مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا} (24)

قوله تعالى { وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا } .

في الآية مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى أمر بعبادة نفسه ، ثم أتبعه بالأمر ببر الوالدين وبيان المناسبة بين الأمر بعبادة الله تعالى وبين الأمر ببر الوالدين من وجوه :

الوجه الأول : أن السبب الحقيقي لوجود الإنسان هو تخليق الله تعالى وإيجاده ، والسبب الظاهري هو الأبوان ، فأمر بتعظيم السبب الحقيقي ، ثم أتبعه بالأمر بتعظيم السبب الظاهري .

الوجه الثاني : أن الموجود إما قديم وإما محدث ، ويجب أن تكون معاملة الإنسان مع الإله القديم بالتعظيم والعبودية ، ومع المحدث بإظهار الشفقة وهو المراد من قوله عليه السلام : « التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله » وأحق الخلق بصرف الشفقة إليه هما الأبوان لكثرة إنعامهما على الإنسان فقوله : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه } إشارة إلى التعظيم لأمر الله وقوله : { وبالوالدين إحسانا } إشارة إلى الشفقة على خلق الله .

الوجه الثالث : أن الاشتغال بشكر المنعم واجب ، ثم المنعم الحقيقي هو الخالق سبحانه وتعالى . وقد يكون أحد من المخلوقين منعما عليك ، وشكره أيضا واجب لقوله عليه السلام : « من لم يشكر الناس لم يشكر الله » وليس لأحد من الخلائق نعمة على الإنسان مثل ما للوالدين وتقريره من وجوه : أحدها : أن الولد قطعة من الوالدين ، قال عليه السلام : « فاطمة بضعة مني » وثانيها : أن شفقة الأبوين على الولد عظيمة وجدهما في إيصال الخير إلى الولد كالأمر الطبيعي واحترازهما عن إيصال الضرر إليه كالأمر الطبيعي ، ومتى كانت الدواعي إلى إيصال الخير متوفرة ، والصوارف عنه زائلة لا جرم كثر إيصال الخير ، فوجب أن تكون نعم الوالدين على الولد كثيرة أكثر من كل نعمة تصل من إنسان إلى إنسان . وثالثها : أن الإنسان حال ما يكون في غاية الضعف ونهاية العجز ، يكون في إنعام الأبوين فأصناف نعمهما في ذلك الوقت واصلة إليه ، وأصناف رحمة ذلك الولد واصلة إلى الوالدين في ذلك الوقت ، ومن المعلوم أن الإنعام إذا كان واقعا على هذا الوجه كان موقعه عظيما . ورابعها : أن إيصال الخير إلى الغير قد يكون لداعية إيصال الخير إليه وقد يمتزج بهذا الغرض سائر الأغراض ، وإيصال الخير إلى الولد ليس لهذا الغرض فقط . فكان الإنعام فيه أتم وأكمل ، فثبت أنه ليس لأحد من المخلوقين نعمة على غيره مثل ما للوالدين على الولد ، فبدأ الله تعالى بشكر نعمة الخالق وهو قوله : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه } ثم أردفه بشكر نعمة الوالدين وهو قوله : { وبالوالدين إحسانا } والسبب فيه ما بينا أن أعظم النعم بعد إنعام الإله الخالق نعمة الوالدين .

فإن قيل : الوالدان إنما طلبا تحصيل اللذة لنفسيهما فلزم منه دخول الولد في الوجود وحصوله في عالم الآفات والمخافات ، فأي إنعام للأبوين على الولد ؟ حكي أن واحدا من المتسمين بالحكمة كان يضرب أباه ويقول : هو الذي أدخلني في عالم الكون والفساد . وعرضني للموت والفقر والعمى والزمانة ، وقيل لأبي العلاء المعري : ماذا نكتب على قبرك ؟ قال اكتبوا عليه :

هذا ما جناه أبي علي *** وما جنيت على أحد

وقال في ترك التزوج والولد :

وتركت أولادي وهم في نعمة *** العدم التي سبقت نعيم العاجل

ولو أنهم ولدوا لعانوا شدة *** ترمي بهم في موبقات الآجل

وقيل للأسكندر : أستاذك أعظم منة عليك أم والدك ؟ فقال : الأستاذ أعظم منة ، لأنه تحمل أنواع الشدائد والمحن عند تعليمي أرتعني في نور العلم ، وأما الوالد فإنه طلب تحصيل لذة الوقاع لنفسه ، وأخرجني إلى آفات عالم الكون والفساد ، ومن الكلمات المشهورة المأثورة ، خير الآباء من علمك .

والجواب : هب أنهما في أول الأمر طلبا لذة الوقاع إلا أن الاهتمام بإيصال الخيرات ، وفي دفع الآفات من أول دخوله في الوجود إلى وقت بلوغه الكبر أليس أنه أعظم من جميع ما يتخيل من جهات الخيرات والمبرات ، فسقطت هذه الشبهات ، والله أعلم .

المسألة الثانية : قوله : { وبالوالدين إحسانا } قال أهل اللغة : تقدير الآية وقضى ربك ألا تعبدوا إلا الله وأن تحسنوا ، أو يقال : وقضى ألا تعبدوا إلا إياه وأحسنوا بالوالدين إحسانا . قال صاحب «الكشاف » : ولا يجوز أن تتعلق الباء في { وبالوالدين } بالإحسان لأن المصدر لا تتقدم عليه صلته ثم لم يذكر دليلا على أن المصدر لا يجوز أن تتقدم عليه صلته . وقال الواحدي في «البسيط » : الباء في { وبالوالدين } من صلة الإحسان وقدمت عليه كما تقول بزيد فامرو ، وهذا المثال الذي ذكره الواحدي غير مطابق ، لأن المطلوب تقديم صلة المصدر عليه ، والمثال المذكور ليس كذلك .

