قوله تعالى { لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا } في الآية مسائل :
المسألة الأولى : في بيان وجه النظم . فنقول : إنه تعالى لما بين أن الناس فريقان منهم من يريد بعمله الدنيا فقط وهم أهل العقاب والعذاب ، ومنهم من يريد به طاعة الله وهم أهل الثواب . ثم شرط ذلك بشرائط ثلاثة : أولها : إرادة الآخرة . وثانيها : أن يعمل عملا ويسعى سعيا موافقا لطلب الآخرة . وثالثها ؛ أن يكون مؤمنا لا جرم فصل في هذه الآية تلك المجملات فبدأ أولا بشرح حقيقة الإيمان ، وأشرف أجزاء الإيمان هو التوحيد ونفي الشركاء والأضداد فقال : { لا تجعل مع الله إلها آخر } ثم ذكر عقيبه سائر الأعمال التي يكون المقدم عليها ، والمشتغل بها ساعيا سعيا يليق بطلب الآخرة ، وصار من الذين سعد طائرهم وحسن بختهم وكملت أحوالهم .
المسألة الثانية : قال المفسرون : هذا في الظاهر خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن في المعنى عام لجميع المكلفين كقوله : { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء } ويحتمل أيضا أن يكون الخطاب للإنسان كأنه قيل : أيها الإنسان لا تجعل مع الله إلها آخر ، وهذا الاحتمال عندي أولى ، لأنه تعالى عطف عليه قوله : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه } إلى قوله : { إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما } وهذا لا يليق بالنبي عليه السلام ، لأن أبويه ما بلغا الكبر عنده فعلمنا أن المخاطب بهذا هو نوع الإنسان .
المسألة الثالثة : معنى الآية أن من أشرك بالله كان مذموما مخذولا ، والذي يدل على أن الأمر كذلك وجوه : الأول : أن المشرك كاذب والكاذب يستوجب الذم والخذلان . الثاني : أنه لما ثبت بالدليل أنه لا إله ولا مدبر ولا مقدر إلا الواحد الأحد ، فعلى هذا التقدير تكون جميع النعم حاصلة من الله تعالى ، فمن أشرك بالله فقد أضاف بعض تلك النعم إلى غير الله تعالى ، مع أن الحق أن كلها من الله ، فحينئذ يستحق الذم ، لأن الخالق تعالى استحق الشكر بإعطاء تلك النعم فلما جحد كونها من الله ، فقد قابل إحسان الله تعالى بالإساءة والجحود والكفران فاستوجب الذم وإنما قلنا إنه يستحق الخذلان ، لأنه لما أثبت شريكا لله تعالى استحق أن يفوض أمره إلى ذلك الشريك ، فلما كان ذلك الشريك معدوما بقي بلا ناصر ولا حافظ ولا معين . وذلك عين الخذلان . الثالث : أن الكمال في الوحدة والنقصان في الكثرة ، فمن أثبت الشريك فقد وقع في جانب النقصان واستوجب الذم والخذلان ، واعلم أنه لما دل لفظ الآية على أن المشرك مذموم مخذول وجب بحكم الآية أن يكون الموحد ممدوحا منصورا ، والله أعلم .
المسألة الرابعة : القعود المذكور في قوله : { فتقعد مذموما مخذولا } فيه وجوه : الأول : أن معناه : المكث أي فتمكث في الناس مذموما مخذولا ، وهذه اللفظة مستعملة في لسان العرب والفرس في هذا المعنى ، فإذا سأل الرجل غيره ما يصنع فلان في تلك البلدة ؟ فيقول المجيب : هو قاعد بأسوأ حال معناه : المكث سواء كان قائما أو جالسا . الثاني : إن من شأن المذموم المخذول أن يقعد نادما متفكرا على ما فرط منه . الثالث : أن المتمكن من تحصيل الخيرات يسعى في تحصيلها ، والسعي إنما يتأتى بالقيام ، وأما العاجز عن تحصيلها فإنه لا يسعى بل يبقى جالسا قاعدا عن الطلب فلما كان القيام على الرجل أحد الأمور التي بها يتم الفوز بالخيرات ، وكان القعود والجلوس علامة على عدم تلك المكنة والقدرة لا جرم جعل القيام كناية عن القدرة على تحصيل الخيرات . والقعود كناية عن العجز والضعف .
