قوله تعالى :{ قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا . قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا . وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا }
اعلم أن إبراهيم عليه السلام لما دعا أباه إلى التوحيد ، وذكر الدلالة على فساد عبادة الأوثان ، وأردف تلك الدلالة بالوعظ البليغ ، وأورد كل ذلك مقرونا باللطف والرفق ، قابله أبوه بجواب يضاد ذلك ، فقابل حجته بالتقليد ، فإنه لم يذكر في مقابلة حجته إلا قوله : { أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم } فأصر على ادعاء إلهيتها جهلا وتقليدا وقابل وعظه بالسفاهة حيث هدده بالضرب والشتم ، وقابل رفقه في قوله : { يا أبت } بالعنف حيث لم يقل له يا بني بل قال : { يا إبراهيم } وإنما حكى الله تعالى ذلك لمحمد صلى الله عليه وسلم ليخفف على قلبه ما كان يصل إليه من أذى المشركين فيعلم أن الجهال منذ كانوا على هذه السيرة المذمومة ، أما قوله : { أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم } فإن كان ذلك على وجه الاستفهام فهو خذلان لأنه قد عرف منه ما تكرر منه من وعظه وتنبيهه على الدلالة وهو يفيد أنه راغب عن ذلك أشد رغبة فما فائدة هذا القول . وإن كان ذلك على سبيل التعجب فأي تعجب في الإعراض عن حجة لا فائدة فيها ، وإنما التعجب كله من الإقدام على عبادتها فإن الدليل الذي ذكره إبراهيم عليه السلام كما أنه يبطل جواز عبادتها فهو يفيد التعجب من أن العاقل كيف يرضى بعبادتها فكأن أباه قابل ذلك التعجب الظاهر المبني على الدليل بتعجب فاسد غير مبني على دليل وشبهة ، ولا شك أن هذا التعجب جدير بأن يتعجب منه ، أما قوله : { لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : في الرجم ههنا قولان : الأول : أنه الرجم باللسان ، وهو الشتم والذم ، ومنه قوله : { والذين يرمون المحصنات } أي بالشتم ، ومنه الرجيم ، أي المرمي باللعن ، قال مجاهد : الرجم في القرآن كله بمعنى الشتم . والثاني : أنه الرجم باليد ، وعلى هذا التقدير ذكروا وجوها : أحدها : لأرجمنك بإظهار أمرك للناس ليرجموك ويقتلوك . وثانيها : لأرجمنك بالحجارة لتتباعد عني . وثالثها : عن المؤرج لأقتلنك بلغة قريش . ورابعها : قال أبو مسلم لأرجمنك المراد منه الرجم بالحجارة إلا أنه قد يقال ذلك في معنى الطرد والإبعاد اتساعا ، ويدل على أنه أراد الطرد قوله تعالى : { واهجرني مليا } واعلم أن أصل الرجم هو الرمي بالرجام فحمله عليه أولى ، فإن قيل : أفما يدل قوله تعالى : { واهجرني مليا } على أن المراد به الرجم بالشتم ؟ قلنا : لا ، وذلك لأنه هدده بالرجم إن بقي على قربه منه وأمره أن يبعد هربا من ذلك فهو في معنى قوله : { واهجرني مليا } .
المسألة الثانية : في قوله تعالى : { واهجرني مليا } قولان : أحدهما : المراد واهجرني بالقول . والثاني : بالمفارقة في الدار والبلد وهي هجرة الرسول والمؤمنين أي تباعد عني لكي لا أراك وهذا الثاني أقرب إلى الظاهر .
المسألة الثالثة : في قوله : { مليا } قولان : الأول : مليا أي مدة بعيدة مأخوذ من قولهم أتى على فلان ملاوة من الدهر أي زمان بعيد . والثاني : مليا بالذهاب عني والهجران قبل أن أثخنك بالضرب حتى لا تقدر أن تبرح يقال فلان ملي بكذا إذا كان مطيقا له مضطلعا به .
المسألة الرابعة : عطف اهجرني على معطوف عليه محذوف يدل عليه لأرجمنك ، أي فاحذرني واهجرني لئلا أرجمنك ، ثم إن إبراهيم عليه السلام لما سمع من أبيه ذلك أجاب عن أمرين . أحدهما : أنه وعده التباعد منه ، وذلك لأن أباه لما أمره بالتباعد أظهر الانقياد لذلك الأمر .