المسألة الثالثة : قال القفال : لفظ الإحسان قد يوصل بحرف الباء تارة ، وبحرف إلى أخرى ، وكذلك الإساءة ، يقال : أحسنت به وإليه . وأسأت به وإليه . قال الله تعالى : { وقد أحسن بي } وقال القائل :

أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة *** لدينا ولا مقلية إن تقلت

وأقول لفظ الآية مشتمل على قيود كثيرة كل واحد منها يوجب المبالغة في الإحسان إلى الوالدين : أحدها : أنه تعالى قال في الآية المتقدمة : { ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا } ثم إنه تعالى أردفه بهذه الآية المشتملة على الأعمال التي بواسطتها يحصل الفوز بسعادة الآخرة فذكر من جملتها البر بالوالدين ، وذلك يدل على أن هذه الطاعة من أصول الطاعات التي تفيد سعادة الآخرة . وثانيها : أنه تعالى بدأ بذكر الأمر بالتوحيد وثنى بطاعة الله تعالى ، وثلث بالبر بالوالدين وهذه درجة عالية ومبالغة عظيمة في تعظيم هذه الطاعة . وثالثها : أنه تعالى لم يقل : وإحسانا بالوالدين ، بل قال : { وبالوالدين إحسانا } فتقديم ذكرهما يدل على شدة الاهتمام . ورابعها : أنه قال : { إحسانا } بلفظ التنكير والتنكير يدل على التعظيم ، والمعنى : وقضى ربك أن تحسنوا إلى الوالدين إحسانا عظيما كاملا ، وذلك لأنه لما كان إحسانهما إليك قد بلغ الغاية العظيمة وجب أن يكون إحسانك إليهما كذلك ، ثم على جميع التقديرات فلا تحصل المكافأة ، لأن إنعامهما عليك كان على سبيل الابتداء ، وفي الأمثال المشهورة أن البادئ بالبر لا يكافأ .

ثم قال تعالى : { إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : لفظ «إما » لفظة مركبة من لفظتين : إن ، وما . أما كلمة إما فهي للشرط ، وأما كلمة ( ما ) فهي أيضا للشرط كقوله تعالى :

{ ما ننسخ من آية } فلما جمع بين هاتين الكلمتين أفاد التأكيد في معنى الاشتراط ، إلا أن علامة الجزم لم تظهر مع نون التوكيد ، لأن الفعل يبنى مع نون التأكيد وأقول لقائل أن يقول : إن نون التأكيد إنما يليق بالموضع الذي يكون اللائق به تأكيد ذلك الحكم المذكور وتقريره وإثباته على أقوى الوجوه ، إلا أن هذا المعنى لا يليق بهذا الموضع ، لأن قول القائل : الشيء إما كذا وإما كذا ، فالمطلوب منه ترديد الحكم بين ذينك الشيئين المذكورين ، وهذا الموضع لا يليق به التقرير والتأكيد فكيف يليق الجمع بين كلمة إما وبين نون التأكيد ؟

وجوابه : أن المراد أن هذا الحكم المتقرر المتأكد إما أن يقع وإما أن لا يقع ، والله أعلم .

المسألة الثانية : قرأ الأكثرون : { إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما } وعلى هذا التقدير فقوله : { يبلغن } فعل وفاعله هو قوله : { أحدهما } وقوله : { أو كلاهما } عطف عليه كقولك : ضرب زيد أو عمرو : ولو أسند قوله : { يبلغن } إلى قوله : { كلاهما } جاز لتقدم الفعل ، تقول قال رجل ، وقال رجلان ، وقالت الرجال ، وقرأ حمزة والكسائي : { يبلغان } وعلى هذه القراءة فقوله : { أحدهما } بدل من ألف الضمير الراجع إلى الوالدين وكلام العطف على أحدهما فاعلا أو بدلا .

فإن قيل : لو قيل إما يبلغان كلاما كان كلاهما توكيدا لا بدلا ، فلم زعمتم أنه بدل ؟

قلنا : لأنه معطوف على ما لا يصح أن يكون توكيدا للاثنين فانتظم في حكمه ، فوجب أن يكون مثله في كونه بدلا .

فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال قوله : { أحدهما } بدل ، وقوله : { أو كلاهما } توكيد ، ويكون ذلك قلنا : العطف يقتضي المشاركة فجعل أحدهما بدلا والآخر توكيدا خلاف الأصل ، والله أعلم .

المسألة الثالثة : قال أبو الهيثم الرازي ، وأبو الفتح الموصلي ، وأبو علي الجرجاني : إن كلا اسم مفرد يفيد معنى التثنية ووزنه فعل ولامه فعل بمنزلة لام حجي ورضي وهي كلمة وضعت على هذه الخلقة يؤكد بها الاثنان خاصة ولا تكون إلا مضافة . والدليل عليه أنها لو كانت تثنية لوجب أن يقال في النصب والخفض مررت بكلي الرجلين بكسر الياء كما تقول : بين يدي الرجل ومن ثلثي الليل ، ويا صاحبي السجن وطرفي النهار . ولما لم يكن الأمر كذلك ، علمنا أنها ليست تثنية بل هي لفظة مفردة وضعت للدلالة على التثنية كما أن لفظة كل اسم واحد موضوع للجماعة ، فإذن أخبرت عن لفظة كما تخبر عن الواحد كقوله تعالى : { وكلهم آتية يوم القيامة فردا } وكذلك إذا أخبرت عن كلا أخبرت عن واحد فقلت كلا إخوتك كان قائما قال الله تعالى :{ كلتا الجنتين آتت أكلها } ولم يقل آتتا ، والله أعلم .

المسألة الرابعة : قوله : { يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما } معناه : أنهما يبلغان إلى حالة الضعف والعجز فيصيران عندك في آخر العمر كما كنت عندهما في أول العمر .

واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الجملة فعند هذا الذكر كلف الإنسان في حق الوالدين بخمسة أشياء :

النوع الأول : قوله تعالى : { فلا تقل لهما أف } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قال الزجاج : فيه سبع لغات : كسر الفاء وضمها وفتحها ، وكل هذه الثلاثة بتنوين وبغير تنوين فهذه ستة واللغة السابعة أفي بالياء قال الأخفش : كأنه أضاف هذا القول إلى نفسه فقال قولي هذا وذكر ابن الأنباري : من لغات هذه اللفظة ثلاثة زائدة على ما ذكره الزجاج : { أف } بكسر الألف وفتح الفاء وافة بضم الألف وإدخال الهاء و { أف } بضم الألف وتسكين الفاء .

المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وابن عامر : بفتح الفاء من غير تنوين ، ونافع وحفص : بكسر الفاء والتنوين ، والباقون : بكسر الفاء من غير تنوين وكلها لغات ، وعلى هذا الخلاف في سورة الأنبياء { أف لكم } وفي الأحقاف : { أف لكما } وأقول : البحث المشكل ههنا أنا لما نقلنا عشرة أنواع من اللغات في هذه اللفظة ، فما السبب في أنهم تركوا أكثر تلك اللغات في قراءة هذه اللفظة ، واقتصروا على وجوه قليلة منها ؟

المسألة الثالثة : ذكروا في تفسير هذه اللفظة وجوها : الأول : قال الفراء : تقول العرب جعل فلان يتأفف من ريح وجدها ، معناه يقول : أف أف . الثاني : قال الأصمعي : الأف وسخ الأذن . والتف وسخ الظفر . يقال ذلك عند استقذار الشيء ، ثم كثر حتى استعملوا عند كل ما يتأذون به . الثالث : قال بعضهم أف معناه قلة ، وهو مأخوذ من الأفيف وهو الشيء القليل وتف أتباع له ، كقولهم : شيطان ليطان خبيث نبيث . الرابع : روى ثعلب عن ابن الأعرابي : الأف الضجر . الخامس : قال القتبي : أصل هذه الكلمة أنه إذا سقط عليك تراب أو رماد نفخت فيه لتزيله والصوت الحاصل عند تلك النفخة هو قولك أف ، ثم إنهم توسعوا فذكروا هذه اللفظة عند كل مكروه يصل إليهم . السادس : قال الزجاج : أف معناه النتن وهذا قول مجاهد ، لأنه قال معنى قوله : { ولا تقل لهما أف } أي لا تتقذرهما كما أنهما لم يتقذراك كنت تخر أو تبول ، وفي رواية أخرى عن مجاهد أنه إذا وجدت منهما رائحة تؤذيك فلا تقل لهما أف .

المسألة الرابعة : قول القائل : لا تقل لفلان أف ، مثل يضرب للمنع من كل مكروه وأذية وإن خف وقل . واختلف الأصوليون في أن دلالة هذا اللفظ على المنع . من سائر أنواع الإيذاء دلالة لفظية أو دلالة مفهومة بمقتضى القياس . قال بعضهم : إنها دلالة لفظية ، لأن أهل العرف إذا قالوا : لا تقل لفلان أف عنوا به أنه لا يتعرض له بنوع من أنواع الإيذاء والايحاش ، وجرى هذا مجرى قولهم فلان لا يملك نقيرا ولا قطميرا في أنه بحسب العرف يدل على أنه لا يملك شيئا .

والقول الثاني : أن هذا اللفظ إنما يدل على المنع من سائر أنواع الإيذاء بحسب القياس الجلي ، وتقريره أن الشرع إذا نص على حكم صورة وسكت عن حكم صورة أخرى ، فإذا أردنا إلحاق الصورة المسكوت عن حكمها بالصورة المذكور حكمها فهذا على ثلاثة أقسام : أحدها : أن يكون ثبوت ذلك الحكم في محل السكوت أولى من ثبوته في محل الذكر مثل هذه الصورة ، فإن اللفظ إنما دل على المنع من التأفيف ، والضرب أولى بالمنع من التأفيف . وثانيها : أن يكون الحكم في محل السكوت مساويا للحكم في محل الذكر ، وهذا هو الذي يسميه الأصوليون القياس في معنى الأصل ، وضربوا لهذا مثلا وهو قوله عليه السلام : « من أعتق نصيبا له من عبد قوم عليه الباقي » فإن الحكم في الأمة والعبد متساويان . وثالثها : أن يكون الحكم في محل السكوت أخفى من الحكم في محل الذكر وهو أكبر القياسات .

إذا عرفت هذا فنقول : المنع من التأفيف إنما يدل على المنع من الضرب بواسطة القياس الجلي الذي يكون من باب الاستدلال بالأدنى على الأعلى . والدليل عليه : أن التأفيف غير الضرب ، فالمنع من التأفيف لا يكون منعا من الضرب ، وأيضا المنع من التأفيف لا يستلزم المنع من الضرب عقلا ، لأن الملك الكبير إذا أخذ ملكا عظيما كان عدوا له ، فقد يقول للجلاد إياك وأن تستخف به أو تشافهه بكلمة موحشة لكن اضرب رقبته ، وإذا كان هذا معقولا في الجملة علمنا أن المنع من التأفيف مغاير للمنع من الضرب وغير مستلزم للمنع من الضرب عقلا في الجملة ، إلا أنا علمنا في هذه الصورة أن المقصود من هذا الكلام المبالغة في تعظيم الوالدين بدليل قوله : { وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة } فكانت دلالة المنع من التأفيف على المنع من الضرب من باب القياس بالأدنى على الأعلى ، والله أعلم .

النوع الثاني : من الأشياء التي كلف الله تعالى العباد بها في حق الأبوين قوله : { ولا تنهرهما } يقال : نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره . قال تعالى : { وأما السائل فلا تنهر } .

فإن قيل : المنع من التأفيف يدل على المنع من الانتهار بطريق الأولى ، فلما قدم المنع من التأفيف كان ذكر المنع من الانتهار بعده عبثا . أما لو فرضنا أنه قدم المنع من الانتهار ثم أتبعه بالمنع من التأفيف كان مفيدا حسنا ، لأنه يلزم من المنع من الانتهار المنع من التأفيف ، فما السبب في رعاية هذا الترتيب .

قلنا : المراد من قوله : { فلا تقل لهما أف } المنع من إظهار الضجر بالقليل أو الكثير ، والمراد من قوله : { ولا تنهرهما } المنع من إظهار المخالفة في القول على سبيل الرد عليه والتكذيب له .

