قوله تعالى : { وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون }
اعلم أنه تعالى لما تمم الكلام في الإلهيات إلى هذا الموضع شرع من هذا الموضع في إثبات النبوات فبدأ تعالى بحكاية شبهات المنكرين لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم .
فالشبهة الأولى : قولهم يا محمد إن هذا القرآن الذي جئتنا به كلام تستفيده من مدارسة العلماء ومباحثة الفضلاء ، وتنظمه من عند نفسك ، ثم تقرأه علينا ، وتزعم أنه وحي نزل عليك من الله تعالى ، ثم أنه تعالى أجاب عنه بالوجوه الكثيرة ، فهذا تقرير النظم ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن المراد من قوله : { وكذلك نصرف الآيات } يعني أنه تعالى يأتي بها متواترة حالا بعد حال ، ثم قال : { وليقولوا درست } وفيه مباحث :
البحث الأول : حكى الواحدي : في قوله درس الكتاب قولين : الأول : قال الأصمعي أصله من قولهم : درس الطعام إذا داسه ، يدرسه دراسا والدراس الدياس بلغة أهل الشام قال : ودرس الكلام من هذا أي يدرسه فيخف على لسانه . والثاني : قال أبو الهيثم درست الكتاب أي ذللته بكثرة القراءة حتى خف حفظه ، من قولهم درست الثوب أدرسه درسا فهو مدروس ودريس ، أي أخلقته ، ومنه قيل للثوب الخلق دريس لأنه قد لان ، والدراسة الرياضة ، ومنه درست السورة حتى حفظتها ، ثم قال الواحدي : وهذا القول قريب مما قاله الأصمعي بل هو نفسه لأن المعنى يعود فيه إلى الدليل والتليين .
البحث الثاني : قرأ ابن كثير وأبو عمرو دارست بالألف ونصب التاء ، وهو قراءة ابن عباس ومجاهد وتفسيرها قرأت على اليهود وقرؤا عليك ، وجرت بينك وبينهم مدارسة ومذاكرة ، ويقوي هذه القراءة قوله تعالى : { إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون } وقرأ ابن عامر { درست } أي هذه الأخبار التي تلوتها علينا قديمة قد درست وانمحت ، ومضت من الدرس الذي هو تعفي الأثر وإمحاء الرسم ، قال الأزهري من قرأ { درست } فمعناه تقادمت أي هذا الذي تتلوه علينا قد تقادم وتطاول وهو من قولهم درس الأثر يدرس دروسا .
واعلم أن صاحب «الكشاف » روى ههنا قراءات أخرى : فإحداها : { درست } بضم الراء مبالغة في { درست } أي اشتد دروسها . وثانيها : { درست } على البناء للمفعول بمعنى قدمت وعفت . وثالثها : { دارست } وفسروها بدارست اليهود محمدا . ورابعها : { درس } أي درس محمد . وخامسها : { دارسات } على معنى هي دارسات أي قديمات أو ذات درس كعيشة راضية .
البحث الثالث : «الواو » في قوله : { وليقولوا } عطف على مضمر والتقدير وكذلك نصرف الآيات لتلزمهم الحجة وليقولوا فحذف المعطوف عليه لوضوح معناه .
البحث الرابع : اعلم أنه تعالى قال : { وكذلك نصرف الآيات } ثم ذكر الوجه الذي لأجله صرف هذه الآيات وهو أمران : أحدهما قوله تعالى : { وليقولوا دارست } والثاني قوله : { درست ولنبينه لقوم يعلمون } أما هذا الوجه الثاني فلا إشكال فيه لأنه تعالى بين أن الحكمة في هذا التصريف أن يظهر منه البيان والفهم والعلم . وإنما الكلام في الوجه الأول وهو قوله : { وليقولوا دارست } لأن قولهم للرسول دارست كفر منهم بالقرآن والرسول ، وعند هذا الكلام عاد بحث مسألة الجبر والقدر . فأما أصحابنا فإنهم أجروا الكلام على ظاهره فقالوا معناه إنا ذكرنا هذه الدلائل حالا بعد حال ليقول بعضهم دارست فيزداد كفرا على كفر ، وتثبيتا لبعضهم فيزداد إيمانا على إيمان ، ونظيره قوله تعالى :
{ يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } وقوله : { وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم } وأما المعتزلة فقد تحيروا . قال الجبائي والقاضي : وليس فيه إلا أحد وجهين : الأول : أن يحمل هذا الإثبات على النفي ، والتقدير : وكذلك نصرف الآيات لئلا يقولوا درست . ونظيره قوله تعالى : { يبين الله لكم أن تضلوا } ومعناه : لئلا تضلوا . والثاني : أن تحمل هذه اللام على لام العاقبة . والتقدير : أن عاقبة أمرهم عند تصريفنا هذه الآيات أن يقولوا هذا القول مستندين إلى اختيارهم ، عادلين عما يلزم من النظر في هذه الدلائل . هذه غاية كلام القوم في هذا الباب .
