قوله تعالى : { أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد } .
وفيه وجهان ( أحدهما ) أنه استدلال بدلائل الأنفس ، لأنا ذكرنا مرارا أن الدلائل آفاقية ونفسية كما قال تعالى : { سنريهم ءاياتنا في الآفاق وفي أنفسهم } ولما قرن الله تعالى دلائل الآفاق عطف بعضها على بعض بحرف الواو فقال : { والأرض مددناها } وفي غير ذلك ذكر الدليل النفسي ، وعلى هذا فيه لطائف لفظية ومعنوية .
أما اللفظية فهي أنه تعالى في الدلائل الآفاقية عطف بعضها على بعض بحرف الواو فقال : { والأرض مددناها } وقال : { ونزلنا من السماء ماء مباركا } ثم في الدليل النفسي ذكر حرف الاستفهام والفاء بعدها إشارة إلى أن تلك الدلائل من جنس ، وهذا من جنس ، فلم يجعل هذا تبعا لذلك ، ومثل هذا مراعى في أواخر يس ، حيث قال تعالى : { أولم ير الإنسان أنا خلقناه } ثم لم يعطف الدليل الآفاقي هاهنا ؟ نقول ، والله أعلم هاهنا وجد منهم الاستبعاد بقول { ذلك رجع بعيد } فاستدل بالأكبر وهو خلق السموات ، ثم نزل كأنه قال لا حاجة إلى ذلك الاستدلال بل في أنفسهم دليل جواز ذلك ، وفي سورة يس لم يذكر استبعادهم فبدأ بالأدنى وارتقى إلى الأعلى .
والوجه الثاني : يحتمل أن يكون المراد بالخلق الأول هو خلق السموات ، لأنه هو الخلق الأول وكأنه تعالى قال : { أفلم ينظروا إلى السماء } ثم قال : { أفعيينا } بهذا الخلق ويدل على هذا قوله تعالى : { أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن } ويؤيد هذا الوجه هو أن الله تعالى قال بعد هذه الآية { ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه } فهو كالاستدلال بخلق الإنسان وهو معطوف بحرف الواو على ما تقدم من الخلق وهو بناء السماء ومد الأرض وتنزيل الماء وإنبات الجنات ، وفي تعريف الخلق الأول وتنكير خلق جديد وجهان ( أحدهما ) ما عليه الأمران لأن الأول عرفه كل واحد وعلم لنفسه ، والخلق الجديد لم يعلم لنفسه ولم يعرفه كل أحد ولأن الكلام عنهم وهم لم يكونوا عالمين بالخلق الجديد ( والوجه الثاني ) أن ذلك لبيان إنكارهم للخلق الثاني من كل وجه ، كأنهم قالوا أيكون لنا خلق ما على وجه الإنكار له بالكلية ؟ وقوله تعالى : { بل هم في لبس } تقديره ما عيينا بل هم في شك من خلق جديد ، يعني لا مانع من جهة الفاعل ، فيكون من جانب المفعول وهو الخلق الجديد ، لأنهم كانوا يقولون ذلك محال وامتناع وقوع المحال بالفاعل لا يوجب عجزا فيه ، ويقال للمشكوك فيه ملتبس كما يقال لليقين إنه ظاهر وواضح ، ثم إن اللبس يسند إلى الأمر كم قلنا : إنه يقال إن هذا أمر ظاهر ، وهذا أمر ملتبس وهاهنا أسند الأمر إليهم حيث قال : { هم في لبس } وذلك لأن الشيء يكون وراء حجاب والناظر إليه بصير فيختفي الأمر من جانب الرائي فقال هاهنا { بل هم في لبس } ومن في قوله { من خلق جديد } يفيد فائدة وهي ابتداء الغاية كأن اللبس كان حاصلا لهم من ذلك .
{ أَفَعَيِينَا بالخلق الأول } استئناف مقرر لصحة البعث الذي حكيت أحوال المنكرين له من الأمم المهلكة والعي بالأمر العجز عنه لا التعب ، وقال الكسائي : تقول أعييت من التعب وعييت من انقطاع الحيلة والعجز عن الأمر ، وهذا هو المعروف والأفصح وإن لم يفرق بينهما كثير ، والهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر ينبئ عنه العي من القصد والمباشرة كأنه قيل : أقصدنا الخلق الأول وهو الإبداء فعجزنا عنه حتى يتوهم عجزنا عن الإعادة ، وجوز الإمام أن يكون المراد بالخلق الأول خلق السماء والأرض ويدل عليه قوله سبحانه : { أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذي خَلَقَ السموات والارض وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ } [ الأحقاف : 33 ] ويؤيده قوله تعالى بعد : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان } [ ق : 16 ] الخ وهو كما ترى ، وعن الحسن { الخلق الاول } آدم عليه السلام وليس بالحسن ، وقرأ ابن أبي عبلة . والوليد بن مسلم . والقورصي عن أبي جعفر . والسمسار عن شيبة . وأبو بحر عن نافع { أفعينا } بتشديد الياء وخرجت على لغة من أدغم الياء في الياء في الماضي فقال : عي في عي وحي في حي فلما أدغم الحقه ضمير المتكلم المعظم نفسه ولم يفك الإدغام فقال : عيناً وهي لغة لبعض بكر بن وائل في رددت ورددنا ردت وردنا فلا يكفون ، وعلى هذه اللغة تكون الياء المشددة مفتوحة ولو كانت { نا } ضمير نصب فالعرب جميعهم على الأدغام نحو ردنا زيد { بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍ مّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ } عطف على مقدر يدل عليه ما قبله كأنه قيل : إنهم معترفون بالأول غير منكرين قدرتنا عليه فلا وجه لإنكارهم الثاني بل هم في خلط وشبهة في خلق مستأنف وإنما نكر الخلق ووصف بجديد ولم يقل : من الخلق الثاني تنبيهاً على مكان شبهتهم واستبعادهم العادي بقوله سبحانه : { جَدِيدٍ } وأنه خلق عظيم يجب أن يهتم بشأنه فله نبأ أي نبأ ، والتعظيم ليس راجعاً إلى الخلق من حيث هو هو حتى يقال : إنه أهون من الخلق الأول بل إلى ما يتعلق بشأن المكلف وما يلاقيه بعده وهو هو وقال بعض المحققين : نكر لأنه لاستعباده عندهم كان أمراً عظيماً ، وجوز أن يكون التنكير للإبهام إشارة إلى أنه خلق على وجه لا يعرفه الناس ، وأورد الشيخ الأكبر قدس سره هذه الآية في معرض الاستدلال على تجدد الجواهر كالتجدد الذي يقوله الأشعري في الإعراض فكل منهما عند الشيخ لا يبقى زمانين ، ويفهم من كلامه قدس سره أن ذلك مبني على القول بالوحدة وأنه سبحانه كل يوم هو في شأن ، ولعمري أن الآية بمعزل عما يقول .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.