مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامٗا وَأَجَلٞ مُّسَمّٗى} (129)

ثم بين تعالى الوجه الذي لأجله لا ينزل العذاب معجلا على من كذب وكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال : { ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى } وفيه تقديم وتأخير ، والتقدير : ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاما ، ولا شبهة في أن الكلمة هي إخبار الله تعالى ملائكته وكتبه في اللوح المحفوظ ، أن أمته عليه السلام وإن كذبوا فسيؤخرون ولا يفعل بهم ما يفعل بغيرهم من الاستئصال ، واختلفوا فيما لأجله لم يفعل ذلك بأمة محمد صلى الله عليه وسلم ، قال بعضهم : لأنه علم أن فيهم من يؤمن ، وقال آخرون : علم أن في نسلهم من يؤمن ولو أنزل بهم العذاب لعمهم الهلاك ، وقال آخرون : المصلحة فيه خفية لا يعلمها إلا هو ، وقال أهل السنة : له بحكم المالكية أن يخص من شاء بفضله ومن شاء بعذابه من غير علة ، إذ لو كان فعله لعلة لكانت تلك العلة إن كانت قديمة لزم قدم الفعل ، وإن كانت حادثة افتقرت إلى علة أخرى ولزم التسلسل ، فلهذا قال أهل التحقيق : كل شيء صنيعه لا لعلة ، وأما الأجل المسمى ففيه قولان : أحدهما : ولولا أجل مسمى في الدنيا لذلك العذاب وهو يوم بدر . والثاني : ولولا أجل مسمى في الآخرة لذلك العذب وهو أقرب ، ويكون المراد ولولا كلمة سبقت تتضمن تأخير العذاب إلى الآخرة كقوله : { بل الساعة موعدهم } لكان العقاب لازما لهم فيما يقدمون عليه من تكذيب الرسول وأذيتهم له ،

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامٗا وَأَجَلٞ مُّسَمّٗى} (129)

{ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ } كلام مستأنف سيق لبيان حكمة عدم وقوع ما يشعر به قوله تعالى : { أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ } [ طه : 128 ] الآية من أن يصيبهم مثل ما أصاب القرون المهلكة والكلمة السابقة هي العدة بتأخير عذاب الاستئصال عن هذه الامة إما إكراماً للنبي صلى الله عليه وسلم كما يشعر به التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : { وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } [ الأنفال : 33 ] أو لأن من نسلهم من يؤمن أو لحكمة أخرى الله تعالى أعلم بها أي لولا الكلمة السابقة والعدة بتأخير العذاب { لَكَانَ } أي عقاب جناياتهم { لِزَاماً } أي لازماً لهؤلاء الكفرة بحيث لا يتأخر عن جناياتهم ساعة لزوم ما نزل بإضرابهم من القرون السالفة ، واللزام إما مصدر لازم كالخصام وصف به للمبالغة أو اسم آلة كحزام وركاب والوصف به للمبالغة أيضاً كلزاز خصم بمعنى ملح على خصمه .

وجوز أبو البقاء كونه جمع لازم كقيام جمع قائم وهو خلاف الظاهر { وَأَجَلٌ مُّسَمًّى } عطف على { كَلِمَةَ } كما أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة . والسدى أي لولا العدة بتأخير عذابهم والأجل المسمى لأعمارهم لما تأخر عذابهم أصلاً ، وفصله عما عطف عليه للمسارعة إلى بيان جواب لولا ، والإشعار باستقلال كل منهما بنفي لزوم العذاب ومراعاة فواصل الآي الكريم ، وقيل : أي ولولا أجل مسمى لعذابهم وهو يوم القيامة .

وتعقب بأنه يتحد حينئذ بالكلمة السابقة فلا يصح إدراج استقلال كل منهما بالنفي في عداد نكت الفصل . وأجيب بأنه لا يلزم من تأخير العذاب عن الدينا أن يكون له وقت لا يتأخر عنه ولا يتخلف فلا مانع من الاستقلال . وأخرج ابن المنذر عن مجاهد أن الأجل المسمى هي الكلمة التي سبقت ، وقيل : الأجل المسمى للعذاب هو يوم بدر . وتعقب بأنه ينافي كون الكلمة هي العدة بتأخير عذاب هذه الأمة . وأجيب بأن المراد من ذلك العذاب هو عذاب الاستئصال ولم يقع يوم بدر وجوز الزمخشري كون العطف على المستكن في كان العائد إلى الأخذ العاجل المفهوم من السياق تنزيلاً للفصل بالخبر منزلة التأكيد أي لكان الأخذ العاجل والأجل المسمى لازمين لهم كدأب عاد . وثمود . وأضرابهم ، ولم ينفرد الأجل المسمى دون الأخذ العاجل ، وأنت تعلم أن هذا لا يتسنى إذا كان { لزماً } اسم ءالة للزوم التثنية حينئذ .