مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفّٗا لَّقَدۡ جِئۡتُمُونَا كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةِۭۚ بَلۡ زَعَمۡتُمۡ أَلَّن نَّجۡعَلَ لَكُم مَّوۡعِدٗا} (48)

ولما ذكر الله تعالى حشر الخلق ذكر كيفية عرضهم ، فقال : { وعرضوا على ربك صفا } وفيه مسألتان :

المسألة الأولى : في تفسير الصف وجوه . أحدها : أنه تعرض الخلق كلهم على الله صفا واحدا ظاهرين بحيث لا يحجب بعضهم بعضا ، قال القفال : ويشبه أن يكون الصف راجعا إلى الظهور والبروز ، ومنه اشتق الصفصف للصحراء . وثانيها : لا يبعد أن يكون الخلق صفوفا يقف بعضهم وراء بعض مثل الصفوف المحيطة بالكعبة التي يكون بعضها خلف بعض ، وعلى هذا التقدير فالمراد من قوله صفا صفوفا كقوله : { يخرجكم طفلا } أي أطفالا . وثالثها : صفا أي قياما ، كما قال تعالى : { فاذكروا اسم الله عليها صواف } قالوا قياما .

المسألة الثانية : قالت المشبهة قوله تعالى : { وجاء ربك والملك صفا صفا } يدل على أنه تعالى يحضر في ذلك المكان وتعرض عليه أهل القيامة صفا ، وكذلك قوله تعالى : { لقد جئتمونا } يدل على أنه تعالى يحضر في ذلك المكان ، وأجيب عنه بأنه تعالى جعل وقوفهم في الموضع الذي يسألهم فيه عن أعمالهم ويحاسبهم عليها عرضا عليه ، لا على أنه تعالى يحضر في مكان وعرضوا عليه ليراهم بعد أن لم يكن يراهم ، ثم قال تعالى : { لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة } وليس المراد حصول المساواة من كل الوجوه ، لأنهم خلقوا صغارا ولا عقل لهم ولا تكليف عليهم بل المراد أنه قال للمشركين المنكرين للبعث المفتخرين في الدنيا على فقراء المؤمنين بالأموال والأنصار : { لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة } عراة حفاة بغير أموال ولا أعوان ونظيره قوله تعالى : { لقد جئتمونا * فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم } وقال تعالى : { أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا } - إلى قوله - { ويأتينا فردا } ثم قال تعالى : { بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا } أي كنتم مع التعزز على المؤمنين بالأموال والأنصار تنكرون البعث والقيامة فالآن قد تركتم الأموال والأنصار في الدنيا وشاهدتم أن البعث والقيامة حق ،

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفّٗا لَّقَدۡ جِئۡتُمُونَا كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةِۭۚ بَلۡ زَعَمۡتُمۡ أَلَّن نَّجۡعَلَ لَكُم مَّوۡعِدٗا} (48)

يقيم كُلَّ واحدٍ يومَ العَرْضِ في شاهد مخصوص ، ويُلْبِسُ كُلاً ما يُؤَهِّله له ؛ فَمِنْ لباسِ تقوى ، ومن قميصِ هوى ، ومن صِدَارِ وَجْدٍ ، ومن صُدْرَةِ محبة ، ومن رداءِ شوقٍ ، ومن حُلَّة وُصْلَة .

ويقال يجرِّدهم عن كل صفة إلا ما عليه نظرهم يوم القيامة وينادي المنادي على أجسادهم : هذا الذي أَتَى وَوَجَدَ ، وهذا الذي أَبَى وَجَحَدَ وهذا الذي خالَفَ فأَصَرَّ ، وهذا الذي أنعمنا عليه فَشَكَرَ ، وهذا الذي أحْسَنَّا إليه فَذَكَرَ . وهذا الذي أسقيناه شرابَنا ، ورزقناه محابَّنا ، وشَوَّقناه إلى لقائنا ، ولَقَّيْنَاه خصائص رِعَائِنا .

وهذا الذي وَسَمْناه بحجتنا ، وحرمناه وجُوُهَ قربتنا . وألبسناه نطاق فراقنا ، ومنعناه ، توفيق وفاقنا ، وهذا ، وهذا . . .

واخجلتي من وقوفي وَسْطَ دارِهمُ ! *** وقال لي مُغْضَباً : مَنْ أنت يا رجلُ ؟

قوله جلّ ذكره : { لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِداًً } .

جئتمونا بلا شفيعٍ ولا ناصر ، ولا مُعينِ ولا مُظاهِر .

قوم يُقال لهم : سلامٌ عليكم . . . . كيف أنتم ؟ وكيف وَجَدَتُم مقيلَكم ؟ وكم إلى لقائنا اشتقتم !

وقوم يُقال لهم : ما صنعتُم ، وما ضَيَّعْتُم ؟ ما قدَّمتُم ، وما أخرتم ؟ ما أعلنتم ، وما أسررتُم ؟

قُلْ لي بألسنةِ التنفُّسِ *** كيف أنت وكيف حالك ؟

ويقال يجيب بعضهم عند السؤال فيُفْصِحون عن مكنون قلوبهم ، ويشرحون ما هم به من أحوالٍ مع محبوبهم . وأخرون تملكهم الحيرة وتُسْكِتُهم الدهشة ، فلا لهم بيان ، ولا ينطق عنهم لسان . وآخرون كما قيل :

قالت سكينةُ مَنْ هذا فقلتُ لها : *** أنا الذي أنت ِ من أعدائه زَعمُوا