ولقائل أن يقول : أما الجواب الأول فضعيف من وجهين : الأول : أن حمل الإثبات على النفي تحريف لكلام الله وتغيير له ، وفتح هذا الباب يوجب أن لا يبقى وثوق لا بنفيه ولا بإثباته ، وذلك يخرجه عن كونه حجة وأنه باطل . والثاني : أن بتقدير أن يجوز هذا النوع من التصرف في الجملة ، إلا أنه غير لائق ألبتة بهذا الموضع ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يظهر آيات القرآن نجما نجما ، والكفار كانوا يقولون : إن محمدا يضم هذه الآيات بعضها إلى بعض ويتفكر فيها ويصلحها آية فآية ثم يظهرها ، ولو كان هذا بوحي نازل إليه من السماء ، فلم لا يأتي بهذا القرآن دفعة واحدة ؟ كما أن موسى عليه السلام أتى بالتوراة دفعة واحدة .
إذا عرفت هذا فنقول : إن تصريف هذه الآيات حالا فحالا هي التي أوقعت الشبهة للقوم في أن محمدا صلى الله عليه وسلم ، إنما يأتي بهذا القرآن على سبيل المدارسة مع التفكر والمذاكرة مع أقوام آخرين وعلى ما يقول الجبائي والقاضي فإنه يقتضي بأن يكون تصريف هذه الآيات حالا بعد حال يوجب أن يمتنعوا من القول بأن محمدا عليه الصلاة والسلام إنما أتى بهذا القرآن على سبيل المدارسة والمذاكرة . فثبت أن الجواب الذي ذكره إنما يصح لو جعلنا تصريف الآيات علة لأن يمتنعوا من ذلك القول ، مع أنا بينا أن تصريف الآيات ، هو الموجب لذلك القول فسقط هذا الكلام .
وأما الجواب الثاني : وهو حمل اللام على لام العاقبة ، فهو أيضا بعيد لأن حمل هذه اللام على لام العاقبة مجاز ، وحمله على لام الغرض حقيقة ، والحقيقة أقوى من المجاز فلو قلنا : «اللام » في قوله : { وليقولوا درست } لام العاقبة في قوله : { ولنبينه لقوم يعلمون } للحقيقة فقد حصل تقديم المجاز على الحقيقة في الذكر وأنه لا يجوز . فثبت بما ذكرنا ضعف هذين الجوابين وأن الحق ما ذكرنا أن المراد منه عين المذكور في قوله تعالى : { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } ومما يؤكد هذا التأويل قوله : { ولنبينه لقوم يعلمون } يعني أنا ما بيناه إلا لهؤلاء ، فأما الذين لا يعلمون فما بينا هذه الآيات لهم ، ولما دل هذا على أنه تعالى ما جعله بيانا إلا للمؤمنين ثبت أنه جعله ضلالا للكافرين وذلك ما قلنا . والله أعلم .
{ وكذلك } أي مثل ذلك التصريف البديع { نُصَرّفُ الايات } الدالة على المعاني الرائقة الكاشفة عن الحقائق الفائقة لا تصريفاً أدنى منه .
وقيل : المراد كما صرفنا الآيات قبل نصرف هذه الآيات ، وقد تقدم لك ما هو الحري بالقبول . وأصل التصريف كما قال علي بن عيسى إجراء المعنى الدائر في المعاني المتعاقبة من الصرف وهو نقل الشيء من حال إلى حال . وقال الراغب : «التصريف كالصرف إلا في التكثير وأكثر ما يقال في صرف الشيء من حال إلى حال وأمر إلى أمر2 .
{ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ } علة لفعل قد حذف تعويلاً على دلالة السياق عليه أي وليقولوا درست نفعل ما نفعل من التصريف المذكور . وبعضهم قدر الفعل ماضياً والأمر في ذلك سهل ، واللام لام العاقبة . وجوز أن تكون للتعليل على الحقيقة لأن نزول الآيات لإضلال الأشقاء وهداية السعداء قال تعالى : { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } [ البقرة : 26 ] . والواو اعتراضية ، وقيل : هي عاطفة على علة محذوفة . واللام متعلقة بنصرف أي مثل ذلك التصريف نصرف الآيات لنلزمهم الحجة وليقولوا الخ . وهو أولى من تقدير لينكروا وليقولوا الخ . وقيل : اللام لام الأمر ، وينصره القراءة بسكون اللام كأنه قيل : وكذلك نصرف الآيات وليقولوا هم ما يقولون فإنهم لا احتفال بهم ولا اعتداد بقولهم ، وهو أمر معناه الوعيد والتهديد وعدم الاكتراث . ورده في «الدر المصون » بأن ما بعده يأباه فإن اللام فيه نص في أنها لام كي ، وتسكين اللام في القراءة الشاذة لا دليل فيه لاحتمال أن يكون للتخفيف .