المسألة الخامسة : قال الواحدي : قوله : ( فتقعد ) انتصب لأنه وقع بعد الفاء جوابا للنهي وانتصابه بإضمار «أن » كقولك لا تنقطع عنا فنجفوك ، والتقدير : لا يكن منك انقطاع فيحصل أن نجفوك فما بعد الفاء متعلق بالجملة المتقدمة بحرف الفاء التي هي حرف العطف . وإنما سماه النحويون جوابا لكونه مشابها للجزاء في أن الثاني مسبب عن الأول ، ألا ترى أن المعنى إن انقطعت جفوتك كذلك تقدير الآية إن جعلت مع الله إلها آخر قعدت مذموما مخذولا .
{ لاَّ تَجْعَل مَعَ الله إلها ءاخَرَ } الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته على حد إياك أعني فاسمعي يا جارة أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب على حد { وَلَوْ تَرَى * إِذْ وُقِفُواْ } [ الأنعام : 27 ] { فَتَقْعُدَ } بالنصب على النهي ، والقعود قيل بمعنى المكث كما تقول هو قاعد في أسوأ حال أي ماكث ومقيم سواء كان قائماً أم جالساً ، وقيل بمعنى العجز والعرب تقول : ما أقعدك عن المكارم أي ما أعجزك عنها ، وقيل : بمعنى الصيرورة من قولهم : شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة أي صارت . وتعقب هذا أبو حيان بأن مجيء قعد بمعنى صار مقصور عند الأصحاب على ذا المثل ولا يطرد ، وقال بعضهم : إن اطرد فإنما يطرد في مثل الموضع الذي استعملته العرب فيه أولاً يعني القول المذكور فلا يقال : قعد كاتباً بمعنى صار بل قعد كأنه سلطان لكونه مثل قعدت كأنها حربة ، ولعل من فسر القعود هنا بمعنى الصيرورة ذهب مذهب الفراء فإنه كما قال أبو حيان وغيره يقول باطراد ذلك وجعل منه قول الراجز المذكور في «البحر والحواشي الشهابية » ولا حجة فيه .
وحكى الكسائي قعد لا يسأل حاجة إلا قاها واستعمال البغداديين على هذا ، ثم أنهم اختلفوا في القعود بمعنى العجز فقيل هو مجاز من القعود ضد القيام كالمقعد بمعنى العاجز عن القيام ثم تجوز به عن مطلق العجز ، وقيل هو كناية عن العجز فإن من أراد أخذ شيء يقوم له ومن عجز قعد وأما القعود بمعنى الزمانة فحقيقة والإقعاد مجاز كأن مرضه أقعده وجعل هذا القعود بمعنى المكث حقيقة . وتعقب بأن فيه نظراً إلا أن يريد حقيقة عرفية لا لغوية لأنه ضد القيام وإذا جعل القعود هنا بمعنى العجز فالفعل لازم ومتعلقه محذوف أي فتعجز عن الفوز بالمقصود مثلاً و { مَذْمُومًا مَّخْذُولاً } إما خبر ان لتقعد على القول الأخير وإما حالان مترادفان أي فتقعد جامعاً على نفسك الخذلان من الله تعالى والذم من الملائكة والمؤمنين أو من ذوي العقول حيث اتخذت محتاجاً مفتقراً مثلك لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً إلهاً ونسبت إليه ما لا يصلح له وجعلته شريكاً لمن له الكمال الذاتي وهو الذي خلقك ورزقك وأنعم عليك على ما داه ، وجوز أبو حيان أن يراد بالقعود حقيقته لأن من شأن المذموم المخذول أن يقعد حائراً متفكراً وهو من باب التعبير بالحال الغالبة ، وفي الآية إشعار بأن الموحد جامع بين المدح والنصرة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.