قوله تعالى : { سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآيتنا وكانوا عنها غافلين } في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة قوله : { سأوريكم دار الفاسقين } ذكر في هذه الآية ما يعاملهم به فقال : { سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض } واحتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى قد يمنع عن الإيمان ويصد عنه وذلك ظاهر ، وقالت المعتزلة : لا يمكن حمل الآية على ما ذكرتموه ويدل عليه وجوه :
الوجه الأول : قال الجبائي لا يجوز أن يكون المراد منه أنه تعالى يصرفهم عن الإيمان بآياته لأن قوله : { سأصرف } يتناول المستقبل وقد بين تعالى أنهم كفروا فكذبوا من قبل هذا الصرف ، لأنه تعالى وصفهم بكونهم متكبرين في الأرض بغير الحق وبأنهم إن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا ، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ، فثبت أن الآية دالة على أن الكفر قد حصل لهم في الزمان الماضي ، فهذا يدل على أنه ليس المراد من هذا الصرف الكفر بالله .
الوجه الثاني : أن قوله : { سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض } مذكور على وجه العقوبة على التكبر والكفر ، فلو كان المراد من هذا الصرف هو كفرهم ، لكان معناه أنه تعالى خلق فيهم الكفر عقوبة لهم على إقدامهم على الكفر ، ومعلوم أن العقوبة على الكفر بمثل ذلك الفعل المعاقب عليه لا يجوز ، فثبت أنه ليس المراد من هذا الصرف الكفر .
الوجه الثالث : أنه لو صرفهم عن الإيمان وصدهم عنه فكيف يمكن أن يقول مع ذلك { فما لهم لا يؤمنون } { فما لهم عن التذكرة معرضين } { وما منع الناس أن يؤمنوا } فثبت أن حمل الآية على هذا الوجه غير ممكن فوجب حملها على وجوه أخرى .
( فالوجه الأول ) : قال الكعبي وأبو مسلم الأصفهاني : إن هذا الكلام تمام لما وعد الله موسى عليه السلام به من إهلاك أعدائه ، ومعنى صرفهم إهلاكهم فلا يقدرون على منع موسى من تبليغها ولا على منع المؤمنين من الإيمان به ، وهو شبيه بقوله : { بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس } فأراد تعالى أن يمنع أعداء موسى عليه السلام من إيذائه ومنعه من القيام بما يلزمه في تبليغ النبوة والرسالة .
والوجه الثاني : في التأويل ما ذكره الجبائي فقال : سأصرف هؤلاء المتكبرين على نيل ما في آياتي من العز والكرامة المعدين للأنبياء والمؤمنين ، وإنما يصرفهم عن ذلك بواسطة إنزال الذل والإذلال بهم ، وذلك يجري مجرى العقوبة على كفرهم وتكبرهم على الله .
والوجه الثالث : أن من الآيات آيات لا يمكن الانتفاع بها إلا بعد سبق الإيمان ، فإذا كفروا فقد صيروا أنفسهم بحيث لا يمكنهم الانتفاع بتلك الآيات ، فحينئذ يصرفهم الله عنها .
والوجه الرابع : أن الله تعالى إذا علم من حال بعضهم أنه إذا شاهد تلك الآيات فإنه لا يستدل بها بل يستخف بها ولا يقوم بحقها ، فإذا علم الله ذلك منه ، صح من الله تعالى أن يصرفه عنها .
والوجه الخامس : نقل عن الحسن أنه قال : إن من الكفار من يبالغ في كفره وينتهي إلى الحد الذي إذا وصل إليه مات قلبه ، فالمراد من قوله : { سأصرف عن آياتي } هؤلاء . فهذا جملة ما قيل في هذا الباب ، وظهر أن هذه الآية ليس فيها دلالة قوية على صحة ما يقول به في مسألة خلق الأعمال . والله أعلم .
المسألة الثانية : معنى يتكبرون : أنهم يرون أنهم أفضل الخلق وأن لهم من الحق ما ليس لغيرهم وهذه الصفة أعني التكبر لا تكون إلا لله تعالى ، لأنه هو الذي له القدرة والفضل الذي ليس لأحد فلا جرم يستحق كونه متكبرا ، وقال بعضهم : التكبر : إظهار كبر النفس على غيرها . وصفة التكبر صفة ذم في جميع العباد ، وصفة مدح في الله جل جلاله ، لأنه يستحق إظهار ذلك على من سواه لأن ذلك في حقه حق . وفي حق غيره باطل .
واعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآية قوله : { بغير الحق } لأن إظهار الكبر على الغير قد يكون بالحق ، فإن للمحق أن يتكبر على المبطل ، وفي الكلام المشهور التكبر على المتكبر صدقة .
أما قوله تعالى : { وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا } ففيه مباحث :
البحث الأول : قرأ حمزة والكسائي : { الرشد } بفتح الراء والشين والباقون بضم الراء وسكون الشين . وفرق أبو عمرو بينهما فقال : { الرشد } بضم الراء الصلاح لقوله تعالى : { فإن آنستم منهم رشدا } أي صلاحا ، و{ الرشد } بفتحهما الاستقامة في الدين . قال تعالى : { مما علمت رشدا } وقال الكسائي هما لغتان بمعنى واحد ، مثل الحزن والحزن ، والسقم والسقم ، وقيل : { الرشد } بالضم الاسم ، وبالفتحتين المصدر .
البحث الثاني : { سبيل الرشد } عبارة عن سبيل الهدى والدين الحق والصواب في العلم والعمل و { سبيل الغي } ما يكون مضادا لذلك ، ثم بين تعالى أن هذا الصرف إنما كان لأمرين : أحدهما : كونهم مكذبين بآيات الله . والثاني : كونهم غافلين عنها ، والمراد أنهم واظبوا على الإعراض عنها حتى صاروا بمنزلة الغافل عنها والله أعلم .
{ سَأَصْرِفُ عَنْ ءاياتي الذين يَتَكَبَّرُونَ فِي الارض } استئناف مسوق على ما قال شيخ الإسلام لتحذيرهم عن التكبر الموجب لعدم التفكر في الآيات التي كتبت في ألواح التوراة المتضمنة للمواعظ والأحكام أو ما يعمها وغيرها من الآيات التكوينية التي من جملتها ما وعدوا إراءته من دار الفاسقين ، ومعنى صرفهم عنها منعهم بالطبع على قلوبهم فلا يكادون يتفكرون فها ولا يعتبرون بها لإصرارهم على ما هم عليه من التكبر والتجبر كقوله سبحانه : { فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ } [ الصف : 5 ] أي سأطبع على قلوب الذين يعدون أنفسهم كبراء ويرون أن لهم ارتفاعاً ف العالم السفلي ومزية على الخلق فلا ينتفعون بآياتي ولا يغتنمون مغانم آثارها فلا تسلكوا مسلكهم فتكونوا أمثالهم ، وقيل : هو جواب سؤال مقدر ناشىء من الوعد بإدخال أرض الجبابرة والعمالقة على أن المراد بالآيات ما تلي آنفاً ونظائره وبالصرف عنها إزالة المتكبرين عن مقام معارضتها وممانعتها لوقوع أخبارها وظهور أحكامها وآثارها بإهلاكهم على يد موسى أو يوشع عليهما السلام ، كأنه قيل : كيف ترى دارهم وهم فيها ؟ فقيل لهم : سأهلكهم ، وإنما عدل إلى الصرف ليزدادوا ثقة بالآيات واطمئناناً بها ؛ وعلى هذين القولين يكون الكلام مع موسى عليه السلام ، والآية متعلقة إما بقوله سبحانه : { سأوريكم } [ الأعراف : 145 ] وإما بما تقدمه على الوجه الذي أشير إليه آنفاً ، وجوز الطيبي كونها متصلة بقوله تعالى : { وَأَمَرُّ } [ الأعراف : 145 ] الخ على معنى الأمر كذلك ؛ وأما الإرادة فإني سأصرف عن الأخذ بآياتي أهل الطبع والشقاوة ، وقيل : الكلام مع كافري مكة والآية متصلة بقوله عز شأنه : { أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الارض مِن بَعْدِ أَهْلِهَا } [ الأعراف : 100 ] الآية ، وإيراد قصة موسى عليه السلام وفرعون للاعتبار أي سأصرف المتكبرين عن إبطال الآيات وإن اجتهدوا كما فعل فرعون فعاد عليه فعله بعكس ما أراد ، وقيل : إن الآية على تقدير كون الكلام مع قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتراض في خلاف ما سيق للاعتبار ومن حق من ساق قصة له أن ينبه على مكانه كلما وجد فرصة التمكن منه ، وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح لإظهار الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر مع أن في المؤخر نوع طول يخل تقديمه بتجاوب أطراف النظم الجليل ، واحتج بالآية بعض أصحابنا على أن الله تعالى قد يمنع عن الإيمان ويصد عنه وهو ظاهر على تقرير أن يراد بالصرف المنع عن الإيمان وليس بمتعين كما علمت ، وقد خاض المعتزلة في تأويلها فأولوها بوجوه ذكرها الطبرسي { بِغَيْرِ الحق } إما صلة للتكبر على معنى يتكبرون ويتعززون بما ليس بحق وهو دينهم الباطل وظلمهم المفرط أو متعلق بمحذوف هو حال من فاعله أي يتكبرون ملتبسين بغير الحق ومآله يتكبرون غير محقين لأن التكبر بحق ليس إلا لله تعالى كما في الحديث القدسي الذي أخرجه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه
«الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في واحد منهما قذفته في النار » . وقيل : المراد أنهم يتكبرون على من لا يتكبر كالأنباء عليهم السلام لأنه الذي يكون بغير حق ، وأما التكبر على المتكبر فهو بحق لما في الأثر التكبر على المتكبر صدقة ، وأنت تعلم أن هذا صورة تكبر لا تكبر حقيقة فلعل مراد هذا القائل : إن التقييد بما ذكر لإظهار أنهم يتكبرون حقيقة .
{ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا } عطف على يتكبرون داخل معه في حكم الصلة ، والمراد بالآية إما المنزلة فالمراد برؤيتها مشاهدتها والإحساس بها بسماعها أو ما يعمها وغيرها من المعجزات ، فالمراد برؤيتها مطلق المشاهدة المنتظمة للسماع والإبصار ، وفسر بعضهم الآيات فيما تقدم بالمنصوبة في الآفاق والأنفس ، والآية هنا بالمنزلة أو المعجزة لئلا يتوهم الدور على ما قيل فليفهم ، وجوز أن يكون عطفاً على سأصرف للتعليل على منوال قوله سبحانه : { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودُ وسليمان عِلْماً وَقَالاَ الحمد لِلَّهِ } [ النمل : 15 ] على رأي صاحب المفتاح ، وأياً ما كان فالمراد عموم النفي لا نفي العموم أي كفروا بكل أية آية { وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرشد } أي طريق الهدى والسداد { لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً } أي لا يتوجهون إليه ولا يسلكونه أصلاً لاستيلاء الشيطنة عليهم .
وقرأ حمزة . والكسائي { الرشد } بفتحتين ، وقرىء { الرشاد } وثلاثها لغات كالسقم والسقم والسقام ، وفرق أبو عمرو كما قال الجبائي بين الرشد والرشد بأن الرشد بالضم الصلاح في الأمر والرشد بالفتح الاستقامة في الدين ، والمشهور عدم الفرق { وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الغى } أي طريق الضلال { يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً } أي يختارونه لأنفسهم مسلكاً مستمراً لا يكادون يعدلون عنه لموافقته لأهوائهم وإفضائه بهم إلى شهواتهم { ذلك } أي المذكور من التكبر وعدم الإيمان بشيء من الآيات وإعراضهم عن سبيل الهدى وإقبالهم التام إلى سبيل الضلال حاصل { بِأَنَّهُمْ } أي بسبب أنهم { كَذَّبُواْ باياتنا } الدالة على بطلان ما اتصفوا به من القبائح وعلى حقية أضدادها { وَكَانُواْ عَنْهَا غافلين } غير معتدين بها فلا يتفكرون فيها وإلا لما فعلوا ما فعلوا من الأباطيل ، وجوز غير واحد أن يكون ذلك إشارة إلى الصرف ، وما فيه من البحث يدفع بأدنى عناية كما لا يخفى على من مدت إليه العناية أسبابها ، وأياً ما كان فاسم الإشارة مبتدأ والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع خبراً عنه كما أشرنا إليه .
وقيل : محل اسم الإشارة النصب على المصدر أي سأصرفهم ذلك الصرف بسبب تكذيبهم بآياتنا وغفلتهم عنها ، ولا مانع من كون العامل أصرف المقدم لأن الفاصل ليس بأجنبي .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ سَأَصْرِفُ عَنْ ءاياتي الذين يَتَكَبَّرُونَ فِي الارض بِغَيْرِ الحق } [ الأعراف : 146 ] هم الذين في مقام النفس فيكون تكبرهم حجاباً لهم عن آيات الله تعالى وأما المتكبرون بالحق وهم الذي فنيت صفاتهم وظهرت عليهم صفات مولاهم فليسوا بمحجوبين ولا يعد تكبرهم مذموماً لأنه ليس تكبرهم حقيقة وإنما حظهم منه كونهم مظهراً له .