أما قوله : { يا أبت } فالتاء عوض عن ياء الإضافة ولا يقال يا أبتي لئلا يجمع بين العوض والمعوض عنه وقد يقال : يا أبتا لكون الألف بدلا من الياء واعلم أنه تعالى حكى أن إبراهيم عليه السلام تكلم مع أبيه بأربعة أنواع من الكلام . النوع الأول : قوله : { لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا } ووصف الأوثان بصفات ثلاثة كل واحدة منها قادحة في الإلهية وبيان ذلك من وجوه : أحدها : أن العبادة غاية التعظيم فلا يستحقها إلا من له غاية الإنعام وهو الإله الذي منه أصول النعم وفروعها على ما قررناه في تفسير قوله : { وإن الله ربي وربكم فاعبدوه } وقال : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم } الآية وكما يعلم بالضرورة أنه لا يجوز الاشتغال بشكرها ما لم تكن منعمة وجب أن لا يجوز الاشتغال بعبادتها . وثانيها : أنها إذا لم تسمع ولم تبصر ولم تميز من يطيعها عمن يعصيها فأي فائدة في عبادتها ، وهذا ينبهك على أن الإله يجب أن يكون عالما بكل المعلومات حتى يكون العبد آمنا من وقوع الغلط للمعبود . وثالثها : أن الدعاء مخ العبادة فالوثن إذا لم يسمع دعاء الداعي فأي منفعة في عبادته وإذا كانت لا تبصر بتقرب من يقترب إليها فأي منفعة في ذلك التقرب . ورابعها : أن السامع المبصر الضار النافع أفضل ممن كان عاريا عن كل ذلك ، والإنسان موصوف بهذه الصفات فيكون أفضل وأكمل من الوثن فكيف يليق بالأفضل عبادة الأخس . وخامسها : إذا كانت لا تنفع ولا تضر فلا يرجى منها منفعة ولا يخاف من ضررها فأي فائدة في عبادتها . وسادسها : إذا كانت لا تحفظ أنفسها عن الكسر والإفساد على ما حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه كسرها وجعلها جذاذا فأي رجاء للغير فيها واعلم أنه عاب الوثن من ثلاثة أوجه . أحدها : لا يسمع . وثانيها : لا يبصر . وثالثها : لا يغني عنك شيئا كأنه قال له : بل الإلهية ليست إلا لربي فإنه يسمع ويجيب دعوة الداعي ويبصر ، كما قال : { إنني معكما أسمع وأرى } ويقضي الحوائج : { أمن يجيب المضطر إذا دعاه } واعلم أن قوله ههنا { لم تعبد } محمول على نفس العبادة وأما قوله في المقام الثالث : { لا تعبد الشيطان } لا يقال ذلك بل المراد الطاعة لأنهم ما كانوا يعبدون الشيطان فوجب حمله على الطاعة ولأنا نقول ليس إذا تركنا الظاهر ههنا لدليل وجب ترك الظاهر في المقام الأول بغير دليل فإن قيل : إما أن يقال إن أبا إبراهيم كان يعتقد في تلك الأوثان أنها آلهة بمعنى أنها قادرة مختارة موجدة للناس والحيوانات أو يقال إنه ما كان يعتقد ذلك بل كان يعتقد أنها تماثيل الكواكب والكواكب هي الآلهة المدبرة لهذا العالم ، فتعظيم تماثيل الكواكب بموجب تعظيم الكواكب أو كان يعتقد أن هذه الأوثان تماثيل أشخاص معظمة عند الله تعالى من البشر فتعظيمها يقتضي كون أولئك الأشخاص شفعاء لهم عند الله تعالى أو كان يعتقد أن تلك الأوثان طلسمات ركبت بحسب اتصالات مخصوصة للكواكب قلما يتفق مثلها ، وأنها مشفع بها ، أو غير ذلك من الأعذار المنقولة عن عبدة الأوثان ، فإن كان أبو إبراهيم من القسم الأول كان في نهاية الجنون لأن العلم بأن هذا الخشب المنحوت في هذه الساعة ليس خالقا للسماوات والأرض من أجلى العلوم الضرورية ، فالشاك فيه يكون فاقدا لأجلى العلوم الضرورية فكان مجنونا والمجنون لا يجوز إيراد الحجة عليه والمناظرة معه ، وإن كان من القسم الثاني فهذه الدلائل لا تقدح في شيء من ذلك لأن ذلك المذهب إنما يبطل بإقامة الدلالة على أن الكواكب ليست أحياء ولا قادرة على خلق الأجسام وخلق الحياة ومعلوم أن الدليل المذكور ههنا لا يفيد ذلك المطلوب فعلمنا أن هذه الدلالة عديمة الفائدة على كل التقديرات ، قلنا : لا نزاع أنه لا يخفى على العاقل أن الخشبة المنحوتة لا تصلح لخلق العالم وإنما مذهبهم هذا على الوجه الثاني ، وإنما أورد إبراهيم عليه السلام هذه الدلالة عليهم لأنهم كانوا يعتقدون أن عبادتها تفيد نفعا إما على سبيل الخاصية الحاصلة من الطلسمات أو على سبيل أن الكواكب تنفع وتضر ، فبين إبراهيم عليه السلام أنه لا منفعة في طاعتها ولا مضرة في الإعراض عنها فوجب أن لا تحسن عبادتها .
