مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{قَالَ ٱهۡبِطَا مِنۡهَا جَمِيعَۢاۖ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ} (123)

قوله تعالى :{ قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ، قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا ، قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ، وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى }

اعلم أن على أول هذه الآية سؤالا وهو أن قوله : { اهبطا } ، إما أن يكون خطابا مع شخصين أو أكثر فإن كان خطابا لشخصين فكيف قال بعده : { فإما يأتينكم منى هدى } وهو خطاب الجمع وإن كان خطابا لأكثر من شخصين فكيف قال : { اهبطا } وذكروا في جوابه وجوها : أحدها : قال أبو مسلم : الخطاب لآدم ومعه ذريته ولإبليس ومعه ذريته فلكونهما جنسين صح قوله : { اهبطا } ولأجل اشتمال كل واحد من الجنسين على الكثرة صح قوله : { فإما يأتينكم } قال صاحب «الكشاف » : لما كان آدم وحواء عليهما السلام أصلا للبشر والسبب اللذين منهما تفرعوا جعلا كأنهما البشر أنفسهم فخوطبا مخاطبتهم فقال : { فإما يأتينكم } على لفظ الجماعة ، أما قوله : { بعضكم لبعض عدو } فقال القاضي : يكفي في توفية هذا الظاهر حقه أن يكون إبليس والشياطين أعداء للناس والناس أعداء لهم ، فإذا انضاف إلى ذلك عداوة بعض الفريقين لبعض لم يمتنع دخوله في الكلام ، وقوله : { فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي } فيه دلالة على أن المراد الذرية ، وقد اختلفوا في المراد بالهدى ، فقال بعضهم : الرسل وبعضهم قال : الآخر والأدلة وبعضهم قال القرآن ، والتحقيق أن الهدى عبارة عن الدلالة فيدخل فيه كل ذلك ، وفي قوله : { فلا يضل ولا يشقى } دلالة على أن المراد بالهدى الذي ضمن الله على إتباعه ذلك إتباع الأدلة ، وإتباعها لا يتكامل إلا بأن يستدل بها وبأن يعمل بها ، ومن هذا حاله فقد ضمن الله تعالى له أن لا يضل ولا يشقى ، وفيه ثلاثة أوجه : أحدها : لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة . وثانيها : لا يضل ولا يشقى في الآخرة لأنه تعالى يهديه إلى الجنة ويمكنه فيها . وثالثها : لا يضل ولا يشقى في الدنيا فإن قيل : المتبع لهدى الله قد يحلقه الشقاء في الدنيا ، قلنا : المراد لا يضل في الدين ولا يشقى بسبب الدين فإن حصل الشقاء بسبب آخر فلا بأس ، ولما وعد الله تعالى من يتبع الهدى أتبعه بالوعيد فيمن أعرض ، فقال : { ومن أعرض عن ذكري }

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قَالَ ٱهۡبِطَا مِنۡهَا جَمِيعَۢاۖ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ} (123)

99

ثم صدر الأمر إلى الخصمين اللدودين أن يهبطا إلى أرض المعركة الطويلة بعد الجولة الأولى :

( قال : اهبطا منها جميعا ، بعضكم لبعض عدو ) . .

وبذلك أعلنت الخصومة في الثقلين . فلم يعد هناك عذر لآدم وبنيه من بعده أن يقول أحد منهم إنما أخذت على غرة ومن حيث لا أدري . فقد درى وعلم ؛ وأعلن هذا الأمر العلوي في الوجود كله : ( بعضكم لبعض عدو ) !

ومع هذا الإعلان الذي دوت به السماوات والأرضون ، وشهده الملائكة أجمعون . شاءت رحمة الله بعباده أن يرسل إليهم رسله بالهدى . قبل أن يأخذهم بما كسبت أيديهم . فأعلن لهم يوم أعلن الخصومة الكبرى بين آدم وإبليس ، أنه آتيهم بهدى منه ، فمجاز كلا منهم بعد ذلك حسبما ضل أو اهتدى :

( فإما يأتينكم مني هدى ، فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى . ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ، ونحشره يوم القيامة أعمى . قال : رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا ? قال : : كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى . وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ) . .

