مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهۡدِينِ} (99)

المسألة الثانية : في قوله { إني ذاهب إلى ربى } قولان الأول : المراد منه مفارقة تلك الديار ، والمعنى إني ذاهب إلى مواضع دين ربي والقول الثاني : قال الكلبي : ذاهب بعبادتي إلى ربي ، فعلى القول الأول المراد بالذهاب إلى الرب هو الهجرة من الديار ، وبه اقتدى موسى حيث قال : { كلا إن معي ربى سيهدين } وعلى القول الثاني المراد رعاية أحوال القلوب ، وهو أن لا يأتي بشيء من الأعمال إلا لله تعالى ، كما قال : { وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض } [ الأنعام : 79 ] قيل إن القول الأول أولى ، لأن المقصود من هذه الآية بيان مهاجرته إلى أرض الشام ، وأيضا يبعد حمله على الهداية في الدين ، لأنه كان على الدين في ذلك الوقت إلا أن يحمل ذلك على الثبات عليه ، أو يحمل ذلك على الاهتداء إلى الدرجات العالية والمراتب الرفيعة في أمر الدين .

المسألة الثالثة : قوله : { سيهدين } يدل على أن الهداية لا تحصل إلا من الله تعالى ، كما يقول أصحابنا ولا يمكن حمل هذه الهداية على وضع الأدلة وإزاحة الأعذار ، لأن كل ذلك قد حصل في الزمان الماضي ، وقوله : { سيهدين } يدل على اختصاص تلك الهداية بالمستقبل ، فوجب حمل الهداية في هذه الآية على تحصيل العلم والمعرفة في قلبه ، فإن قيل إبراهيم عليه السلام جزم في هذه الآية بأنه تعالى سيهديه ، وأن موسى عليه السلام لم يجزم به ، بل قال : { قال عسى ربى أن يهديني سواء السبيل } فما الفرق ؟ قلنا العبد إذا تجلى له مقامات رحمة الله فقد يجزم بحصول المقصود ، وإذا تجلى له مقامات كونه غنيا عن العالمين ، فحينئذ يستحقر نفسه فلا يجزم ، بل لا يظهر إلا الرجاء والطمع .

المسألة الرابعة : قوله تعالى : { إني ذاهب إلى ربى } يدل على فساد تمسك المشبهة بقوله تعالى : { إليه يصعد الكلم الطيب } لأن كلمة إلى موجودة في قوله : { إني ذاهب إلى ربى } مع أنه لم يلزم أن يكون الإله موجودا في ذلك المكان ، فكذلك ههنا .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهۡدِينِ} (99)

وقال إبراهيم لمّا يئس من إيمانهم : إني مهاجرٌ إلى ربي ، وهو سيهديني إلى الخير والمقر الأمين .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهۡدِينِ} (99)

{ وَقَالَ إِنّى ذَاهِبٌ إلى رَبّى } إلى حيث أمرني أو حيث أتجرد فيه لعبادته عز وجل جعل الذهاب إلى المكان الذي أمره ربه تعالى بالذهاب إليه ذهاباً إليه وكذا الذهاب إلى مكان يعبده تعالى فيه لا أن الكلام بتقدير مضاف ، والمراد بذلك المكام الشام ، وقيل مصر وكأن المراد إظهار اليأس من إيمانهم وكراهة البقاء معهم أي إني مفارقكم ومهاجر منكم إلى ربي { سَيَهْدِينِ } إلى ما فيه صلاح ديني أو إلى مقصدي .

والسين لتأكيد الوقوع لأنها في مقابلة لن المؤكد للنفي كما ذكره سيبويه ، وبت عليه السلام القول لسبق وعده تعالى إياه بالهداية لما أمره سبحانه بالذهاب أو لفرط توكله عليه السلام أو للبناء على عادته تعالى معه وإنما لم يقل موسى عليه السلام مثل ذلك بل قال : { عسى رَبّى أَن يَهْدِيَنِى سَوَاء السبيل } [ القصص : 22 ] بصيغة التوقع قيل : لعدم سبق وعد وعدم تقدم عادة واقتضاء مقامه رعاية الأدب معه تعالى بأن لا يقطع عليه سبحانه بأمر قبل وقوعه ، وتقديمه على رعاية فرط التوكل ومقامات الأنبياء متفاوتة وكلها عالية ، وقيل لأن موسى عليه السلام قال ما قال قبل البعثة وإبراهيم عليه السلام قال ذلك بعدها ، وقيل لأن إبراهيم كان بصدد أمر ديني فناسبه الجزم وموسى كان بصدد أمر دنيوي فناسبه عدم الجزم ، ومن الغريب ما قيل ونحا إليه قتادة أنه لم يكن مراد إبراهيم عليه السلام بقوله : إني الخ الهجرة وإنما أراد بذلك لقاء الله تعالى بعد الإحراق ظاناً إنه يموت في النار إذا ألقى فيها وأراد بقوله : { *سيهديني } الهداية إلى الجنة ، ويدفع هذا القول دعاؤه بالولد حيث قال :