النوع الثالث : قوله تعالى : { وقل لهما قولا كريما } واعلم أنه تعالى لما منع الإنسان بالآية المتقدمة عن ذكر القول المؤذي الموحش . والنهي عن القول المؤذي لا يكون أمرا بالقول الطيب ، لا جرم أردفه بأن أمره بالقول الحسن والكلام الطيب فقال : { وقل لهما قولا كريما } والمراد منه أن يخاطبه بالكلام المقرون بأمارات التعظيم والاحترام . قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : هو أن يقول له : يا أبتاه يا أماه ، وسئل سعيد بن المسيب عن القول الكريم فقال : هو قول العبد المذنب للسيد الفظ ، وعن عطاء أن يقال : هو أن تتكلم معه بشرط أن لا ترفع عليهما صوتك ولا تشد إليهما نظرك ، وذلك لأن هذين الفعلين ينافيان القول الكريم .

فإن قيل : إن إبراهيم عليه السلام كان أعظم الناس حلما وكرما وأدبا ، فكيف قال لأبيه يا آزر على قراءة من قرأ : { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر } بالضم : { إني أراك وقومك في ضلال مبين } فخاطبه بالاسم وهو إيذاء ، ثم نسبه ونسب قومه إلى الضلال وهو أعظم أنواع الإيذاء ؟

قلنا : إن قوله تعالى : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا } يدل على أن حق الله تعالى مقدم على حق الأبوين ، فإقدام إبراهيم عليه السلام على ذلك الإيذاء إنما كان تقديما لحق الله تعالى على حق الأبوين .

النوع الرابع : قوله : { واخفض لهما جناح الذل من الرحمة } والمقصود منه المبالغة في التواضع ، وذكر القفال رحمه الله في تقريره وجهين : الأول : أن الطائر إذا أراد ضم فرخه إليه للتربية خفض له جناحه ، ولهذا السبب صار خفض الجناح كناية عن حسن التربية ، فكأنه قال للولد : اكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا ذلك بك حال صغرك . والثاني : أن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحيه وإذا أراد ترك الطيران وترك الارتفاع خفض جناحه . فصار خفض الجناح كناية عن فعل التواضع من هذا الوجه .

فإن قيل : كيف أضاف الجناح إلى الذل والذل لا جناح له ؟

قلنا : فيه وجهان : الأول : أنه أضيف الجناح إلى الذل كما يقال : حاتم الجود فكما أن المراد هناك حاتم الجواد فكذلك ههنا المراد ، واخفض لهما جناحك الذليل ، أي المذلول . والثاني : أن مدار الاستعارة على الخيالات فههنا تخيل للذل جناحا وأثبت لذلك الجناح ضعفا تكميلا لأمر هذه الاستعارة كما قال لبيد :

إذ أصبحت بيد الشمال زمامها *** . . .

فأثبت للشمال يدا ووضع زمامها في يد الشمال فكذا ههنا وقوله : { من الرحمة } معناه : ليكن خفض جناحك لهما بسبب فرط رحمتك لهما وعطفك عليهما بسبب كبرهما وضعفهما .

والنوع الخامس : قوله : { وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا } وفيه مباحث :

البحث الأول : قال القفال رحمه الله تعالى : إنه لم يقتصر في تعليم البر بالوالدين على تعليم الأقوال بل أضاف إليه تعليم الأفعال وهو أن يدعو لهما بالرحمة فيقول : { رب ارحمهما } ولفظ الرحمة جامع لكل الخيرات في الدين والدنيا . ثم يقول : { كما ربياني صغيرا } يعين رب افعل بهما هذا النوع من الإحسان كما أحسنا إلي في تربيتهما إياي ، والتربية هي التنمية ، وهي من قولهم ربا الشيء إذا انتفخ ، ومنه قوله تعالى : { فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت } .

البحث الثاني : اختلف المفسرون في هذه الآية على ثلاثة أقوال :

القول الأول : أنها منسوخة بقوله تعالى : { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين } فلا ينبغي للمسلم أن يستغفر لوالديه إذا كانا مشركين ، ولا يقول : رب ارحمهما .

والقول الثاني : أن هذه الآية غير منسوخة ، ولكنها مخصوصة في حق المشركين ، وهذا أولى من القول الأول لأن التخصيص أولى من النسخ .

والقول الثالث : أنه لا نسخ ولا تخصيص لأن الوالدين إذا كانا كافرين فله أن يدعو لهما بالهداية والإرشاد ، وأن يطلب الرحمة لهما بعد حصول الإيمان .

البحث الثالث : ظاهر الأمر للوجوب فقوله : { وقل رب ارحمهما } أمر وظاهر الأمر لا يفيد التكرار فيكفي في العمل بمقتضى هذه الآية ذكر هذا القول مرة واحدة ، سئل سفيان : كم يدعو الإنسان لوالديه ؟ أفي اليوم مرة أو في الشهر أو في السنة ؟ فقال : نرجو أن يجزئه إذا دعا لهما في أواخر التشهدات كما أن الله تعالى قال : { يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه } فكانوا يرون أن التشهد يجزي عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، وكما أن الله تعالى قال : { واذكروا الله في أيام معدودات } فهم يكررون في أدبار الصلوات .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا} (24)

خفض الجناح : التواضع والتذلل .

وألن لهما جانبك وتواضع لهما مع الاحترام الزائد ، وادع لهما وتوجه إلى الله أن يرحمهما برحمته الباقية ، كفاء رحمتهما لك في صغرك وجميل شفقتهما عليك . ومهما أديت لهما من خدمات فلن تستطيع أن تكافئهما .

وقد وردت أحاديث كثيرة في بر الوالدين . منها عن عبد الله بن مسعود قال : ( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله ورسوله ؟ قال : الصلاة على وقتها ، قلت : ثم أي ؟ قال : بر الوالدين ، قلت : ثم أي ؟ قال : الجهاد في سبيل الله ) .

