مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَرۡيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا مَكَانٗا شَرۡقِيّٗا} (16)

قوله تعالى :{ واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : إذ بدل من مريم بدل اشتمال لأن الأحيان مشتملة على ما فيها وفيه أن المقصود بذكر مريم ذكر وقت هذا الوقوع لهذه القصة العجيبة فيه .

المسألة الثانية : النبذ أصله الطرح والإلقاء والانتباذ افتعال منه ومنه : { فنبذوه وراء ظهورهم } وانتبذت تنحت يقال جلس نبذة من الناس ونبذة بضم النون وفتحها أي ناحية وهذا إذا جلس قريبا منك حتى لو نبذت إليه شيئا وصل إليه ونبذت الشيء رميته ومنه النبيذ لأنه يطرح في الإناء وأصله منبوذ فصرف إلى فعيل ومنه قيل للقيط منبوذ لأنه يرمى به ومنه النهي عن المنابذة في البيع وهو أن يقول : إذا نبذت إليك هذا الثوب أو الحصاة فقد وجب البيع إذ عرفت هذا فنقول قوله تعالى : { إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا } معناه تباعدت وانفردت على سرعة إلى مكان يلي ناحية الشرق ثم بين تعالى أنها مع ذلك اتخذت من دون أهلها حجابا مستورا وظاهر ذلك أنها لم تقتصر على أن انفردت إلى موضع بل جعلت بينها وبينهم حائلا من حائط أو غيره ويحتمل أنها جعلت بين نفسها وبينهم سترا وهذا الوجه الثاني أظهر من الأول ثم لا بد من احتجابها من أن يكون لغرض صحيح وليس مذكورا واختلف المفسرون فيه على وجوه . الأول : أنها لما رأت الحيض تباعدت عن مكانها المعتاد للعبادة لكي تنتظر الطهر فتغتسل وتعود فلما طهرت جاءها جبريل عليه السلام . والثاني : أنها طلبت الخلوة لئلا تشتغل عن العبادة . والثالث : قعدت في مشرقة للاغتسال من الحيض محتجبة بشيء يسترها . والرابع : أنها كان لها في منزل زوج أختها زكرياء محراب على حدة تسكنه وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها فتمنت ( على ) الله ( أن ) تجد خلوة في الجبل لتفلي رأسها فانفرج السقف لها فخرجت إلى المفازة فجلست في المشرفة وراء الجبل فأتاها الملك . وخامسها : عطشت فخرجت إلى المفازة لتستقي واعلم أن كل هذه الوجوه محتمل وليس في اللفظ ما يدل على ترجيح واحد منها .

المسألة الثالثة : المكان الشرقي هو الذي يلي شرقي بيت المقدس أو شرقي دارها وعن ابن عباس رضي الله عنهما : إني لأعلم خلق الله لأي شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة لقوله تعالى : { مكانا شرقيا } فاتخذوا ميلاد عيسى قبلة .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَرۡيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا مَكَانٗا شَرۡقِيّٗا} (16)

انتبذتْ : اعتزلت .

مكاناً شرقيا : شرقي بيتَ لحم ، وذلك في الغور لأنه المكان الوحيد في بلادنا الذي يثمر فيه النخل .

بعد أن ذكر الله قصة زكريا واستجابة دعائه ، ويحيى الذي أوجده الله من شيخين فانيين ، ثنى بقصة عيسى لأنها أغرب من ذلك ، وقد فتنت قصة عيسى عليه السلام كثيرا من البشر حتى تصوروه إلهاً ، ونسجوا حوله كثيرا من الخرافات والأساطير ، فجاء القرآن الكريم يقص كيف وقعت هذه القصة العجيبة ، ويبرز دلالتها الحقيقية ، وينفي تلك الخرافات والأساطير .

واذكر أيها الرسول ، ما في القرآن من قصة مريم حين اعتزلت عن أهلها في مكان شرقيّ بيت لحم والقدس حيث كانوا يقيمون .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَرۡيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا مَكَانٗا شَرۡقِيّٗا} (16)

لما ذكر قصة زكريا ويحيى ، وكانت من الآيات العجيبة ، انتقل منها إلى ما هو أعجب منها ، تدريجا من الأدنى إلى الأعلى فقال : { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ ْ } الكريم { مَرْيَمَ ْ } عليها السلام ، وهذا من أعظم فضائلها ، أن تذكر في الكتاب العظيم ، الذي يتلوه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها ، تذكر فيه بأحسن الذكر ، وأفضل الثناء ، جزاء لعملها الفاضل ، وسعيها الكامل ، أي : واذكر في الكتاب مريم ، في حالها الحسنة ، حين { انْتَبَذَتْ ْ } أي : تباعدت عن أهلها { مَكَانًا شَرْقِيًّا ْ } أي : مما يلي الشرق عنهم .