مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ} (91)

واعلم أنه تعالى لما أمر باجتناب هذه الأشياء ذكر فيها نوعين من المفسدة : فالأول : يتعلق بالدنيا وهو قوله { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر }

واعلم أنا نشرح وجه العداوة والبغضاء أولا في الخمر ثم في الميسر :

أما الخمر فاعلم أن الظاهر فيمن يشرب الخمر أنه يشربها مع جماعة ويكون غرضه من ذلك الشرب أن يستأنس برفقائه ويفرح بمحادثتهم ومكالمتهم ، فكان غرضه من ذلك الاجتماع تأكيد الألفة والمحبة إلا أن ذلك في الأغلب ينقلب إلى الضد لأن الخمر يزيل العقل ، وإذا زال العقل استولت الشهوة والغضب من غير مدافعة العقل ، وعند استيلائهما تحصل المنازعة بين أولئك الأصحاب ، وتلك المنازعة ربما أدت إلى الضرب والقتل والمشافهة بالفحش ، وذلك يورث أشد العداوة والبغضاء ، فالشيطان يسول أن الاجتماع على الشرب يوجب تأكيد الألفة والمحبة ، وبالآخرة انقلب الأمر وحصلت نهاية العداوة والبغضاء .

وأما الميسر ففيه بإزاء التوسعة على المحتاجين الأجحاف بأرباب الأموال ، لأن من صار مغلوبا في القمار مرة دعاه ذلك إلى اللجاج فيه عن رجاء أنه ربما صار غالبا فيه ، وقد يتفق أن لا يحصل له ذلك إلى أن لا يبقى له شيء من المال ، وإلى أن يقامر على لحيته وأهله وولده ، ولا شك أنه بعد ذلك يبقى فقيرا مسكينا ويصير من أعدى الأعداء لأولئك الذين كانوا غالبين له فظهر من هذا الوجه أن الخمر والميسر سببان عظيمان في إثارة العداوة والبغضاء بين الناس ، ولا شك أن شدة العداوة والبغضاء تفضي إلى أحوال مذمومة من الهرج والمرج والفتن ، وكل ذلك مضاد لمصالح العالم .

فإن قيل : لم جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام ثم أفردهما في آخر الآية .

قلنا : لأن هذه الآية خطاب مع المؤمنين بدليل أنه تعالى قال : { يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر } والمقصود نهيهم عن الخمر والميسر وإظهار أن هذه الأربعة متقاربة في القبح والمفسدة ، فلما كان المقصود من هذه الآية النهي عن الخمر والميسر وإنما ضم الأنصاب والأزلام إلى الخمر والميسر تأكيدا لقبح الخمر والميسر ، لا جرم أفردهما في آخر الآية بالذكر .

أما النوع الثاني : من المفاسد الموجودة في الخمر والميسر : المفاسد المتعلقة بالدين ، وهو قوله تعالى : { ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة } فنقول : أما أن شرب الخمر يمنع عن ذكر الله فظاهر ، لأن شرب الخمور يورث الطرب واللذة الجسمانية ، والنفس إذا استغرقت في اللذات الجسمانية غفلت عن ذكر الله تعالى ، وإما أن الميسر مانع عن ذكر الله وعن الصلاة فكذلك ، لأنه إن كان غالبا صار استغراقه في لذة الغلبة مانعا من أن يخطر بباله شيء سواه ، ولا شك أن هذه الحالة مما تصد عن ذكر الله وعن الصلاة .

فإن قيل : الآية صريحة في أن علة تحريم الخمر هي في هذه المعاني ، ثم إن هذه المعاني كانت حاصلة قبل تحريم الخمر مع أن التحريم ما كان حاصلا وهذا يقدح في صحة هذا التعليل :

قلنا : هذا هو أحد الدلائل على أن تخلف الحكم عن العلة المنصوصة لا يقدح في كونها علة .

ولما بين تعالى اشتمال شرب الخمر واللعب بالميسر على هذه المفاسد العظيمة في الدين .

قال تعالى : { فهل أنتم منتهون } روي أنه لما نزل قوله تعالى : { يأيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا ، فلما نزلت هذه الآية قال عمر : انتهينا يا رب .

