وقوله تعالى : { ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى } متعلق بما قبله ، وذلك من حيث إنه تعالى لما بين الحق بالدلائل الظاهرة والبراهين الباهرة ذكر ما يدعوهم إلى النظر فيه فقال : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } أي لا تحمل نفس ذنب نفس فالنبي صلى الله عليه وسلم لو كان كاذبا في دعائه لكان مذنبا وهو معتقد بأن ذنبه لا تحملونه أنتم فهو يتوقى ويحترز ، والله تعالى غير فقير إلى عبادتكم فتفكروا واعلموا أنكم إن ضللتم فلا يحمل أحد عنكم وزركم وليس كما يقول : أكابركم { اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم } وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قوله : { وازرة } أي نفس وازرة ولم يقل ولا تزر نفس وزر أخرى ولا جمع بين الموصوف والصفة فلم يقل ولا تزر نفس وازرة وزرة أخرى لفائدة أما الأول : فلأنه لو قال ولا تزر نفس وزر أخرى ، لما علم أن كل نفس وازرة مهمومة بهم وزرها متحيرة في أمرها ووجه آخر : وهو أن قول القائل ولا تزر نفس وزر أخرى ، قد يجتمع معها أن لا تزر وزرا أصلا كالمعصوم لا يزر وزر غيره ومع ذلك لا يزر وزرا رأسا فقوله : { ولا تزر وازرة } بين أنها تزر وزرها ولا تزر وزر الغير وأما ترك ذكر الموصوف فلظهور الصفة ولزومها للموصوف .
ثم قال تعالى : { وإن تدع مثقلة } إشارة إلى أن أحدا لا يحمل عن أحد شيئا مبتدئا ولا بعد السؤال ، فإن المحتاج قد يصبر وتقضى حاجته من غير سؤاله ، فإذا انتهى الافتقار إلى حد الكمال يحوجه إلى السؤال .
المسألة الثانية : في قوله : { مثقلة } زيادة بيان لما تقدم من حيث إنه قال أولا : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } فيظن أن أحدا لا يحمل عن أحد لكون ذلك الواحد قادرا على حمله ، كما أن القوي إذا أخذ بيده رمانة أو سفرجلة لا تحمل عنه ، وأما إذا كان الحمل ثقيلا قد يرحم الحامل فيحمل عنه فقال : { مثقلة } يعني ليس عدم الوزر لعدم كونه محلا للرحمة بالثقل بل لكون النفس مثقلة ولا يحمل منها شيء .
المسألة الثالثة : زاد في ذلك بقوله : { ولو كان ذا قربى } أي المدعو لو كان ذا قربى لا يحمله وفي الأول كان يمكن أن يقال لا يحمله لعدم تعلقه به كالعدو الذي يرى عدوه تحت ثقل ، أو الأجنبي الذي يرى أجنبيا تحت حمل لا يحمل عنه فقال : { ولو كان ذا قربى } أي يحصل جميع المعاني الداعية إلى الحمل من كون النفس وازرة قوية تحتمل وكون الأخرى مثقلة لا يقال كونها قوية قادرة ليس عليها حمل وكونها سائلة داعية فإن السؤال مظنة الرحمة ، لو كان المسؤول قريبا فإذن لا يكون التخلف إلا لمانع وهو كون كل نفس تحت حمل ثقيل .
ثم قال تعالى : { إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة } إشارة إلى أن لا إرشاد فوق ما أتيت به ، ولم يفدهم ، فلا تنذر إنذارا مفيدا إلا الذين تمتلئ قلوبهم خشية وتتحلى ظواهرهم بالعبادة كقوله : { الذين آمنوا } إشارة إلى عمل القلب { وعملوا الصالحات } إشارة إلى عمل الظواهر فقوله : { الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة } في ذلك المعنى ، ثم لما بين { أن لا تزر وازرة وزر أخرى } بين أن الحسنة تنفع المحسنين .
فقال : { ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه } أي فتزكيته لنفسه .
ثم قال تعالى : { وإلى الله المصير } أي المتزكي إن لم تظهر فائدته عاجلا فالمصير إلى الله يظهر عنده في يوم اللقاء في دار البقاء ، والوازر إن لم تظهر تبعة وزره في الدنيا فهي تظهر في الآخرة إذ المصير إلى الله .