وروى البزار عن بريدة عن أبيه : أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يطوف حاملاً أمه ، فقال : هل أديتُ حقها ؟ قال : لا ، ولا بزفرة واحدة .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا} (24)

{ واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل } أي تواضع لهما وتذلل وفيه وجهان . الأول : أن يكون على معنى جناحك الذليل ويكون { جَنَاحَ الذل } بل خفض الجناح تمثيلاً في التواضع وجاز أن يكون استعارة في المفرد وهو الجناح ويكون الخفض ترشيحاً تبعياً أو مستقلاً ، الثاني أن يكون من قبيل قول لبيد :

وغداة ريح قد كشفت وقرة . . . إذ أصبحت بيد الشمال زمامها

فيكون في الكلام استعارة مكنية وتخييلية بأن يشبه الذل بطائر منحط من علو تشبيهاً مضمراً ويثبت له الجناح تخييلاً والخفض ترشيحاً فإن الطائر إذا أراد الطيران والعلو نشر جناحيه ورفعهما ليرتفع فإذا ترك ذلك خفضهما ، وأيضاً هو إذا رأى جارحاً يخافه لصق بالآرض وألصق جناحيه وهي غاية خوفه وتذلله ، وقيل المراد بخفضهما ما يفعله إذا ضم فراخه للتربية وأنه أنسب بالمقام ، وفي «الكشف » أن في الكلام استعارة بالكناية ناشئة من جعل الجناح الذل ثم المجموع كما هو مثل في غاية التواضع ولما أثبت لذله جناحه أمره بخفضه تكميلاً وماعسى يختلج في بعض الخواطر من أنه لما أثبت لذله جناحاً فالأمر برفع ذلك الجناح أبلغ في تقوية الذل من خفضه لأن كمال الطائر عند رفعه فهو ظاهر السقوط إذا جعل المجموع تمثيلاً لأن الغرض تصوير الذل كأنه مشاهد محسوس ، وأما على الترشيح فهو وهم لأن جعل الجناح المخفوض للذل يدل على التواضع وأما جعل الجناح وحده فليس بشيء ولهذا جعل تمثيلاً فيما سلف .

وقرأ سعيد بن جبير { مَّنَ الذل } بكسر الذال وهو الانقياد وأصله في الدواب والنعت منه ذلول وأما الذل بالضم فأصله في الإنسان وهو ضد العز والنعت منه ذليلاً { مِنَ الرحمة } أي من فرط رحمتك عليهما فمن ابتدائية على سبيل التعليل ، قال في «الكشف » ولا يحتمل البيان حتى يقال لو كان كذا لرجعت الاستعارة إلى التشبيه إذ جناح الذل ليس من الرحمة أبداً بل خفض جناح الذل جاز أن يقال إنه رحمة وهذا بين ، واستفادة المبالغة من جعل جنس الرحمة مبدأ للتذلل فإنه لا ينشأ إلا من رحمة تامة ، وقيل من كون التعريف للاستغراق وليس بذاك ، وإنما احتاجا إلى ذلك لافتقارهما إلى من كان أفقر الخلق إليهما واحتياج المرء إلى من كان محتاجاً إليه غاية الضراعة والمسكنة فيحتاج إلى أشد رحمة ، ولله تعالى در الخفاجي حيث يقول :

يا من أتى يسأل عن فاقتي . . . ما حال من يسأل من سائله ما ذلة السلطان إلا إذا

أصبح محتاجاً إلى عامله . . . { وَقُل رَّبّ ارحمهما } وادع الله تعالى أن يرحمهما برحمته الباقية وهي رحمة الآخرة ولا تكتف برحمتك الفانية وهي ما تضمنها الأمر والنهي السالفان ، وخصت الرحمة الأخروية بالإرادة لأنها الأعظم المناسب طلبه من العظيم ولأن الرحمة الدنيوية حاصلة عموماً لكل أحد ؛ وجوز أن يراد ما يعم الرحمتين ، وأياً ما كان فهذه الرحمة التي في الدعاء قيل إنها مخصوصة بالأبوين المسلمين ، وقيل عامة منسوخة بآية النهي عن الاستغفار ، وقيل عامة ولا نسخ لأن تلك الآية بعد الموت وهذه قبله ومن رحمة الله تعالى لهما أن يهديهما للإيمان فالدعاء بها مستلزم للدعاء به ولا ضير فيه ، والقول بالنسخ أخرجه البخاري في الأدب المفرد .

وأبو داود . وابن جرير . وابن المنذر من طرق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { كَمَا رَبَّيَانِى } الكاف للتشبيه ، والجار والمجرور صفة مصدر مقدر أي رحمة مثل تربيتهما لي أو مثل رحمتهما لي على أن التربية رحمة ، وجوز أن يكون لهما الرحمة والتربية معاً وقد ذكر أحدهما في أحد الجانبين والآخر في الآخر كما يلوح به التعرض لعنوان الربوبية في مطلع الدعاء كأنه قيل : رب ارحمهما وربهما كما رحماني وربياني { صَغِيرًا } وفيه بعد .

وجوز أن تكون الكاف للتعليل أي لأجل تربيتهما لي وتعقب بأنه مخالف لمعناها المشهور مع إفادة التشبيه ما أفاده التعليل ، وقال الطيبي : إن الكاف لتأكيد الوجود كأنه قيل رب ارحمهما رحمة محققة مكشوفة لا ريب فيها كقوله تعالى : { مّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ } [ الذاريات : 23 ] قال في «الكشف » وهو وجه حسن وأما الحمل على أن ما المصدرية جعلت حيناً أي ارحمهما في وقت أحوج ما يكونان إلى الرحمة كوقت رحمتهما عليّ في حال الصغر وأنا كلحم علي وضم وليس ذلك إلا في القيامة والرحمة هي الجنة والبت بأن هذا هو التحقيق فليت شعري الاستقامة وجهه في العربية ارتضاه أم لطباقه للمقام وفخامة معناه اه ، وهو كما أشار إليه ليس بشيء يعول عليه ، والظاهر أن الأمر للوجوب فيجب على الولد أن يدعو لوالديه بالرحمة ، ومقتضى عدم إفادة الأمر التكرار أنه يكفي في الامتثال مرة واحدة ، وقد سئل سفيان كم يدعو الإنسان لوالديه في اليوم مرة أو في الشهر أو في السنة ؟ فقال : نرجو أن يجزيه إذا دعا لهما في آخر التشهدات كما أن الله تعالى قال : { يا أيها الذين ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ } [ الأحزاب : 56 ] فكانوا يرون التشهد يكفي في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وكما قال سبحانه : { واذكروا الله فِى أَيَّامٍ معدودات } [ البقرة : 203 ] ثم يكبرون في ادبار الصلاة ، هذا وقد بالغ عز وجل في التوصية بهما من وجوه لا تخفى ولو لم يكن سوى أن شفع الإحسان إليهما بتوحيده سبحانه ونظمهما في سلك القضاء بهما معاً لكفى ، وقد روى ابن حبان . والحاكم وقال : صحيح على شرط مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم( {[565]} ) قال : " رضا الله تعالى في رضا الوالدين وسخط الله تعالى في سخط الوالدين "

وصح أن رجلاً جاء يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد معه فقال : أحي والداك ؟ قال : نعم قال : ففيهما فجاهد وجاء أنه عليه الصلاة والسلام قال : " لو علم الله تعالى شيئاً أدنى من الأف لنهى عنه فليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة وليعمل البار ما شاء أن يعمل فلن يدخل النار " . ورأى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما رجلاً يطوف بالكعبة حاملاً أمه على رقبته فقال : يا ابن عمر أتراني جزيتها ؟ قال : لا ولا بطلقة واحدة ولكنك أحسنت والله تعالى يثيبك على القليل كثيراً .

/ وروى مسلم وغيره " لا يجزى ولد والده إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه " وروى البيهقي في الدلائل . والطبراني في الأوسط والصغير بسند فيه من لا يعرف عن جابر قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إن أبي أخذ مالي فقال النبي عليه الصلاة والسلام : " فاذهب فأتني بأبيك فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن الله تعالى يقرئك السلام ويقول : إذا جاءك الشيخ فسله عن شيء قاله في نفسه ما سمعته أذناه فلما جاء الشيخ قال له النبي صلى الله عليه وسلم : «ما بال ابنك يشكوك تريد أن تأخذ ماله ؟ قال : سله يا رسول الله هل أنفقته إلا على عماته وخالاته أو على نفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ايه دعنا من هذا أخبرني عن شيء قلته في نفسك ما سمعته أذناك فقال الشيخ : والله يا رسول الله ما يزال الله تعالى يزيدنا بك يقيناً لقد قلت في نفسي شيئاً ما سمعته أذناي فقال : قل وأنا أسمع فقال : قلت

غذوتك مولوداً ومنتك يافعا

تعل بما أجني عليك وتنهل

إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت

لسقمك إلا ساهراً أتملل

كأني أنا المطروق دونك بالذي

طرقت به دوني فعيني تهمل

تخاف الردى نفسي عليك وإنها

لتعلم أن الموت وقت مؤجل

فلما بلغت السن والغاية التي

إليها مدى ما كنت فيها أؤمل

جعلت جزائي غلظة وفظاظة

كأنك أنت المنعم المتفضل

فليتك إذ لم ترع حق أبوتي

فعلت كما الجار المجاور يفعل

تراه معداً للخلاف كأنه

برد على أهل الصواب موكل

قال : فحينئذٍ أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بتلابيب ابنه وقال : «أنت ومالك لأبيك " والأم مقدمة في البر على الأب فقد روى الشيخان يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال : " أمك قال : ثم من ؟ قال : أمك قال : ثم من ؟ قال : أمك قال : ثم من ؟ قال : أبوك "

ولا يختص البر بالحياة بل يكون بعد الموت أيضاً . فقد روى ابن ماجه " يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما ؟ فقال : نعم الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإيفاء عهدهما من بعدهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما " ورواه ابن حبان في صحيحه بزيادة «قال الرجل : ما أكثر هذا يا رسول الله وأطيبه قال : فاعمل به » .

وأخرج البيهقي عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن العبد ليموت والداه أو أحدهما وإنه لهما لعاق فلا يزال يدعو لهما ويستغفر لهما حتى يكتبه الله تعالى باراً . وأخرج عن الأوزاعي قال : بلغني أن من عق والديه في حياتهما ثم قضى ديناً إن كان عليهما واستغفر لهما ولم يستسب لهما كتب باراً ومن بر والديه في حياتهما ثم لم يقض ديناً إن كان عليهما ولم يستغفر لهما واستسب لهما كتب عاقاً » وأخرج هو أيضاً وابن أبي الدنيا عن محمد بن النعمان يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : «من زار قبر أبويه أو أحدهما في كل جمعة غفر له وكتب براً » .

وروى مسلم أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما لقيه رجل بطريق مكة فسلم عليه ابن عمر وحمله على حمار كان يركبه وأعطاه عمامة كانت على رأسه فقال ابن دينار فقلت له : أصلحك الله تعالى إنهم الأعراب وهم يرضون باليسير فقال : إن أبا هذا كان وداً لعمر بن الخطاب وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه " . / وأخرج ابن حبان في صحيحه عن أبي بردة رضي الله تعالى عنه قال : قدمت المدينة فأتاني عبد الله بن عمر فقال : أتدري لم أتيتك ؟ قال : قلت لا قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من أحب أني صل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه من بعده " وإنه كان بين أبي عمر وبين أبيك إخاء وود فأحببت أن أصل ذلك . وقد ورد في فضل البر ما لا يحصى كثرة من الأحاديث ، وصح عد العقوق من أكبر الكبائر وكونه منها هو ما اتفقوا عليه وظاهر كلام الأكثرين بل صريحه أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون الوالدان كافرين وإن يكونا مسلمين ، والتقييد بالمسلمين في الحديث الحسن أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الكبائر فقال : تسع أعظمهن الإشراك وقتل النفس المؤمنة بغير حق والفرار من الزحف وقذف المحصنة والسحر وأكل مال اليتيم وأكل الربا وعقوق الوالدين المسلمين ، إما لأن عقوقهما أقبح والكلام هناك في ذكر الأعظم على أحد التقديرين في عطف وقتل المؤمن وما بعده وإما لأنهما ذكراً للغالب كما في نظائر أخر .

