مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ يُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡ ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخٗاۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبۡلُۖ وَلِتَبۡلُغُوٓاْ أَجَلٗا مُّسَمّٗى وَلَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} (67)

ثم قال : { هو الذي خلقكم من تراب } .

واعلم أنا قد ذكرنا أن الدلائل على قسمين دلائل الآفاق والأنفس ، أما دلائل الآفاق فكثيرة والمذكور منها في هذه الآية أربعة : الليل والنهار والأرض والسماء ، وأما دلائل الأنفس فقد ذكرنا أنها على قسمين : ( أحدها ) الأحوال الحاضرة حال كمال الصحة وهي أقسام كثيرة ، والمذكور هاهنا منها ثلاثة أنواع : الصورة وحسن الصورة ورزق الطيبات .

وأما القسم الثاني : وهو كيفية تكون هذا البدن من ابتداء كونه نطفة وجنينا إلى آخر الشيخوخة والموت فهو المذكور في هذه الآية فقال : { هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة } فقيل المراد آدم ، وعندي لا حاجة إليه لأن كل إنسان فهو مخلوق من المني ومن دم الطمث ، والمني مخلوق من الدم فالإنسان مخلوق من الدم والدم إنما يتولد من الأغذية والأغذية إما حيوانية وإما نباتية ، والحال في تكون ذلك الحيوان كالحال في تكون الإنسان ، فالأغذية بأسرها منتهية إلى النباتية والنبات إنما يكون من التراب والماء ، فثبت أن كل إنسان فهو متكون من التراب ، ثم إن ذلك التراب يصير نطفة ثم علقة بعد كونه علقة مراتب كثيرة إلى أن ينفصل من بطن الأم ، فالله تعالى ترك ذكرها هاهنا لأجل أنه تعالى ذكرها في سائر الآيات .

واعلم أنه تعالى رتب عمر الإنسان على ثلاث مراتب : ( أولها ) كونه طفلا ، ( وثانيها ) أن يبلغ أشده ، ( وثالثها ) الشيخوخة وهذا ترتيب صحيح مطابق للعقل ، وذلك لأن الإنسان في أول عمره يكون في التزايد والنشوء والنماء وهو المسمى بالطفولية ( والمرتبة الثانية ) أن يبلغ إلى كمال النشوء وإلى أشد السن من غير أن يكون قد حصل فيه نوع من أنواع الضعف ، وهذه المرتبة هي المراد من قوله { لتبلغوا أشدكم } ( والمرتبة الثالثة ) أن يتراجع ويظهر فيه أثر من آثار الضعف والنقص ، وهذه المرتبة هي المراد من قوله { ثم لتكونوا شيوخا } وإذا عرفت هذا التقسيم عرفت أن مراتب العمر بحسب هذا التقسيم لا تزيد على هذه الثلاثة ، قال صاحب «الكشاف » قوله { لتبلغوا أشدكم } متعلق بفعل محذوف تقديره ثم يبقيكم لتبلغوا .

ثم قال : { ومنكم من يتوفى من قبل } أي من قبل الشيخوخة أو من قبل هذه الأحوال إذا خرج سقطا .

ثم قال : { ولتبلغوا أجلا مسمى } ومعناه يفعل ذلك لتبلغوا أجلا مسمى وهو وقت الموت وقيل يوم القيامة .

ثم قال : { ولعلكم تعقلون } ما في هذه الأحوال العجيبة من أنواع العبر وأقسام الدلائل .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ يُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡ ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخٗاۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبۡلُۖ وَلِتَبۡلُغُوٓاْ أَجَلٗا مُّسَمّٗى وَلَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} (67)

طِفلاً : يعني أطفالا ، لأنه يطلق على المفرد والجمع .

ثم يستعرض آية من آيات الله في أنفسهم بعدما استعرض آياته في هذا الكون العجيب ، وهذه الآية هي الحياة الإنسانية وأطوارها العجيبة فيقول :

{ هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ . . . }

رتّب الله سبحانه تطور حياة الإنسان في ثلاث مراتب : الطفولة ، وبلوغ الأشُدّ في الشباب والكهولة ، والشيخوخة . ومن الناس من يُتوفى قبل سن الشباب ، أو الشيخوخة . والله يفعل ذلك لتبلغوا الأجل المسمى وهو يوم القيامة ، ولتعقِلوا ما في التنقل في هذه الأطوار المختلفة من فنون العبر والحكم .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ يُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡ ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخٗاۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبۡلُۖ وَلِتَبۡلُغُوٓاْ أَجَلٗا مُّسَمّٗى وَلَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} (67)

فكما خلقكم وحده ، فاعبدوه وحده فقال : { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ } وذلك بخلقه لأصلكم وأبيكم آدم عليه السلام . { ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ } وهذا ابتداء خلق سائر النوع الإنساني ، ما دام في بطن أمه ، فنبه بالابتداء ، على بقية الأطوار ، من العلقة ، فالمضغة ، فالعظام ، فنفخ الروح ، { ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا } ثم هكذا تنتقلون في الخلقة الإلهية حتى تبلغوا أشدكم من قوة العقل والبدن ، وجميع قواه الظاهرة والباطنة .

{ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ } بلوغ الأشد { وَلِتَبْلُغُوا } بهذه الأطوار المقدرة { أَجَلًا مُسَمًّى } تنتهي عنده أعماركم . { وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } أحوالكم ، فتعلمون أن المطور لكم في هذه الأطوار كامل الاقتدار ، وأنه الذي لا تنبغي العبادة إلا له ، وأنكم ناقصون من كل وجه .