{ ولا تزر وازرة وزر أخرى } ولا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى ، وأما قوله : { ليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم } ففي الضالين المضلين فإنهم يحملون أثقال إضلالهم مع أثقال ضلالهم ، وكل ذلك أوزارهم وليس فيها شيء من أوزار غيرهم . { وإن تدع مثقلة } نفس أثقلها الأوزار . { إلى حملها } تحمل بعض أوزارها . { لا يحمل منه شيء } لم تجب لحمل شيء منه نفى أن يحمل عنها ذنبها كما نفى أن يحمل عليها ذنب غيرها . { ولو كان ذا قربى } ولو كان المدعو ذا قرابتها ، فأضمر المدعو لدلالة أن تدع عليه . وقرئ " ذو قربى " على حذف الخبر وهو أولى من جعل كان التامة فإنها لا تلائم نظم الكلام . { إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب } غائبين عن عذابه ، أو عن الناس في خلواتهم ، أو غائبا عنهم عذابه . { وأقاموا الصلاة } فإنهم المتفعون بالإنذار لا غير ، واختلاف الفعلين لما مر من الاستمرار . { ومن تزكى } ومن تطهر من دنس المعاصي . { فإنما يتزكى لنفسه } إذ نفعه لها ، وقرئ " ومن أزكى فإنما يزكي " وهو اعتراض مؤكد لخشيتهم وإقامتهم الصلاة لأنهما من جملة التزكي { والى الله المصير } فيجازيهم على تزكيهم .
قوله جلّ ذكره : { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } .
كُلٌّ مُطَالَبٌ بعمله ، وكلٌّ محاسَبٌ عن ديوانه ، ولكلِّ معه شأن ، وله مع كلِّ أحدٍ شأن . ومن العبادات ما تجري فيه النيابة ولكن في المعارف لا تجري النيابة ؛ فلو أن عبداً عاصياً منهمكاً في غوايته فاتته صلاةٌ مفروضةٌ ، فلو قضى عنه ألفُ وليٍّ وألفُ صَفِيِّ تلك الصلاةَ الواحدةَ عن كل ركعةًٍ ألفَ ركعةٍ لم تُقْبلْ منه إِلاَّ أنْ يجيءَ هو : معاذ الله أن نأخذ إلا مِمَّن وجدنا متاعنا عنده ! فعتابُك لا يجري مع غيرِك والخطابُ الذي معك لا يسمعه غيرُك :
فَسِرْ أو أَقِمْ وَقْفٌ عليكَ محبتي *** مكانُكَ من قلبي عليكَ مصونُ
قوله جلّ ذكره : { إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } .
الإنذار هو الإعلام بموضع المخافة ، والخشيةُ هي المخافة ؛ فمعنى الآية ، لا ينفع التخويف إلاَّ لمن صَاحَبَ الخوفَ - وطيرُ السماءِ على أشكالها تَقَعُ .
ويدل على المعنى الأخير ، ما ذكره بعده في قوله : { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } أي : في يوم القيامة كل أحد يجازى بعمله ، ولا يحمل أحد ذنب أحد . { وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ } أي : نفس مثقلة بالخطايا والذنوب ، تستغيث بمن يحمل عنها بعض أوزارها { لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى } فإنه لا يحمل عن قريب ، فليست حال الآخرة بمنزلة حال الدنيا ، يساعد الحميم حميمه ، والصديق صديقه ، بل يوم القيامة ، يتمنى العبد أن يكون له حق على أحد ، ولو على والديه وأقاربه .
{ إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ } أي : هؤلاء الذين يقبلون النذارة وينتفعون بها ، أهل الخشية للّه بالغيب ، أي : الذين يخشونه في حال السر والعلانية ، والمشهد والمغيب ، وأهل إقامة الصلاة ، بحدودها وشروطها وأركانها وواجباتها وخشوعها ، لأن الخشية للّه تستدعي من العبد العمل بما يخشى من تضييعه العقاب ، والهرب مما يخشى من ارتكابه العذاب ، والصلاة تدعو إلى الخير ، وتنهى عن الفحشاء والمنكر .
{ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ } أي : ومن زكى نفسه بالتنقِّي من العيوب ، كالرياء والكبر ، والكذب والغش ، والمكر والخداع والنفاق ، ونحو ذلك من الأخلاق الرذيلة ، وتحلَّى بالأخلاق الجميلة ، من الصدق ، والإخلاص ، والتواضع ، ولين الجانب ، والنصح للعباد ، وسلامة الصدر من الحقد والحسد وغيرهما من مساوئ الأخلاق ، فإن تزكيته يعود نفعها إليه ، ويصل مقصودها إليه ، ليس يضيع من عمله شيء .
{ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } فيجازي الخلائق على ما أسلفوه ، ويحاسبهم على ما قدموه وعملوه ، ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها .