مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ} (15)

قوله تعالى : { يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد }

لما كثر الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم والإصرار من الكفار وقالوا إن الله لعله يحتاج إلى عبادتنا حتى يأمرنا بها أمرا بالغا ويهددنا على تركها مبالغا فقال تعالى : { أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني } فلا يأمركم بالعبادة لاحتياجه إليكم وإنما هو لإشفاقه عليكم ، وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : التعريف في الخبر قليل والأكثر أن يكون الخبر نكرة والمبتدأ معرفة وهو معقول وذلك لأن المخبر لا يخبر في الأكثر إلا بأمر لا يكون عند المخبر به علم أو في ظن المتكلم أن السامع لا علم له به ، ثم أن يكون معلوما عند السامع حتى يقول له أيها السامع الأمر الذي تعرفه أنت فيه المعنى الفلاني كقول القائل زيد قائم أو قام أي زيد الذي تعرفه ثبت له قيام لا علم عندك به ، فإن كان الخبر معلوما عند السامع والمبتدأ كذلك ويقع الخبر تنبيها لا تفهيما يحسن تعريف الخبر غاية الحسن ، كقول القائل : الله ربنا ومحمد نبينا ، حيث عرف كون الله ربا ، وكون محمد نبيا ، وههنا لما كان كون الناس فقراء أمرا ظاهرا لا يخفى على أحد قال : { أنتم الفقراء } .

المسألة الثانية : قوله : { إلى الله } إعلام بأنه لا افتقار إلا إليه ولا اتكال إلا عليه وهذا يوجب عبادته لكونه مفتقرا إليه وعدم عبادة غيره لعدم الافتقار إلى غيره ، ثم قال : { والله هو الغني } أي هو مع استغنائه يدعوكم كل الدعاء وأنتم من احتياجكم لا تجيبونه ولا تدعونه فيجيبكم .

المسألة الثالثة : في قوله : { الحميد } لما زاد في الخبر الأول وهو قوله : { أنتم الفقراء } زيادة وهو قوله : { إلى الله } إشارة لوجوب حصر العبادة في عبادته زاد في وصفه بالغني زيادة وهو كونه حميدا إشارة إلى كونكم فقراء وفي مقابلته الله غني وفقركم إليه في مقابلة نعمه عليكم لكونه حميدا واجب الشكر ، فلستم أنتم فقراء والله مثلكم في الفقر بل هو غني على الإطلاق ولستم أنتم لما افتقرتم إليه ترككم غير مقضي الحاجات بل قضى في الدنيا حوائجكم ، وإن آمنتم يقضي في الآخرة حوائجكم فهو حميد .

 
أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ} (15)

{ يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله } في أنفسكم وما يعن لكم ، وتعريف الفقراء للمبالغة في فقرهم كأنهم لشدة افتقارهم وكثرة احتياجهم هم الفقراء ، وان افتقار سائر الخلائق بالإضافة إلى فقرهم غير معتد به ولذلك قال : { وخلق الإنسان ضعيفا } . { والله هو الغني الحميد } المستغني على الإطلاق المنعم على سائر الموجودات حتى استحق عليهم الحمد .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ} (15)

قوله جل ذكره : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } .

الفقر على ضربين : فقر الخِلْقة وفقر الصفة ؛ فأمَّا فقر الخِلْقَة فهو عامٌّ لكلِّ أحدٍ ؛ فكلُّ مخلوقٍ مفتقرٌ إلى خالقه ، فهو قد حَصَلَ من العَدَمَ ، فهو مفتقر إليه ليبديه وينْشيه ، ثم بعد ذلك مفتقرٌ - في حال بقائه إليه - لِيُديمَه ويقيه . فاللَّهُ - سبحانه - غنيٌّ ، والعبدُ فقير ؛ العبدُ فقيرٌ بعينه واللَّهُ غنيٌّ بعينه .

وأمَّا فقر الصفة فهو التجرُّد ، ففقرُ العوامِ التجرُّدُ من المال ، وفقر الخواص التجرد من الأعلال لِيَسْلَمَ لهم الفقر .

والفقر على أقسام : فقر إلى الله ، وفقر إلى شيء هو من الله ؛ معلوم أو مرسوم وغير ذلك . ومَنْ افتقر إلى شيءٍ استغنى بوجود ذلك الشيء ؛ فالفقيرُ إلى اللَّه هو الغنيُّ بالله ، والافتقار إلى الله لا يخلو من الاستغناء بالله ، فالمفتقر إلى الله مُسْتَغْنٍ بالله ، والمستغني بالله مفتَقِرٌ إلى الله .

