مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{نُسَارِعُ لَهُمۡ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ بَل لَّا يَشۡعُرُونَ} (56)

ولما كان القوم في نعم عظيمة في الدنيا جاز أن يظنوا أن تلك النعم كالثواب المعجل لهم على أديانهم ، فبين سبحانه أن الأمر بخلاف ذلك ، فقال : { أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات } قرئ يمدهم ويسارع بالياء والفاعل هو الله سبحانه وفي المعنى وجهان : أحدهما : أن هذا الإمداد ليس إلا استدراجا لهم في المعاصي ، واستجرارا لهم في زيادة الإثم وهم يحسبونه مسارعة في الخيرات وبل للاستدراك لقوله : { أيحسبون } يعني بل هم أشباه البهائم لا فطنة لهم ولا شعور حتى يتفكروا في ذلك ، أهو استدراج أم مسارعة في الخير ، وهذه الآية كقوله :

{ ولا تعجبك أموالهم وأولادهم } روي عن يزيد بن ميسرة : أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء «أيفرح عبدي أن أبسط له الدنيا وهو أبعد له مني ، ويجزع أن أقبض عنه الدنيا وهو أقرب له مني » ثم تلا : { أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين } وعن الحسن : لما أتى عمر بسوار كسرى فأخذه ووضعه في يد سراقة فبلغ منكبه . فقال عمر اللهم إني قد علمت أن نبيك عليه الصلاة والسلام ، كان يحب أن يصيب مالا لينفقه في سبيلك ، فزويت ذلك عنه نظرا . ثم إن أبا بكر كان يحب ذلك ، اللهم لا يكن ذلك مكرا منك بعمر . ثم تلا : { أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين } . الوجه الثاني : وهو أنه سبحانه إنما أعطاهم هذه النعم ليكونوا فارغي البال ، متمكنين من الاشتغال بكلف الحق ، فإذا أعرضوا عن الحق والحالة هذه ، كان لزوم الحجة عليهم أقوى ، فلذلك قال : { بل لا يشعرون } .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{نُسَارِعُ لَهُمۡ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ بَل لَّا يَشۡعُرُونَ} (56)

وقوله سبحانه : { نُسَارِعُ لَهُمْ في الخيرات } خبر { أن } [ المؤمنون : 55 ] والراجع إلى الاسم محذوف أي أيحسبون أن الذي نمدهم به من المال والبنين نسارع به لهم فيما فيه خيرهم وإكرامهم على أن الهمزة لإنكار الواقع واستقباحه وحذف هذا العائد لطول الكلام مع تقدم نظيره في الصلة إلا أن حذف مثله قليل ، وقال هشام بن معاوية : الرابط هو الاسم الظاهر وهو { الخَيْرَاتِ } وكأن المعنى نسارع لهم فيه ثم أظهر فقيل في الخيرات ، وهذا يتمشى على مذهب الأخفش في إجازته نحو زيد قام أبو عبد الله إذا كان أبو عبد الله كنية لزيد ، قيل : ولا يجوز أن يكون الخبر { مِن مَّالٍ وَبَنِينَ } [ المؤمنون : 55 ] لأن الله تعالى أمدهم بذلك فلا يعاب ولا ينكر عليهم اعتقاد المدد به كما يفيده الاستفهام الإنكاري . وتعقب بأنه لا يبعد أن يكون المراد ما نجعله مدداً نافعاً لهم في الآخرة ليس المال والبنين بل الاعتقاد والعمل الصالح كقوله تعالى : { يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [ الشعراء : 88 ، 89 ] وفيه ما فيه . وما ذكرنا من كون { ما } [ المؤمنون : 55 ] موصولة هو الظاهر ، ومن جوز كونها مصدرية وجعل المصدر الحاصل بعد السبك اسم { أن } [ المؤمنون : 55 ] وخبرها { نُسَارِعُ } على تقدير مسارعة بناءً على أن الأصل أن نسارع فحذفت أن وارتفع الفعل لم يوف القرآن الكريم حقه ، وكذا من جعلها كافة كالكسائي ونقل ذلك عنه أبو حيان ، وجوز عليه الوقف على { بنين } [ المؤمنون : 55 ] معللاً بأن ما بعد بحسب قد انتظم مسنداً ومسنداً إليه من حيث المعنى وإن كان في تأويل مفرد وهو كما ترى ، وقرأ ابن وثاب { أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ } [ المؤمنون : 55 ] بكسر همزة إن . وقرأ ابن كثير في رواية { يمدهم } بالياء .

وقرأ السلمي . وعبد الرحمن بن أبي بكرة { يسارع } بالياء وكسر الراء فإن كان فاعله ضميره تعالى فالكلام في الرابط على ما سمعت ، وإن كان ضمير الموصول فهو الرابط . وعن ابن أبي بكرة المذكور أنه قرأ { يسارع } بالياء وفتح الراء مبنياً للمفعول . وقرأ الحر النحوي { نسرع } بالنون مضارع أسرع . وقرئ على ما في «الكشاف » { يسرع } بالياء مضارع أسرع أيضاً وفي فاعله الاحتمالان المشار إليهما آنفاً { الخيرات بَل لاَّ يَشْعُرُونَ } عطف على مقدر ينسحب عليه الكلام أي كلا لا نفعل ذلك بل لا يشعرون أي ليس من شأنهم الشعور أن هم إلا كالأنعام بل هم أضل حتى يتأملوا ويتفكروا في ذلك هو استدراج أم مسارعة ومبادرة في الخيرات . ومن هنا قيل : من يعص الله تعالى ولم ير نقصاناً فيما أعطاه سبحانه من الدنيا فليعلم أنه مستدرج قد مكر به ، وقال قتادة : لا تعتبروا الناس بأموالهم وأولادهم ولكن اعتبروهم بالإيمان والعمل الصالح .