مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْۚ وَقِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ قَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدۡفَعُواْۖ قَالُواْ لَوۡ نَعۡلَمُ قِتَالٗا لَّٱتَّبَعۡنَٰكُمۡۗ هُمۡ لِلۡكُفۡرِ يَوۡمَئِذٍ أَقۡرَبُ مِنۡهُمۡ لِلۡإِيمَٰنِۚ يَقُولُونَ بِأَفۡوَٰهِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يَكۡتُمُونَ} (167)

قوله تعالى : { وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا ، وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون } .

اعلم أن هذا متعلق بما تقدم من قوله : { أو لما أصابتكم مصيبة } فذكر في هذه الآية الأولى أنها أصابتهم بذنبهم ومن عند أنفسهم ، وذكر في هذه الآية أنها أصابتهم لوجه آخر ، وهو أن يتميز المؤمن عن المنافق ، وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : قوله : { يوم التقى الجمعان } المراد يوم أحد ، والجمعان : أحدهما جمع المسلمين أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، والثاني : جمع المشركين الذين كانوا مع أبي سفيان .

المسألة الثانية : في قوله : { فبإذن الله } وجوه : الأول : أن إذن الله عبارة عن التخلية وترك المدافعة ، استعار الإذن لتخلية الكفار فإنه لم يمنعهم منهم ليبتليهم ، لأن الإذن في الشيء لا يدفع المأذون عن مراده ، فلما كان ترك المدافعة من لوازم الإذن أطلق لفظ الإذن على ترك المدافعة على سبيل المجاز .

الوجه الثاني : فبإذن الله : أي بعلمه كقوله : { وأذان من الله } أي إعلام ، وكقوله : { آذناك ما منا من شهيد } وقوله : { فأذنوا بحرب من الله } وكل ذلك بمعنى العلم . طعن الواحدي فيه فقال : الآية تسلية للمؤمنين مما أصابهم ولا تقع التسلية إلا إذا كان واقعا بعلمه ، لأن علمه عام في جميع المعلومات بدليل قوله تعالى : { وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه } .

الوجه الثالث : أن المراد من الإذن الأمر ، بدليل قوله : { ثم صرفكم عنهم ليبتليكم } والمعنى أنه تعالى لما أمر بالمحاربة ، ثم صارت تلك المحاربة مؤدية إلى ذلك الانهزام ، صح على سبيل المجاز أن يقال حصل ذلك بأمره .

الوجه الرابع : وهو المنقول عن ابن عباس : أن المراد من الإذن قضاء الله بذلك وحكمه به وهذا أولى لأن الآية تسلية للمؤمنين مما أصابهم ، والتسلية إنما تحصل إذا قيل إن ذلك وقع بقضاء الله وقدره ، فحينئذ يرضون بما قضى الله .

ثم قال : { وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا } والمعنى ليميز المؤمنين عن المنافقين وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : قال الواحدي : يقال : نافق الرجل فهو منافق إذا أظهر كلمة الإيمان وأضمر خلافها ، والنفاق اسم إسلامي اختلف في اشتقاقه على وجوه : الأول : قال أبو عبيدة : هو من نافقاء اليربوع ، وذلك لأن جحر اليربوع له بابان : القاصعاء والنافقاء ، فإذا طلب من أيهما كان خرج من الآخر فقيل للمنافق أنه منافق ، لأنه وضع لنفسه طريقين ، إظهار الإسلام وإضمار الكفر ، فمن أيهما طلبته خرج من الآخر : الثاني : قال ابن الأنباري : المنافق من النفق وهو السرب ، ومعناه أنه يتستر بالإسلام كما يتستر الرجل في السرب . الثالث : أنه مأخوذ من النافقاء ، لكن على غير هذا الوجه الذي ذكره أبو عبيدة ، وهو أن النافقاء جحر يحفره اليربوع في داخل الأرض ، ثم إنه يرقق بما فوق الجحر ، حتى إذا رابه ريب دفع التراب برأسه وخرج ، فقيل للمنافق منافق لأنه يضمر الكفر في باطنه ، فإذا فتشته رمى عنه ذلك الكفر وتمسك بالإسلام .

المسألة الثانية : قوله : { وليعلم المؤمنين } ظاهره يشعر بأنه لأجل أن يحصل له هذا العلم أذن في تلك المصيبة ، وهذا يشعر بتجدد علم الله ، وهذا محال في حق علم الله تعالى ، فالمراد ههنا من العلم المعلوم ، والتقدير : ليتبين المؤمن من المنافق ، وليتميز أحدهما عن الآخر حصل الإذن في تلك المصيبة ، وقد تقدم تقرير هذا المعنى في الآيات المتقدمة والله أعلم .

المسألة الثالثة : في الآية حذف ، تقديره : وليعلم إيمان المؤمنين ونفاق المنافقين .