واعلم أن هذا وإن كان استفهاما في الظاهر إلا أن المراد منه هو النهي في الحقيقة ، وإنما حسن هذا المجاز لأنه تعالى ذم هذه الأفعال وأظهر قبحها للمخاطب ، فلما استفهم بعد ذلك عن تركها لم يقدر المخاطب إلا على الإقرار بالترك ، فكأنه قيل له : أتفعله بعدما قد ظهر من قبحه ما قد ظهر فصار قوله { فهل أنتم منتهون } جاريا مجرى تنصيص الله تعالى على وجوب الانتهاء مقرونا بإقرار المكلف بوجوب الانتهاء .

واعلم أن هذه الآية دالة على تحريم شرب الخمر من وجوه : أحدها : تصدير الجملة بإنما ، وذلك لأن هذه الكلمة للحصر ، فكأنه تعالى قال : لا رجس ولا شيء من عمل الشيطان إلا هذه الأربعة وثانيها : أنه تعالى قرن الخمر والميسر بعبادة الأوثان ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : «شارب الخمر كعابد الوثن » وثالثها : أنه تعالى أمر بالاجتناب ، وظاهر الأمر للوجوب ، ورابعها : أنه قال : { لعلكم تفلحون } جعل الاجتناب من الفلاح ، وإذا كان الاجتناب فلاحا كان الارتكاب خيبة ، وخامسها : أنه شرح أنواع المفاسد المتولدة منها في الدنيا والدين ، وهي وقوع التعادي والتباغض بين الخلق وحصول الإعراض عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة . وسادسها : قوله { فهل أنتم منتهون } وهو من أبلغ ما ينتهي به كأنه قيل : قد تلي عليكم ما فيها من أنواع المفاسد والقبائح فهل أنتم منتهون مع هذه الصوارف ؟ أم أنتم على ما كنتم عليه حين لم توعظوا بهذه المواعظ .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ} (91)

بعد أن أمر الله تعالى باجتناب الخمر والميسر ذكر أن فيهما مفسدتين : إحداهما : دنيوية ، هي إيقاع العداوة والبغضاء بين الناس . والثانية : دينية هي الصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة التي هي عماد الدين . ثم أكد بذلك بهذا الاستفهام بقوله تعالى : { فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } ، أي انْتَهُوا عن هذه الأشياء .

وأسمعُ بعض الناس يقولون : إن الخمر غير محرّمة ، لأنه لم يقل الله أنها حرام صراحةً بل قال : اجتنبوه .

وقولهم هذا كلام فيه الهوى والتذرّع بالتلاعب بالألفاظ لتعليل الأمور التي يحبونها ، فالقرآن ليس كتاب فقه حتى ينصّ على كل شيء بأنه حرام أو حلال ، وإنما هو قرآن كريم له أسلوب عربي فريد لا يدانيه أسلوب . وأكبر دليل على تحريم الخمر تحريما نهائياً أن الله تعالى قرن الخمر بالميسر الذي هو القمار ، وبالأزلام والأنصاب ، وقد جاء تحريم الأزلام والأنصاب صريحاً بقوله تعالى في أول هذه السورة { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ والمنخنقة والموقوذة والمتردّية والنطيحة وَمَآ أَكَلَ السبع إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالأزلام ذلكم فِسْقٌ . . . } الآية ولما نزلت { إِنَّمَا الخمر والميسر . . . } الآية قال سيدُنا عمر : أُقرِنْتِ بالميسِر والأنصابِ والأزلام ، بعداً لكِ وسحُقا .

فإذا كانت عبادة الأصنام والذبحُ عندها تقرّباً لها حلالا ، فإن الخمر تكون حلالا ، وإذا كانت الأزلام والاستقسام بها حلالا ، فإن الخمر تكون كذلك ، وإذا كان الميسر والمقامرة حلالاً فإن الخمر كذلك تكون حلالا . . فالذين يقولون بتحليلها أناس يتّبعون أهواءهم ، ولا يخشَون الله فيما يقولون .

والأزلام : هي سهام من خشب ، وهي ثلاثة أقسام . ( 1 ) قِداح الميسر وهي عشرة وأسماؤها كما يلي : الفَذّ والتوأم والرقيب والحِلْسُ والنافِس والمُسيل والمعلَّى والمَنِيح والسَّفِيح والوغد ، ولكل واحدٍ من هذه نصيبٌ إذا فاز ، وإذا خاب عليه ذلك النصيب . وأعلاها المعلَّى له سبعة أجزاء . ( 2 ) والقسم الثاني : ثلاثة أزلام : مكتوب على أحدها : أمرني ربي ، وعلى الثاني نهاني ربي ، والثالث غُفل ليس عليه كتابة . ( 3 ) وهذا القسم للأحكام .

