مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡفُلۡكَ تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦ وَيُمۡسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ} (65)

الدلالة الثالثة : قوله : { ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض } أي ذلل لكم ما فيها فلا أصلب من الحجر ولا أحد من الحديد ولا أكثر هيبة من النار ، وقد سخرها لكم وسخر الحيوانات أيضا حتى ينتفع بها من حيث الأكل والركوب والحمل عليها والانتفاع بالنظر إليها ، فلولا أن سخر الله تعالى الإبل والبقر مع قوتهما حتى يذللهما الضعيف من الناس ويتمكن منهما لما كان ذلك نعمة .

الدلالة الرابعة : قوله تعالى : { والفلك تجري في البحر بأمره } والأقرب أن المراد وسخر لكم الفلك لتجري في البحر ، وكيفية تسخيره الفلك هو من حيث سخر الماء والرياح لجريها ، فلولا صفتهما على ما هما عليه لما جرت بل كانت تغوص أو تقف أو تعطب . فنبه تعالى على نعمه بذلك ، وبأن خلق ما تعمل منه السفن ، وبأن بين كيف تعمل ، وإنما قال بأمره لأنه سبحانه لما كان المجري لها بالرياح نسب ذلك إلى أمره توسعا ، لأن ذلك يفيد تعظيمه بأكثر مما يفيد لو أضافه إلى فعل بناء على عادة الملوك في مثل هذه اللفظة .

الدلالة الخامسة : قوله تعالى : { ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرءوف رحيم } واعلم أن النعم المتقدمة لا تكمل إلا بهذه لأن السماء مسكن الملائكة فوجب أن يكون صلبا . ووجب أن يكون ثقيلا ، وما كان كذلك فلابد من الهوى لولا مانع يمنع منه ، وهذه الحجة مبنية على ظاهر الأوهام ، وقوله تعالى : { أن تقع } قال الكوفيون : كي لا تقع ، وقال البصريون كراهية أن تقع ، وهذا بناء على مسألة كلامية وهي أن الإرادات والكراهات هل تتعلق بالعدم ؟ فمن منع من ذلك صار إلى التأويل الأول ، والمعنى أنه أمسكها لكي لا تقع فتبطل النعم التي أنعم بها .

أما قوله تعالى : { إن الله بالناس لرءوف رحيم } فالمعنى أن المنعم بهذه النعم الجامعة لمنافع الدنيا والدين قد بلغ الغاية في الإحسان والإنعام ، فهو إذن رءوف رحيم .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡفُلۡكَ تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦ وَيُمۡسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ} (65)

أراد به تسخيرَ الانتفاع بها ؛ فما للخَلْقِ به انتفاع ومُيَسَّرٌ له الاستمتاع به فهو كالمُسّخَّرِ له على معنى تمكينه منه ، ثم يُرَاعَى فيه الإذنُ ؛ فَمَنْ استمتع بشيء على وجه الإباحة والإذن والدعاء إليه والأمر به فذلك إنعامٌ وإِكرامٌ ، ومَنْ كان بالعكس فمكْرٌ واستدراج .

وأمَّا السفينة . . فإلهامُ العبد بصنعها ووجوه الانتفاع بها ؛ بالحَمْل فيها وركوبها فَمِنْ أعظم إحسان الله وإرفاقه بالعبد ، ثم ما يحصل بها من قَطْع المسافات البعيدة ، والتوصل بها إلى المضارب النائية ، والتمكن من وجوه الانتفاع ففي ذلك أعظمُ نعمة ، وأكملُ عافية .

وجعل الأرضَ قراراً للخَلْقِ من غير أن تميد ، وجعل السماءَ بناء من غير وقوع ، وجعل فيها من الكواكب ما يحصل به الاهتداء في الظلام ، ثم هي زينة السماء - وفي ذلك من الأدلة ما يوجب ثَلَجَ الصدر وبَرْدَ اليقين .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡفُلۡكَ تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦ وَيُمۡسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ} (65)

ألا تنظرُ أيها العاقل إلى مظاهر قدرة الله ، كيف يسرَّ للناس جميعا الانتفاعَ بالأرض وما فيها ، وهيّأ لهم البحرَ تجري فيه السفنُ بمشيئته ، وسيّرَ هذه الأجرامَ السماوية بنظام محكَم لا يختل ، وامسك كل ما في السماء أن تقع على الأرض ، وذلك بقدرته ! !

لقد تجلَّتْ مشيئة الله ورأفته بالعباد بان هيّأ غلافاً جوياً يحتوي على العناصر الغازية التي لا غنى للحياة عنها ، كما يحمي سكانَ الأرض من الإشعاعات الكونية وأسرابِ الشهب والنيازك التي تَهيم في الفضاء ، وتتسابق . وعندما تدنو من الأرض تحترق في جوّها العلوي قبل أن تصل إلى سطح الأرض .

ومن رحمته تعالى بنا أن سقوط النيازك الكبير التي تدمر سطح الأرض نادرُ الحدوث جداً وهو يتم في الأماكن الخالية من السكان ، وفي هذا تأييدٌ وتصديق لقوله تعالى : { وَيُمْسِكُ السمآء أَن تَقَعَ عَلَى الأرض إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ الله بالناس لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ } .

كَم في هذا الكون وهذه الأرض من قوة ؛ وكم من ثروة سخّرها الله لهذا الإنسان ؟ والإنسان غافل عن قدرة الله ونعمه التي لا تحصى .