مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَإِن مِّن قَرۡيَةٍ إِلَّا نَحۡنُ مُهۡلِكُوهَا قَبۡلَ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَوۡ مُعَذِّبُوهَا عَذَابٗا شَدِيدٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا} (58)

قوله تعالى { وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان كذلك في الكتاب مسطورا } .

اعلم أنه تعالى لما قال : { إن عذاب ربك كان محذورا } بين أن كل قرية مع أهلها فلا بد وأن يرجع حالها إلى أحد أمرين : إما الإهلاك وإما التعذيب قال مقاتل : أما الصالحة فبالموت ، وأما الطالحة فبالعذاب ، وقيل : المراد من قوله : { وإن من قرية } قرى الكفار ، ولا بد أن تكون عاقبتها أحد أمرين : إما الاستئصال بالكلية ، وهو المراد من الإهلاك أو بعذاب شديد دون ذلك من قتل كبرائهم وتسليط المسلمين عليهم بالسبي واغتنام الأموال وأخذ الجزية ، ثم بين تعالى أن هذا الحكم حكم مجزوم به واقع فقال : { كان ذلك في الكتاب مسطورا } ومعناه ظاهر .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَإِن مِّن قَرۡيَةٍ إِلَّا نَحۡنُ مُهۡلِكُوهَا قَبۡلَ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَوۡ مُعَذِّبُوهَا عَذَابٗا شَدِيدٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا} (58)

العذاب على أقسام : فالألم الذي يَرِدُ على النفوس والظواهر يتصاغر بالإضافة إلى مَا يَرِدُ على القلوب والسرائر ؛ فعذابُ القلوبُ لأصحابِ الحقائقِ أَحَدُّ في الشِّدَّةِ مِما يُصيب أصحابَ الفقر والقلة .

ثم إن الحقَّ سبحانه أجرى سُنَّتَه بأن مَنْ وصلت منه إلى غيره راحةٌ انعكست الراحةُ إلى موصلها ، وبخلاف ذلك مَنْ وصلت منه إلى غيره وَحْشَةٌ عادت الوحشةُ إلى موصلها . ومَنْ سام الناس ظُلْماً وخَسْفَاً فَبِقَدْرِ ظُلْمِه يَعذِّبُه اللَّهُ - سبحانه وتعالى- في الوقت بتنغيص العَيْشِ ، واستيلاءِ الغضب مِنْ كلِّ أحدٍ عليه ، وتَتَرَجَّمُ ظنونُه وتتقسَّمُ أفكاره في أحواله وأشغاله ، ولو ذاق من راحة الفراغ حلاوة الخلوة شظية لَعَلِمَ ما طعم الحياة . . ولكنْ حُرِموا النِّعَم ، وما علموا ما مُنُوا به من النِّقَم .