وكانت العرب في الجاهلية إذا أراد أحدهم سفراً أو تجارة أو نكاحاً أو اختلفوا في نسب ، أو أمر قتيل أو تحمُّل دية مقتول أو غير ذلك من الأمور ، جاء إلى هُبَل ، أعظم صنم في الكعبة لقريش ، وقدّم مائة درهم إلى السادن ، فيخرج له القداح ويسحب واحداً منها من الكيس التي هي فيه . فإذا خرج أمرني ربي ، أمضى عمله ، وإلا تركه .

ولقد حرم الإسلام هذه الأمور لأنها تشتمل على مفاسد ، والإسلام يريد أن يبني مجتمعاً نقيا طاهرا .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ} (91)

{ 90 ، 91 } { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ }

يذم تعالى هذه الأشياء القبيحة ، ويخبر أنها من عمل الشيطان ، وأنها رجس . { فَاجْتَنِبُوهُ } أي : اتركوه { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } فإن الفلاح لا يتم إلا بترك ما حرم الله ، خصوصا هذه الفواحش المذكورة ، وهي الخمر وهي : كل ما خامر العقل أي : غطاه بسكره ، والميسر ، وهو : جميع المغالبات التي فيها عوض من الجانبين ، كالمراهنة ونحوها ، والأنصاب التي هي : الأصنام والأنداد ونحوها ، مما يُنصب ويُعبد من دون الله ، والأزلام التي يستقسمون بها ، فهذه الأربعة نهى الله عنها وزجر ، وأخبر عن مفاسدها الداعية إلى تركها واجتنابها . فمنها : أنها رجس ، أي : خبث ، نجس معنى ، وإن لم تكن نجسة حسا .

والأمور الخبيثة مما ينبغي اجتنابها وعدم التدنس بأوضارها . ومنها : أنها من عمل الشيطان ، الذي هو أعدى الأعداء للإنسان .

ومن المعلوم أن العدو يحذر منه ، وتحذر مصايده وأعماله ، خصوصا الأعمال التي يعملها ليوقع فيها عدوه ، فإنها فيها هلاكه ، فالحزم كل الحزم البعد عن عمل العدو المبين ، والحذر منها ، والخوف من الوقوع فيها .

ومنها : أنه لا يمكن الفلاح للعبد إلا باجتنابها ، فإن الفلاح هو : الفوز بالمطلوب المحبوب ، والنجاة من المرهوب ، وهذه الأمور مانعة من الفلاح ومعوقة له .

ومنها : أن هذه موجبة للعداوة والبغضاء بين الناس ، والشيطان حريص على بثها ، خصوصا الخمر والميسر ، ليوقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء .

فإن في الخمر من انغلاب العقل وذهاب حجاه ، ما يدعو إلى البغضاء بينه وبين إخوانه المؤمنين ، خصوصا إذا اقترن بذلك من السباب ما هو من لوازم شارب الخمر ، فإنه ربما أوصل إلى القتل . وما في الميسر من غلبة أحدهما للآخر ، وأخذ ماله الكثير في غير مقابلة ، ما هو من أكبر الأسباب للعداوة والبغضاء .

ومنها : أن هذه الأشياء تصد القلب ، ويتبعه البدن عن ذكر الله وعن الصلاة ، اللذين خلق لهما العبد ، وبهما سعادته ، فالخمر والميسر ، يصدانه عن ذلك أعظم صد ، ويشتغل قلبه ، ويذهل لبه في الاشتغال بهما ، حتى يمضي عليه مدة طويلة وهو لا يدري أين هو .

فأي معصية أعظم وأقبح من معصية تدنس صاحبها ، وتجعله من أهل الخبث ، وتوقعه في أعمال الشيطان وشباكه ، فينقاد له كما تنقاد البهيمة الذليلة لراعيها ، وتحول بين العبد وبين فلاحه ، وتوقع العداوة والبغضاء بين المؤمنين ، وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة ؟ " فهل فوق هذه المفاسد شيء أكبر منها ؟ "

ولهذا عرض تعالى على العقول السليمة النهي عنها ، عرضا بقوله : { فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ } لأن العاقل -إذا نظر إلى بعض تلك المفاسد- انزجر عنها وكفت نفسه ، ولم يحتج إلى وعظ كثير ولا زجر بليغ .