ومن شرف الفقر اقترانه بالتواضع والخضوع ، ومن آفات الغنى امتزاجُه بالتكُّبر ، وشَرَفُ العبد في فقره ، وكذلك ذُلُّه في توهمه أنه غنيٌّ :-

وإِذا تذلَّلَتْ الرِّقابُ تَقَرُّباً *** مِنَّا إليكَ فعِزُّها في ذُلِّها

ومن الفقر المذموم ، أن يَسْتُرَ الحقُّ على صاحبه مواضعَ فقره إلى ربِّه ، ومن الفقر المحمود أن يُشْهِدَه الحقُّ مواضعَ فَقْرِه إليه .

ومن شرط الفقير المخلص ألا يملكَ شيئاً ويملك كلَّ شيءٍ .

ويقال : الفقير الصادق الذي لا يملكه شيء .

ومن آداب الفقير الصادق إظهارُ التَّشَكُّرِ عند كمالِ التكَسُّر . ومن آداب الفقر كمال المعنى وزوال الدعوى . ويقال الشكر على البلوى والبعد عن الشكوى .

وحقيقة الفقر المحمود تجرُّد السِّرِّ عن المعلولات وإفراد القلب بالله .

ويقال : الفقر المحمود العَيْشُ مع الله براحة الفراغ على سَرْمَدِ الوقتِ من غير استكراه شيءٍ منه بكلِّ وجْهٍ .

قوله : { وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ } : الإشارة منه أن يُعْطِي حتى يُحْمَد .

ويقال الغنيُّ إذا أظهر غِنَاه لأحدٍ فإمَّا للمفاخرة أو للمكاثرة - وجَلَّ قَدْرُ الحقِّ عن ذلك- وإمَّا ليجود ويتفضَّل على أحدٍ .

ويقال : لا يقول لنا أَنتم الفقراءُ للإزرار بنا - فإنَّ كَرَمَه يتقدَّسُ عن ذلك - وإنما المقصود أنه إذا قال : والله الغني ، وأنتم الفقراء أنه يجود علينا .

ويقال إذا لم تَدَّعِ ما هو صفته - من استحقاق الغِنَى- أولاك ما يُغْنِيك ، وأعطاكَ فوق ما يكفيك .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ} (15)

{ 15 - 18 } { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ * وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ }

يخاطب تعالى جميع الناس ، ويخبرهم بحالهم ووصفهم ، وأنهم فقراء إلى اللّه من جميع الوجوه :

فقراء في إيجادهم ، فلولا إيجاده إياهم ، لم يوجدوا .

فقراء في إعدادهم بالقوى والأعضاء والجوارح ، التي لولا إعداده إياهم [ بها ] ، لما استعدوا لأي عمل كان .

فقراء في إمدادهم بالأقوات والأرزاق والنعم الظاهرة والباطنة ، فلولا فضله وإحسانه وتيسيره الأمور ، لما حصل [ لهم ] من الرزق والنعم شيء .

فقراء في صرف النقم عنهم ، ودفع المكاره ، وإزالة الكروب والشدائد . فلولا دفعه عنهم ، وتفريجه لكرباتهم ، وإزالته لعسرهم ، لاستمرت عليهم المكاره والشدائد .

فقراء إليه في تربيتهم بأنواع التربية ، وأجناس التدبير .

فقراء إليه ، في تألههم له ، وحبهم له ، وتعبدهم ، وإخلاص العبادة له تعالى ، فلو لم يوفقهم لذلك ، لهلكوا ، وفسدت أرواحهم ، وقلوبهم وأحوالهم .

فقراء إليه ، في تعليمهم ما لا يعلمون ، وعملهم بما يصلحهم ، فلولا تعليمه ، لم يتعلموا ، ولولا توفيقه ، لم يصلحوا .

فهم فقراء بالذات إليه ، بكل معنى ، وبكل اعتبار ، سواء شعروا ببعض أنواع الفقر أم لم يشعروا ، ولكن الموفق منهم ، الذي لا يزال يشاهد فقره في كل حال من أمور دينه ودنياه ، ويتضرع له ، ويسأله أن لا يكله إلى نفسه طرفة عين ، وأن يعينه على جميع أموره ، ويستصحب هذا المعنى في كل وقت ، فهذا أحرى بالإعانة التامة من ربه وإلهه ، الذي هو أرحم به من الوالدة بولدها .

{ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } أي : الذي له الغنى التام من جميع الوجوه ، فلا يحتاج إلى ما يحتاج إليه خلقه ، ولا يفتقر إلى شيء مما يفتقر إليه الخلق ، وذلك لكمال صفاته ، وكونها كلها ، صفات كمال ، ونعوت وجلال .

ومن غناه تعالى ، أن أغنى الخلق في الدنيا والآخرة ، الحميد في ذاته ، وأسمائه ، لأنها حسنى ، وأوصافه ، لكونها عليا ، وأفعاله لأنها فضل وإحسان وعدل وحكمة ورحمة ، وفي أوامره ونواهيه ، فهو الحميد على ما فيه ، وعلى ما منه ، وهو الحميد في غناه [ الغني في حمده ] .