أما قوله : { ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي : { ألم تروا } بالتاء والباقون بالياء على الحكاية لمن تقدم ذكره من الكفار .
المسألة الثانية : هذا دليل آخر على كمال قدرة الله تعالى وحكمته ، فإنه لولا أنه تعالى خلق الطير خلقة معها يمكنه الطيران . وخلق الجو خلقة معها يمكن الطيران فيه لما أمكن ذلك . فإنه تعالى أعطى الطير جناحا يبسطه مرة ويكسره أخرى مثل ما يعمله السابح في الماء ، وخلق الهواء خلقة لطيفة رقيقة يسهل بسببها خرقه والنفاذ فيه ، ولولا ذلك لما كان الطيران ممكنا . وأما قوله تعالى : { ما يمسكهن إلا الله } فالمعنى : أن جسد الطير جسم ثقيل ، والجسم الثقيل يمتنع بقاؤه في الجو معلقا من غير دعامة تحته ولا علاقة فوقه ، فوجب أن يكون الممسك له في ذلك الجو هو الله تعالى ، ثم من الظاهر أن بقاءه في الجو معلقا فعله وحاصل باختياره ، فثبت أن خالق فعل العبد هو الله تعالى . قال القاضي : إنما أضاف الله تعالى هذا الإمساك إلى نفسه ، لأنه تعالى هو الذي أعطى الآلات التي لأجلها يمكن الطير من تلك الأفعال ، فلما كان تعالى هو المسبب لذلك لا جرم صحت هذه الإضافة إلى الله تعالى .
والجواب : أن هذا ترك للظاهر بغير دليل وأنه لا يجوز ، لا سيما والدلائل العقلية دلت على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى .
ثم قال تعالى في آخر الآية : { إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } وخص هذه الآيات بالمؤمنين لأنهم هم المنتفعون بها وإن كانت هذه الآيات آيات لكل العقلاء ، والله أعلم .
في جو السماء : الجو : الفضاء ما بين السماء والأرض .
ثم بعد ذلك نبّه عبادَه إلى دليلٍ آخر من آثار القدرة الإلهية يراها الناس كلَّ يوم فلا يتدبرونها ، فقال : { أَلَمْ يَرَوْا إلى الطير مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السماء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الله إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } ، ألم ينظر المشركون إلى الطير سابحاتٍ في الهواء ، بما زوّدها الله به من أجنحةٍ أوسعَ من جسمِها تبسطها وتقبضها ، وسخّر الهواء لها ، فما يمسكهن في الجو إلا الله بالنظامِ الذي خلَقها عليه ، إن في النظر إليها والاعتبار بحكمة الله في خلْقها ، لدلالةً عظيمة ينتفع بها المؤمنون .
ولقد اخترع الإنسان الطائرة وغيرها مما تطير في الفضاء ، وقد انتفع بالطير وآلاته ، وأنه لَعملٌ جبّار ولكنه لا يزال غير أمين ، ولا تزال تحفّ بالراكبين الأخطار ، كما جعلوا القسم الأكبر منها للحرب والتدمير .
قرأ ابن عامر وحمزة وخلف ويعقوب : «ألم تروا » ، بالتاء . والباقون بالياء .
{ 79 } { أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } .
أي : لأنهم المنتفعون بآيات الله المتفكرون فيما جعلت آية عليه ، وأما غيرهم فإن نظرهم نظر لهو وغفلة ، ووجه الآية فيها أن الله تعالى خلقها بخلقة تصلح للطيران ، ثم سخر لها هذا الهواء اللطيف ، ثم أودع فيها من قوة الحركة وما قدرت به على ذلك ، وذلك دليل على كمال حكمته وعلمه الواسع ، وعنايته الربانية بجميع مخلوقاته ، وكمال اقتداره ، تبارك الله رب العالمين .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.