وللحليمي ههنا تفصيل مبني على رأي له ضعيف وهو أن العقوق كبيرة فإن كان معه نحو سب ففاحشة وإن كان عقوقه هو استثقاله لأمرهما ونهيهما والعبوس في وجوههما والتبرم بهما مع بذل الطاعة ولزوم الصمت فصغيرة فإن كان ما يأتيه من ذلك يلجئهما إلى أن ينقبضا فيتركا أمره ونهيه ويلحقهما من ذلك ضرر فكبيرة .

وبينهم في حد العقوق خلاف ففي فتاوى البلقيني مسألة قد ابتلى الناس بها واحتيج إلى بسط الكلام عليها وإلى تفاريعها ليحصل المقصود في ضمن ذلك وهي السؤال عن ضابط الحد الذي يعرف به عقوق الوالدين إذ الإحالة على العرف من غير مثال لا يحصل المقصود إذ الناس تحملهم أغراضهم على أن يجعلوا ما ليس بعرف عرفاً فلا بد من مثال ينسج على منواله وهو أنه مثلاً لو كان له على أبيه حق شرعي فاختار أن يرفعه إلى الحاكم ليأخذ حقه منه ولو حبسه فهل يكون ذلك عقوقاً أولاً ؟ أجاب هذا الموضع قال فيه بعض الأكابر : إنه يعسر ضبطه وقد فتح الله تعالى بضابط أرجو من فضل الفتاح العليم أن يكون حسناً فأقول : العقوق لأحد الوالدين هو أن يؤذيه بما لو فعله مع غيره كان محرماً من جملة الصغائر فينتقل بالنسبة إليه إلى الكبائر أو أن يخالف أمره أو نهيه فيما يدخل منه الخوف على الولد من فوت نفسه أو عضو من أعضائه ما لم يتهم الوالد في ذلك أو أن يخالفه في سفر يشق على الوالد وليس بفرض على الولد أو في غيبة طويلة فيما ليس بعلم نافع ولا كسب فيه أو فيه وقيعة في العرض لها وقع .

وبيان هذا الضابط أن قولنا : أن يؤذي الولد أحد والديه بما لو فعله مع غير والديه كان محرماً فمثاله لو شتم غير أحد والديه أو ضربه بحيث لا ينتهي الشتم أو الضرب إلى الكبيرة فإنه يكون المحرم المذكور إذا فعله الولد مع أحد والديه كبيرة ، وخرج بقولنا : أن يؤذي ما لو أخذ فلساً أو شيئاً يسيراً من مال أحد والديه لا يتأذى بمثل ذلك لما عنده من الشفقة والحنو فإن أخذ مالاً كثيراً بحيث يتأذى المأخوذ منه من الوالدين بذلك فإنه يكون كبيرة في حق الأجنبي فكذلك هنا لكن الضابط فيما يكون حراماً صغيرة بالنسبة إلى غير الوالدين ، وخرج بقولنا : ما لو فعله مع غير أحد الوالدين كان محرماً نحو ما إذا طالب بدين فإن هذا لا يكون عقوقاً لأنه إذا فعله مع غير الوالدين لا يكون محرماً فافهم ذلك فإنه من النفائس ، وأما الحبس فإن فرعناه على جواز حبس الوالد بدين الولد كما صححه جماعة فقد طلب ما هو جائز فلا عقوق وإن فرعنا على منع حبسه المصحح عند آخرين فالحاكم إذا كان معتقده ذلك لا يجيب إليه ولا يكون الولد بطلب ذلك عاقاً إذا كان معتقداً الوجه الأول فإن اعتقد المنع وأقدم عليه كان كما لو طلب حبس من لا يجوز حبسه من الأجانب لإعسار ونحوه فإذا حبسه الولد واعتقاده المنع كان عاقاً لأنه لو فعله مع غير والده حيث لا يجوز كان حراماً ، وأما مجرد الشكوى الجائزة والطلب الجائز فليس من العقوق في شيء ، وقد شكا بعض ولد الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينهه عليه الصلاة والسلام وهو الذي لا يقر على باطل ، وأما إذا نهر أحد والديه فإنه إذا فعل ذلك مع غير الوالدين وكان محرماً كان في حق أحد الوالدين كبيرة وإن لم يكن محرماً ، وكذا أف فإن ذلك يكون صغيرة في حق أحد الوالدين ولا يلزم من النهي عنهما والحال ما ذكر أن يكونا من الكبائر ؛ وقولنا أو أن يخالف أمره ونهيه فيما يدخل منه الخوف الخ أردنا به السفر للجهاد ونحوه من الأسفار الخطرة لما يخاف من فوات نفس الولد أو عضو من أعضائه لشدة تفجع الوالدين على ذلك ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن عمرو في الرجل الذي جاء يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم للجهاد أنه عليه الصلاة والسلام قال له : أحي والداك ؟ قال : نعم قال : ففيهما فجاهد ، وفي رواية ارجع إليهما ففيهما المجاهدة ، وفي أخرى جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان فقال : ارجع فاضحكهما كما أبكيتهما ، وفي إسناده عطاء بن السائب لكن من رواية سفيان عنه .