{ إِذْ قَالَ } وتعقبه صاحب الفرائد بأن الاعتراض بين البدل والمبدل منه بدون الواو بعيد عن الطبع ، وفيه منع ظاهر ، وفي «البحر » أن بدلية إذ من { إبراهيم } [ مريم : 41 ] تقتضي تصرفها والأصح أنها لا تتصرف وفيه بحث ، وقيل : إذ ظرف لكان وهو مبني على إن كان الناقصة وأخواتها تعمل في الظروف وهي مسألة خلافية ، وقيل : ظرف لِ { نبياً } [ مريم : 41 ] أي منبئ في وقت قوله : { لأبيه } وتعقب بأنه يقتضي أن الاستنباء كان في ذلك الوقت ، وقيل : ظرف لِ { صديقاً } [ مريم : 41 ] ، وفي «البحر » لا يجوز ذلك لأنه قد نعت الأعلى رأى الكوفيين ، وفيه أن { نَبِيّاً } خبر كما ذكرنا لا نعت ، نعم تقييد الصديقية بذلك الوقت لا يخلو عن شيء .
وقيل ظرف لصديقاً نبياً وظاهره أنه معمول لهما معاً ، وفيه أن توارد عاملين على معمول واحد غير جائز على الصحيح ، والقول بأنهما جعلا بتأويل اسم واحد كتأويل حلو حامض بمز أي جامعاً لخصائص الصديقين والأنبياء عليهم السلام حين خاطب أباه لا يخفى ما فيه ، والذي يقتضيه السياق ويشهد به الذوق البدلية وهو بدل اشتمال ، وتعليق الذكر بالأوقات مع أن المقصود تذكير ما وقع فيها من الحوادث قد مر سره مراراً فتذكر .
{ يَا أَبَت } أي يا أبي فإن التاء عوض من ياء الإضافة ولذلك لا يجمع بينهما إلا شذوذاً كقوله : يا أبتي أرقني القذان ، والجمع في يا أبتا قيل بين عوضين وهو جائز كجمع صاحب الجبيرة بين المسح والتيمم وهما عوضان عن الغسل وقيل المجموع فيه عوض ، وقيل : الألف للإشباع وأنت تعلم حال العلل النحوية .
وقرأ ابن عامر . والأعرج . وأبو جعفر { *يا أبت } بفتح التاء ، وزعم هارون أن ذلك لحن والحق خلافه وفي مصحف عبد الله { واأبت } بوا بدل ياء والنداء بها في غير الندبة قليل ، وناداه عليه السلام بذلك استعطافاً له .
وأخرج أبو نعيم . والديلمي عن أنس مرفوعاً حق الوالد على ولده أن لا يسميه إلا بما سمى إبراهيم عليه السلام به أباه يا أبت ولا يسميه باسمه ، وهذا ظاهر في أنه كان أباه حقيقة ، وصحح جمع أنه كان عمه وإطلاق الأب عليه مجاز { يا أبت لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ } ثناءك عليك عند عبادتك له وجؤارك إليه { وَلاَ يَبْصِرُ } خضوعك وخشوعك بين يديه أولاً يسمع ولا يبصر شيئاً من المسموعات والمبصرات فيدخل في ذلك ما ذكر دخولاً أولياً ، وما موصولة وجوزوا أن تكون نكرة موصوفة { وَلاَ يُغْنِى } أي لا يقدر على أن يغني { عَنكَ شَيْئاً } من الأشياء أو شيئاً من الاغناء فهو نصب على المفعولية أو المصدرية . ولقد سلك عليه السلام في دعوته أحسن منهاج واحتج عليه أبدع احتجاج بحسن أدب وخلق ليس له من هاج لئلا يركب متن المكابرة والعناد ولا ينكب بالكلية عن سبيل الرشاد حيث طلب منه علة عبادته لما يستخف به عقل كل عاقل من عالم وجاهل ويأبى الركون إليه فضلاً عن عبادته التي هي الغاية القاصية من التعظيم مع أنها لا تحق إلا لمن له الاستغناء التام والإنعام العام الخالق الرازق المحيي المميت المثيب المعاقب ونبه على أن العاقل يجب أن يفعل كل ما يفعل لداعية صحيحة وغرض صحيح والشيء لو كان حياً مميزاً سميعاً بصيراً قادراً على النفع والضر لكن كان ممكناً لاستنكف ذو العقل السليم عن عبادته وإن كان أشرف الخلائق لما يراه مثله في الحاجة والانقياد للقدرة القاهرة الواجبية فما ظنك بجماد مصنوع ليس له من أوصاف الأحياء عين ولا أثر . ثم دعاه إلى أن يتبعه ليهديه إلى الحق المبين لما أنه لم يكن محظوظاً من العلم الإلهي مستقلاً بالنظر السوي مصدراً لدعوته بما مر من الاستعطاف حيث قال : { ياأبت إني قَدْ جاءني مِنَ العلم مَا لَمْ يَأْتِكَ }
ومن باب الإشارة { إِذْ قَالَ لأبيه يا أبت لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً } [ مريم : 42 ] "
الخ فيه من لطف الدعوة إلى اتباع الحق والإرشاد إليه ما لا يخفى . وهذا مطلوب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لاسيما إذا كان ذلك مع الأقارب ونحوهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.