل لا يتعين لأن ذلك أمر له بإيجاب الزكاة على أمته وهو خلاف الظاهر ، وإذا قيل يحمل للزكاة على الظاهر فالظاهر أن المراد { أوصاني } بأداء زكاة المال أن ملكته فلا مانع من أن يشمل التوقيت بقوله سبحانه : { مَا دُمْتُ حَيّاً } مدة كونه عليه السلام في السماء ، ويلتزم القول بوجوب الصلاة عليه عليه الصلاة والسلام هناك كذا قيل .
وأنت تعلم أن الظاهر المتبادر من المدة المذكورة مدة كونه عليه الصلاة والسلام حياً في الدنيا على ما هو المتعارف وذلك لا يشمل مدة كونه عليه السلام في السماء ، ونقل ابن عطية أن أهل المدينة . وابن كثير . وأبا عمرو قرأوا { دمْتُ } بكسر الدال ولم نجد ذلك لغيره نعم قيل إن ذلك لغة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.