يجيء هذا المشهد بعد القصة كأنه جزء منها ، فقد أعلن عنه في ختامها في الملأ الأعلى . فذلك أمر إذن قضي فيه منذ بعيد ولا رجعة فيه ولا تعديل .

( فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ) . . فهو في أمان من الضلال والشقاء باتباع هدى الله . وهما ينتظران خارج عتبات الجنة . ولكن الله يقى منهما من اتبع هداه . والشقاء ثمرة الضلال ولو كان صاحبه غارقا في المتاع . فهذا المتاع ذاته شقوة . شقوة في الدنيا وشقوة في الآخرة . وما من متاع حرام ، إلا وله غصة تعقبه وعقابيل تتبعه . وما يضل الإنسان عن هدى الله إلا ويتخبط في القلق والحيرة والتكفؤ والاندفاع من طرف إلى طرف لا يستقر ولا يتوازن في خطاه . والشقاء قرين التخبط ولو كان في المرتع الممرع ! ثم الشقوة الكبرى في دار البقاء . ومن اتبع هدى الله فهو في نجوة من الضلال والشقاء في الأرض ، وفي ذلك عوض عن الفردوس المفقود ، حتى يؤوب إليه في اليوم الموعود .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالَ ٱهۡبِطَا مِنۡهَا جَمِيعَۢاۖ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ} (123)

{ قَالَ } استئناف مبني على سؤال نشأ من الأخبار بأنه تعالى عامله بما عامله كأنه قيل : فماذا أمره بعد ذلك ؟ فقيل : قال له ولزوجته { اهبطا مِنْهَا جَمِيعاً } أي انزلا من الجنة إلى الأرض مجتمعين ، وقيل : الخطاب له عليه السلام ولإبليس عليه اللعنة فإنه دخل الجنة بعد ما قيل له : { أَخْرَجَ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } [ ص : 77 ] للوسوسة ، وخطابهما على الأول بقوله تعالى : { بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } لما أنهما أصل الذرية ومنشأ الأولاد فالتعادي في الحقيقة بين أولادهما . وهذا على عكس مخاطبة اليهود ونسبة ما فعل ءاباؤهم اليهم . والجملة في موضع الحال أي متعادين في أمر المعاش وشهوات الأنفس . وعلى الثاني ظاهر لظهور العداوة بين آدم عليه السلام وابليس عليه اللعنة وكذا بين ذرية آدم عليه السلام وذرية اللعين . ومن هنا قيل : الضمير لآدم وذريته وإبليس وذريته .

وعزم بعضهم أنه لآدم وإبليس والحية والمغول عليه الأول ويؤيد ذلك قوله تعالى : { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى } الخ أي بنبي أرسله اليكم وكتاب أنزله عليكم { فَمَنِ اتبع هُدَاىَ } وضع الظاهر موضع المضمر مع الإضافة إلى ضميره تعالى لتشريفه والمبالغة في إيجاب اتباعه .

وأخرج الطبراني . وغيره عن أبي الطفيل أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ { فَمَنِ اتبع هُدًى فَلاَ يَضِلُّ } في الدنيا { وَلاَ يشقى } في الآخرة ، وفسر بعضهم الهدى بالقرآن لما أخرج ابن أبي شيبة . وعبد بن حميد . وابن أبي حاتم . والحاكم وصححه . والبيهقي في شعب الإيمان من طريق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : أجار الله تعالى تابع القرآن من أن يضل في الدنيا أو يشقى في الآخرة ثم قرأ الآية ، وأخرج جماعة عنه مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظ «من اتبع كتاب الله هداه الله تعالى من الضلالة في الدنيا ووقاه سوء الحساب يوم القيامة » ، ورجح على العموم بقيام القرينة عليه وهو قوله تعالى :