ومعنى { دَرَسْتَ } قرأت وتعلمت ، وأصله على ما قال الأصمعي من قولهم : درس الطعام يدرسه دراساً إذا داسه كأن التالي يدوس الكلام فيخف على لسانه . وقال أبو الهيثم : يقال درست الكتاب أي ذللته بكثرة القراءة حتى خف حفظه من قولهم : درست الثوب أدرسه درساً فهو مدروس ودريس أي أخلقته ، ومنه قيل للثوب الخلق : دريس لأنه قد لان ، والدرسة الرياضة ومنه درست السورة حتى حفظتها . وهذا كما قال الواحدي قريب مما قاله الأصمعي أو هو نفسه لأن المعنى يعود فيه إلى التذليل والتليين . وقال الراغب : يقال دَرَسَ الدارُ أي بقي ( أثره ) وبقاء الأثر يقتضي انمحاءه في نفسه فلذلك فسر الدروس بالإنمحاء ، وكذا درس الكتاب ودرست العلم تناولت أثره بالحفظ ، ولما كان تناول ذلك بمداومة القراءة عبر عن إدامة القراءة بالدرس » وهو بعيد عما تقدم كما لا يخفى .
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { *دارست } بالألف وفتح التاء وهي قراءة ابن عباس ومجاهد : أي دارست يا محمد غيرك ممن يعلم الأخبار الماضية وذكرته ، وأرادوا بذلك نحو ما أرادوه بقولهم : { يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ }
[ النحل : 103 ] . قال الإمام : «ويقوي هذه القراءة قوله تعالى حكاية عنهم : { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ إِنْ هذا إِلاَّ إِفْكٌ افتراه وَأَعَانَهُ } [ الفرقان : 4 ] وقرأ ابن عامر ويعقوب وسهل { دَرَسْتَ } بفتح السين وسكون التاء ، ورويت عن عبد الله بن الزبير وأبي وابن مسعود والحسن رضي الله تعالى عنهم . والمعنى قدمت هذه الآيات وعفت وهو كقولهم { أساطير الاولين } [ النحل : 24 ] . وقرىء { دَرَسْتَ } بضم الراء مبالغة في درست لأن فعل المضموم للطبائع والغرائز أي اشتد دروسها ، و { دَرَسْتَ } على البناء للمفعول بمعنى قرئت أو عفيت وقد صح مجيء عفا متعدياً كمجيئه لازماً ؛ و { *دارست } بتاء التأنيث أيضاً . والضمير إما لليهود لاشتهارهم بالدارسة أي دارست اليهود محمداً صلى الله عليه وسلم وإما للآيات وهو في الحقيقة لأهلها أي دارست أهل الآيات وحملتها محمداً عليه الصلاة والسلام وهم أهل الكتاب ، و { *دورست } على مجهول فاعل . و { وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ } بالبناء للمفعول والإسناد إلى تاء الخطاب مع التشديد ، ونسبت إلى ابن زيد . و { *ادارست } مشدداً معلوماً ونسبت إلى ابن عباس ، وفي رواية أخرى عن أبي { *درس } على إسناده إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم أو الكتاب إن كان بمعنى انمحى ونحوه و { *درسن } بنون الإناث مخففاً ومشدداً و { *دارسات } بمعنى قديمات أو ذات درس أو دروس ك { فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } [ القارعة : 7 ] . وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هي دراسات .
{ وَلِنُبَيّنَهُ } عطف على { لّيَقُولواْ } واللام فيه للتعليل المفسر ببيان ما يدل على المصلحة المترتبة على الفعل عند الكثير من أهل السنة . ولا ريب في أن التبيين مصلحة مرتبة على التصريف . والخلاف في أن أفعال الله تعالى هل تعلل بالأغراض مشهور وقد أشرنا إليه فيما تقدم . والضمير للآيات باعتبار التأويل بالكتاب أو للقرآن وإن لم يذكر لكونه معلوماً أو لمصدر { نُصَرّفُ } كما قيل أو نبين أي ولنفعلن التبيين { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } فإنهم المنتفعون به وهو الوجه في تخصيصهم بالذكر . وهم على ما روي عن ابن عباس أولياؤه الذين هداهم إلى سبيل الرشاد ووصفهم بالعلم للإيذان بغاية جهل غيرهم وخلوهم عن العلم بالمرة .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وكذلك نُصَرّفُ الآيات وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } [ الأنعام : 105 ] قال ابن عطاء أي حقيقة البيان وهو الوقوف معه حيث ما وقف والجرى معه حيث ما جرى لا يتقدم بغلبته ولا يتخلف عنه لعجزه ، وقال آخر : المعنى لقوم يعرفون قدري ويفهمون خطابي لا من لا يعرف مكان خطابي ومرادي من كلامي