مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضۡلِهِۦۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡتَنكَفُواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا} (173)

واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه يحشر هؤلاء المستنكفين المستكبرين لم يذكر ما يفعل بهم بل ذكر أولا ثواب المؤمنين المطيعين فقال : { فأما الذين ءامنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله } ثم ذكر آخرا عقاب المستنكفين المستكبرين .

فقال : { وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا } والمعنى ظاهر لا إشكال فيه ، وإنما قدم ثواب المؤمنين على عقاب المستنكفين لأنهم إذا رأوا أولا ثواب المطيعين ثم شاهدوا بعده عقاب أنفسهم كان ذلك أعظم في الحسرة .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضۡلِهِۦۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡتَنكَفُواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا} (173)

قوله جلّ ذكره : { لَّن يَسْتَنكِفَ المَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلاَ المَلاَئِكَةُ المُقَرَبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً فَأَمَّأ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيَوَفِّيهِم أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ } .

كيف يستنكف عن عبوديته وبالعبودية شَرَفُه ، وكيف يستكبر عن التذلُّلِ وفي استكباره تَلَفُه ، ولهذا الشأن نطق المسيح أول ما نطق بقوله : إني عبد الله ، وتجمُّل العبيد في التذلل للسَّادة ، هذا معلوم لا تدخله ريبة .

وقوله : { وَلاَ المَلاَئِكَةُ المُقَرَّبُونَ } لا يدل على أنهم أفضل من المسيح ، لأنه إنما خاطبهم على حسب عقائدهم ، والقوم اعتقدوا تفضيل الملائكة على بني آدم .

قوله جلّ ذكره : { وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا } .

العذاب الأليم ألا يصلوا إليه أبداً بعدما عرفوا جلاله ، فإذا صارت معارفُهم ضروريةً فإنهم يعرفون أنهم عنه بقوا ، فَحَسَراتُهم حينئذ على ما فاتهم أشدُّ عقوبة لهم