{ قَالَ } استئناف مبني على سؤال نشأ من صدر الكلام كأنه قيل فماذا قال أبوه عندما سمع منه عليه السلام هذه النصائح الواجبة القبول فقيل ؟ قال مصراً على عناده مقابلاً الاستعطاف واللطف بالفظاظة والغلظة : { أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلهتي يا إِبْرَاهِيمَ } اختار الزمخشري كون { راغب } خبراً مقدماً { الحق وَأَنتَ } مبتدأ وفيه توجيه الإنكار إلى نفس الرغبة مع ضرب من التعجيب . وذهب أبو البقاء وابن مالك وغيرهما إلى أن { أَنتَ } فاعل الصفة لتقدم الاستفهام وهو مغن عن الخبر وذلك لئلا يلزم الفصل بين { أَرَاغِبٌ } ومعموله وهو { عَنْ آلِهَتِي } بأجنبي هو المبتدأ وأجيب بأن { عَنْ } متعلق بمقدر بعد أنت يدل عليه أراغب .
وقال «صاحب الكشف » : المبتدأ ليس أجنبياً من كل وجه لاسيما والمفصول ظرف والمقدم في نية التأخير والبليغ يلتفت لفت المعنى بعد أن كان لما يرتكبه وجه مساغ في العربية وإن كان مرجوحاً . ولعل سلوك هذا الأسلوب قريب من ترجيح الاستحسان لقوة أثره على القيا ، ولا خفاء أن زيادة الإنكار إنما نشأ من تقديم الخبر كأنه قبل أراغب أنت عنها لا طالب لها راغب فيها منبهاً له على الخطأ في صدوفه ذلك ولو قيل : أترغب لم يكن من هذا الباب في شيء انتهى ، ورجح أبو حيان إعراب أبي البقاء ومن معه بعدم لزوم الفل فيه وبسلامة الكلام عليه عن خلاف الأصل في التقديم والتأخير ، وتوقف البدر الدماميني في جواز ابتدائية المؤخر في مثل هذا التركيب وإن خلا عن فصل أو محذور آخر كما في أطالع الشمس وذلك نحو أقائم زيد للزوم التباس المبتدأ بالفاعل كما في ضرب زيد فإنه لا يجوز فيه ابتدائية زيد . وأجاب الشمني بأن زيداً في الأول يحتمل أمرين كل منهما بخلاف الأصل وذلك إجمال لا لبس بخلافه في الثاني فتأمل { لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأرْجُمَنَّكَ } تهديد وتحذير عما كان عليه من العظة والتذكير أي والله لئن لم تنته عما أنت عليه من النهي عن عبادتها والدعوة إلى ما دعوتني إليه لأرجمنك بالحجارة على ما روى عن الحسن ، وقيل : باللسان والمراد لأشتمنك وروى ذلك عن ابن عباس . وعن السدي . والضحاك . وابن جريج ، وقدر بعضهم متعلق النهي الرغبة عن الآلهة أي لئن لم تنته عن الرغبة عن آلهتي لأرجمنك وليس بذاك { واهجرني } عطف على محذوف يدل عليه التهديد أي فاحذرني وارتكني وإليك ذهب الزمخشري .
ولعل الداعي لذلك وعدم اعتبار العطف على المذكور أنه لا يصح أو لا يحسن التخالف بين المتعاطفين إنشائية وإخبارية ، وجواب القسم غير الاستعطافي لا يكون إنشاء وليست الفاء في فاحذرني عاطفة حتى يعود المجذور .
ومن الناس من عطف على الجملة السابقة بناء على تجويز سيبويه العطف مع التخالف في الاخبار والإنشاء والتقدير أوقع في النفس { مَلِيّاً } أي دهراً طويلاً عن الحسن . ومجاهد . وجماعة ، وقال السدي : أبداً وكأنه المراد ، وأصله على ما قيل من الإملاء أي الإمداد وكذا الملاوة بتثليث الميم وهي بمعناه ومن ذلك الملوان الليل والنهار ونصبه على الظرفية كما في قول مهلهل :
فتصدعت صم الجبال لموته *** وبكت عليه المرملات ملياً
وأخرج ابن الأنباري عن ابن عباس أنه فسره بطولاً ولم يذكر الموصوف فقيل هو نصب على المصدرية أي هجراً ملياً ، وفي رواية أخرى عن ابن عباس أن المعنى سالماً سوياً والمراد قادراً على الهجر مطيقاً له وهو حينئذ حال من فاعل { اهجرني } أي اهجرني ملياً بالهجران والذهاب عني قبل أن أثخنك بالضرب حتى لا تقدر أن تبرح ، وكأنه على هذا من تملي بكذا تمتع به ملاوة من الدهر .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.