فإن قيل : لم قال : { وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا } ولم يقل : وليعلم المنافقين .

قلنا : الاسم يدل على تأكيد ذلك المعنى ، والفعل يدل على تجدده ، وقوله : { وليعلم المؤمنين } يدل على كونهم مستقرين على إيمانهم متثبتين فيه ، وأما { نافقوا } فيدل على كونهم إنما شرعوا في الأعمال اللائقة بالنفاق في ذلك الوقت .

ثم قال تعالى : { وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : في أن هذا القائل من هو ؟ وجهان : الأول : قال الأصم : أنه الرسول عليه الصلاة والسلام كان يدعوهم إلى القتال . الثاني : روي أن عبد الله بن أبي بن سلول لما خرج بعسكره إلى أحد قالوا : لم نلق أنفسنا في القتل ، فرجعوا وكانوا ثلثمائة من جملة الألف الذين خرج بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لهم عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر بن عبد الله الأنصاري : أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عند حضور العدو ، فهذا هو المراد من قوله تعالى : { وقيل لهم } يعني قول عبد الله هذا .

المسألة الثانية : قوله : { قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا } يعني إن كان في قلبكم حب الدين والإسلام فقاتلوا للدين والإسلام ، وإن لم تكونوا كذلك ، فقاتلوا دفعا عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم ، يعني كونوا إما من رجال الدين ، أو من رجال الدنيا . قال السدي وابن جريج : ادفعوا عنا العدو بتكثير سوادنا إن لم تقاتلوا معنا ، قالوا : لأن الكثرة أحد أسباب الهيبة والعظمة ، والأول هو الوجه .

المسألة الثالثة : قوله تعالى : { قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا } تصريح بأنهم قدموا طلب الدين على طلب الدنيا ، وذلك يدل على أن المسلم لا بد وأن يقدم الدين على الدنيا في كل المهمات .

ثم قال تعالى : { قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان } وهذا هو الجواب الذي ذكره المنافقون وفيه وجهان : الأول : أن يكون المراد أن الفريقين لا يقتتلان ألبتة ، فلهذا رجعنا . الثاني : أن يكون المعنى لو نعلم ما يصلح أن يسمى قتالا لاتبعناكم ، يعني أن الذي يقدمون عليه لا يقال له قتال ، وإنما هو إلقاء النفس في التهلكة لأن رأي عبد الله كان في الإقامة بالمدينة ، وما كان يستصوب الخروج .

واعلم أنه إن كان المراد من هذا الكلام هو الوجه الأول فهو فاسد ، وذلك لأن الظن في أحوال الدنيا قائم مقام العلم ، وأمارات حصول القتال كانت ظاهرة في ذلك اليوم ، ولو قيل لهذا المنافق الذي ذكر هذا الجواب : فينبغي لك لو شاهدت من شهر سيفه في الحرب أن لا تقدم على مقاتلته لأنك لا تعلم منه قتالا ، وكذا القول في سائر التصرفات في أمور الدنيا ، بل الحق أن الجهاد واجب عند ظهور أمارات المحاربة ، ولا أمارات أقوى من قربهم من المدينة عند جبل أحد ، فدل ذكر هذا الجواب على غاية الخزي والنفاق ، وإنه كان غرضهم من ذكر هذا الجواب إما التلبيس ، وإما الاستهزاء . وأما إن كان مراد المنافق هو الوجه الثاني فهو أيضا باطل ، لأن الله تعالى لما وعدهم بالنصرة والإعانة لم يكن الخروج إلى ذلك القتال إلقاء للنفس في التهلكة .

ثم إنه بين حالهم عندما ذكروا هذا الجواب فقال : { هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : في التأويل وجهان : الأول : أنهم كانوا قبل هذه الواقعة يظهرون الإيمان من أنفسهم وما ظهرت منهم أمارة تدل على كفرهم ، فلما رجعوا عن عسكر المؤمنين تباعدوا بذلك عن أن يظن بهم كونهم مؤمنين .

واعلم أن رجوعهم عن معاونة المسلمين دل على أنهم ليسوا من المسلمين ، وأيضا قولهم : { لو نعلم قتالا لاتبعناكم } يدل على أنهم ليسوا من المسلمين ، وذلك لأنا بينا أن هذا الكلام يدل إما على السخرية بالمسلمين ، وإما على عدم الوثوق بقول النبي صلى الله عليه وسلم وكل واحد منهما كفر .

الوجه الثاني : في التأويل أن يكون المراد أنهم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان ، لأن تقليلهم سواد المسلمين بالانعزال يجر إلى تقوية المشركين .