وروى أبو سعيد الخدري أن رجلاً هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هل لك أحد باليمن ؟ قال : أبواي قال : أذنا لك قال : لا قال : فارجع فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما . ورواه أبو داود وفي إسناده من اختلف في توثيقه ، وقولنا : ما لم يتهم الوالد في ذلك أخرجنا به ما لو كان الوالد كافراً فإنه لا يحتاج الولد إلى إذنه في الجهاد ونحوه ، وحيث اعتبرنا إذن الوالد فلا فرق بين أن يكون حراً أو عبداً ، وقولنا : أو أن يخالفه في سفر الخ أردنا به السفر لحج التطوع حيث كان فيه مشقة وأخرجنا بذلك حج الفرض وإذا كان فيه ركوب البحر يجب ركوبه عند غلبة السلامة فظاهر الفقه أنه لا يجب الاستئذان ولو قيل بوجوبه لما عند الوالد من الخوف في ركوب البحر وإن غلبت السلامة لم يكن بعيداً ، وأما سفره للعلم المتعين أو لفرض الكفاية فلا منع منه وإن كان يمكنه التعلم في بلده خلافاً لمن اشترط ذلك لأنه قد يتوقع في السفر فراغ قلب وإرشاد أستاذ ونحو ذلك فإن لم يتوقع شيئاً من ذلك احتاج إلى الاستئذان وحيث وجبت النفقة للوالد على الولد وكان في سفره تضييع للواجب فللوالد المنع ، وأما إذا كان الولد بسفره يحصل وقيعة في العرض لها وقع بأن يكون أمرد ويخاف من سفره تهمة فإنه يمنع من ذلك وذل في الأنثى أولى ، وأما مخالفة أمره ونهيه فيما لا يدخل على الولد فيه ضرر بالكلية وإنما هو مجرد إشارة للولد فلا تكون عقوقاً وعدم المخالفة أولى اه كلام البلقيني وذكر بعض المحققين : أن العقوق فعل ما يحصل منه لهما أو لأحدهما إيذاءً ليس بالهين عرفاف .

ويحتمل أن العبرة بالمتأذي لكن لو كان الوالد مثلاً في غاية الحمق أو سفاهة العقل فأمر أو نهى ولده بما لا يعد مخالفته فيه في العرف عقوقاً لا يفسق ولده بمخالفته حينئذٍ لعذره وعليه فلو كان متزوجاً بمن يحبهاف أمره بطلاقها ولو لعدم عفتها فلم يمتثل لأمره لا إثم عليه ، نعم الأفضل طلاقها امتثالاً لأمر والده ، فقد روى ابن حبان في صحيحيه أن رجلاً أتى أبا الدرداء فقال : إن أبي لم يزل بي حتى زوجني امرأة وإنه الآن يأمرني بفراقها قال : ما أنا بالذي آمرك أن تعق والديك ولا بالذي آمرك أن تطلق زوجتك غير أنك إن شئت حدثتك بما سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته يقول : «الوالد أوسط أبواب الجنة » فحافظ على ذلك إن شئت أو دع . وروى أصحاب السنن الأربعة وابن حبان في صحيحه وقال الترمذي حديث حسن صحيح عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال كان تحتي امرأة أحبها وكان عمر يكرهها فقال لي طلقها فأبيت فآتى عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : طلقها ، وكذا سائر أوامره التي لا حامل لها إلا ضعف عقله وسفاهة رأيه ولو عرضت على أرباب العقول لعدوها متساهلاً فيها ولرأوا أنه لا إيذاء بمخالفتها ثم قال : هذا هو الذي يتجه في تقرير الحد . وتعقب ما نقل عن البقيني بأن تخصيصه العقوق بفعل المحرم الصغيرة بالنسبة للغير فيه وقفة بل ينبغي أن المدار على ما ذكر من أنه لو فعل معه ما يتأذى به تأذياً ليس بالهين عرفاً كان كبيرة وإن لم يكن محرماً لو فعله مع الغير كأن يلقاه فيقطب في وجهه أو يقدم عليه في ملأ فلا يقوم إليه ولا يعبأ به ونحو ذلك مما يقضي أهل العقل والمروءة من أهل العرف بأنه مؤذ إيذاءً عظيماً فتأمل .

ثم إن السبب في تعظيم أمر الوالدين أنهما السبب الظاهري في إيجاده وتعيشه ولا يكاد تكون نعمة أحد من الخلق على الولد كنعمة الوالدين عليه ، لا يقال عليه : إن الوالدين إنما طلبا تحصيل اللذة لأنفسهما فلزم منه دخول الولد في الوجود ودخوله في عالم الآفات والمخافات فأي إنعام لهما عليه ، وقد حكى أن واحداً من المتسمين بالحكمة كان يضرب أباه ويقول : هو الذي أدخلني في عالم الكون والفساد وعرضني للموت والفقر والعمى والزمانة ، وقيل لأبي العلاء المعري ولم يكن ذا ولد : ما نكتب على قبرك فقال : اكتبوا عليه :

هذا جناه أبي علي . . . وما جنيت على أحد وقال في ترك التزوج وعدم الولد : وتركت فيهم نعمة العدم التي

سبقت وصدت عن نعيم العاجل ولو أنهم ولدوا لنالوا شدة . . . ترمى بهم في موبقات الآجل

وقال ابن رشيق :

قبح الله لذة لشقانا . . . نالها الأمهات والآباء نحن لولا الوجود لم نألم الفق

د فإيجادنا علينا بلاء . . . وقيل للإسكندر : أستاذك أعظم منة عليك أم والدك ؟ فقال : الأستاذ أعظم منة لأنه تحمل أنواع الشدائد والمحن عند تعليمي حتى أوقفني على نور العلم وأما الوالد فإنه طلب تحصيل لذة الوقاع لنفسه فأخرجني إلى عالم الكون والفساد لأنا نقول : هب أنه في أول الأمر كان المطلوب لذة الواقع إلا أن الاهتمام بإيصال الخيرات ودفع الآفات من أول دخول الولد في الوجود إلى وقت بلوغه الكبر أعظم من جميع ما يتخيل من جهات الخيرات والمبرات ، وقد يقال : لو كان الإدخال في عالم الكون والفساد والتعريض للأكدار والأنكاد دافعاً لحق الوالدين لزم أن يكون دافعاً لحق الله تعالى لأنه سبحانه الفاعل الحقيقي ، وأيضاً يعارض ذلك التعريض التعريض للنعيم المقيم والثواب العظيم كما لا يخفى على ذي العقل السليم ، ولعمري أن إنكار حقهما إنكار لأجلى الأمور ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور .


[565]:- ورجح الترمذي وقفه اهـ منه.