قوله تعالى : { قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ }
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما قرر هذه البيانات الظاهرة ، والدلائل القاهرة في هذه المطالب العالية الشريفة الإلهية . عاد إلى تقرير أمر الدعوى والتبليغ والرسالة فقال : { قد جاءكم بصائر من ربكم } والبصائر جمع البصيرة ، وكما أن البصر اسم للإدراك التام الكامل الحاصل بالعين التي في الرأس ، فالبصيرة اسم للإدراك التام الحاصل في القلب . قال تعالى : { بل الإنسان على نفسه بصيرة } أي له من نفسه معرفة تامة ، وأراد بقوله : { قد جاءكم بصائر من ربكم } الآيات المتقدمة ، وهي في أنفسها ليست بصائر إلا أنها لقوتها وجلالتها توجب البصائر لمن عرفها ، ووقف على حقائقها ، فلما كانت هذه الآيات أسبابا لحصول البصائر . سميت هذه الآيات أنفسها بالبصائر ، والمقصود من هذه الآية بيان ما يتعلق بالرسول وما لا يتعلق به .
أما القسم الأول : وهو الذي يتعلق بالرسول ، فهو الدعوة إلى الدين الحق ، وتبليغ الدلالة والبينات فيها ، وهو أنه عليه السلام ما قصر في تبليغها وإيضاحها وإزالة الشبهات عنها ، وهو المراد من قوله : { قد جاءكم بصائر من ربكم } .
وأما القسم الثاني : وهو الذي لا يتعلق بالرسول ، فإقدامهم على الإيمان وترك الكفر ، فإن هذا لا يتعلق بالرسول ، بل يتعلق باختيارهم ، ونفعه وضره عائد إليهم ، والمعنى من أبصر الحق وآمن فلنفسه أبصر ، وإياها نفع ، ومن عمي عنه فعلى نفسه عمي وإياها ضر بالعمى { وما أنا عليكم بحفيظ } احفظ أعمالكم وأجازيكم عليها . إنما أنا منذر والله هو الحفيظ عليكم .
المسألة الثانية : في أحكام هذه الآية ، وهي أربعة ذكرها القاضي : فالأول : الغرض بهذه البصائر أن ينتفع بها اختيارا استحق بها الثواب لا أن يحمل عليها أو يلجأ إليها ، لأن ذلك يبطل هذا الغرض . والثاني : أنه تعالى إنما دلنا وبين لنا منافع ، وأغراض المنافع تعود إلينا لا لمنافع تعود إلى الله تعالى . والثالث : أن المرء بعدوله عن النظر والتدبر يضر بنفسه ، ولم يؤت إلا من قبله لا من قبل ربه . والرابع : أنه متمكن من الأمرين ، فلذلك قال : { فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها } قال : وفيه إبطال قول المجبرة في المخلوق ، وفي أنه تعالى يكلف بلا قدرة .
واعلم أنه متى شرعت المعتزلة في الحكمة والفلسفة والأمر والنهي ، فلا طريق فيه إلا معارضته بسؤال الداعي فإنه يهدم كل ما يذكرونه .
المسألة الثالثة : المراد من الإبصار ههنا العلم ، ومن العمي الجهل ، ونظيره قوله تعال : { فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } .
المسألة الرابعة : قال المفسرون قوله : { فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها } معناه لا آخذكم بالإيمان أخذ الحفيظ عليكم والوكيل . قالوا : وهذا إنما كان قبل الأمر بالقتال ، فلما أمر بالقتال صار حفيظا عليهم ، ومنهم من يقول آية القتال ناسخة لهذه الآية ، وهو بعيد فكأن هؤلاء المفسرين مشغوفون بتكثير النسخ من غير حاجة إليه ، والحق ما تقرره أصحاب أصول الفقه إن الأصل عدم النسخ ، فوجب السعي في تقليله بقدر الإمكان .
{ قَدْ جَاءكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ } استئناف وارد على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم فقل مقدرة كما قاله بعض المحققين . والبصائر جمع بصيرة وهي للقلب كالبصر للعين ، والمراد بها الآيات الواردة ههنا أو جميع الآيات ويدخل ما ذكر دخولاً أولياً ، و { مِنْ } لابتداء الغاية مجازاً وهي متعلقة بجاء أو بمحذوف وقع صفة لبصائر ، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لإظهار كمال اللطف بهم أي قد جاءكم من جهة مالككم ومبلغكم إلى كمالكم اللائق بكم من الوحي الناطق بالحق والصواب ما هو كالبصائر للقلوب أو قد جاءكم بصائر كائنة من ربكم { فَمَنْ أَبْصَرَ } أي الحق بتلك البصائر وآمن به { فَلِنَفْسِهِ } أي فلنفسه أبصر كما نقل عن الكلبي وتبعه الزمخشري أو فإبصاره لنفسه كما اختاره أبو حيان لما ستعلم قريباً إن شاء الله تعالى . والمراد على القولين أن نفع ذلك يعود إليه .
{ وَمَنْ عَمِىَ } أي ومن لم يبصر الحق بعد ما ظهر له بتلك البصائر ظهوراً بيناً وضل عنه ، وإنما عبر عنه بالعمى تنفيراً عنه { فَعَلَيْهَا } عمى أو فعماه عليها أي وبال ذلك عليها ، وهما قولان لمن تقدم . وذكر أبو حيان «أن تقدير المصدر أولى لوجهين : أحدهما : أن المحذوف يكون مفرداً لا جملة ويكون الجار والمجرور عمدة لا فضلة . والثاني : أنه لو كان المقدر فعلا لم تدخل الفاء سواء كانت «من » شرطية أو موصولة لامتناعها في الماضي » . وتعقب بأن تقدير الفعل يترجح لتقدم فعل ملفوظ به وكان أقوى في الدلالة ، وأيضاً أن في تقديره المعمول المؤذن بالاختصاص ، وأيضاً ما ذكر في الوجه الثاني غير لازم لأنه لم يقدر الفعل مولياً لفاء الجواب بل قدر معمول الفعل الماضي مقدماً ولا بد فيه من الفاء فلو قلت : من أكرم زيداً فلنفسه أكرمه لم يكن بد من الفاء . نعم لم يعهد تعدية عمي بعلى وهو لازم التقدير السابق في الجملة الثانية وكأنه لذلك عدل عنه بعضهم بعد أن وافق في الأول إلى قوله : فعليها وباله { وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } وإنما أنا منذر والله تعالى هو الذي يحفظ أعمالكم ويجازيكم عليها .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ قَدْ جَاءكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ } وهي صور تجليات صفاته . وقال بعض العارفين : إنها كلماته التي تجلى منها لذوي الحقائق وبرزت من تحت سرادقاتها أنوار نعوته الأزلية { فَمَنْ أَبْصَرَ } واهتدى { فَلِنَفْسِهِ } ذلك الإبصار أي أن ثمرته تعود إليه { وَمَنْ عَمِىَ } واحتجب عن الهدى { فَعَلَيْهَا } عماه واحتجابه { وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } [ الأنعام : 104 ] بل الله تعالى حفيظ عليكم لأنكم وسائر شؤونكم به موجودون( {[282]} ) ] .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.