المسألة الثانية : قال أكثر العلماء : إن هذا تنصيص من الله تعالى على أنهم كفار ، قال الحسن إذا قال الله تعالى : { أقرب } فهو اليقين بأنهم مشركون ، وهو مثل قوله : { مائة ألف أو يزيدون } فهذه الزيادة لا شك فيها ، وأيضا المكلف لا يمكن أن ينفك عن الإيمان والكفر ، فلما دلت الآية على القرب لزم حصول الكفر . وقال الواحدي في «البسيط » : هذه الآية دليل على أن من أتى بكلمة التوحيد لم يكفر ولم يطلق القول بتكفيره ، لأنه تعالى لم يطلق القول بكفرهم مع أنهم كانوا كافرين ، لإظهارهم القول بلا إله إلا الله محمد رسول الله .

ثم قال تعالى : { يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم } والمراد أن لسانهم مخالف لقلبهم ، فهم وإن كانوا يظهرون الإيمان باللسان لكنهم يضمرون في قلوبهم الكفر .

ثم قال : { والله أعلم بما يكتمون } .

فإن قيل : إن المعلوم إذا علمه عالمان لا يكون أحدهما أعلم به من الآخر ، فما معنى قوله : { والله أعلم بما يكتمون } .

قلنا : المراد أن الله تعالى يعلم من تفاصيل تلك الأحوال ما لا يعلمه غيره .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْۚ وَقِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ قَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدۡفَعُواْۖ قَالُواْ لَوۡ نَعۡلَمُ قِتَالٗا لَّٱتَّبَعۡنَٰكُمۡۗ هُمۡ لِلۡكُفۡرِ يَوۡمَئِذٍ أَقۡرَبُ مِنۡهُمۡ لِلۡإِيمَٰنِۚ يَقُولُونَ بِأَفۡوَٰهِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يَكۡتُمُونَ} (167)

121

وهو يشير في هذه الآية إلى موقف عبد الله بن أبي بن سلول ، وممن معه ، ويسميهم : " الذين نافقوا " . . وقد كشفهم الله في هذه الموقعة ، وميز الصف الإسلامي منهم . وقرر حقيقة موقفهم يومذاك : ( هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان ) . . وهم غير صادقين في احتجاجهم بأنهم يرجعون لأنهم لا يعلمون أن هناك قتالا سيكون بين المسلمين والمشركين . فلم يكن هذا هو السبب في حقيقة الأمر ، وإنما هم : ( يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ) . . فقد كان في قلوبهم النفاق ، الذي لا يجعلها خالصة للعقيدة ، وإنما يجعل أشخاصهم واعتباراتها فوق العقيدة واعتباراتها . فالذي كان برأس النفاق - عبد الله بن أبي - أن رسول الله [ ص ] لم يأخذ برأيه يوم أحد . والذي كان به قبل هذا أن قدومه [ ص ] إلى المدينة بالرسالة الإلهية حرمه ما كانوا يعدونه له من الرياسة فيهم ، وجعل الرياسة لدين الله ، ولحامل هذا الدين ! . . فهذا الذي كان في قلوبهم ، والذي جعلهم يرجعون يوم أحد ، والمشركون على أبواب المدينة ، وجعلهم يرفضون الاستجابة إلى المسلم الصادق عبد الله بن عمرو بن حرام ، وهو يقول لهم : ( تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا ) محتجين بأنهم لا يعلمون أن هناك قتالا ! وهذا ما فضحهم الله به في هذه الآية :

( والله أعلم بما يكتمون ) . .

/خ179

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْۚ وَقِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ قَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدۡفَعُواْۖ قَالُواْ لَوۡ نَعۡلَمُ قِتَالٗا لَّٱتَّبَعۡنَٰكُمۡۗ هُمۡ لِلۡكُفۡرِ يَوۡمَئِذٍ أَقۡرَبُ مِنۡهُمۡ لِلۡإِيمَٰنِۚ يَقُولُونَ بِأَفۡوَٰهِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يَكۡتُمُونَ} (167)

{ وَلِيَعْلَمَ الذين نَافَقُواْ } كعبد الله بن أبيّ وأصحابه ، وهذا عطف على ما قبله من مثله ، وإعادة الفعل إما للاعتناء بهذه العلة ، أو لتشريف المؤمنين وتنزيههم عن الانتظام في قرن المنافقين وللإيذان باختلاف حال العلم بحسب التعلق بالفريقين فإنه متعلق بالمؤمنين على نهج تعلقه السابق ، وبالمنافقين على نهج جديد وهو السر كما قال شيخ الإسلام في إيراد الأولين بصيغة اسم الفاعل المنبئة عن الاستمرار والآخرين بموصول صلته ، فعل دال على الحدوث .

{ وَقِيلَ لَهُمْ } عطف على { نَافَقُواْ } مؤذن بأن ذلك كان نفاقاً خاصاً أظهروه في ذلك المقام . وقيل : ابتداء كلام معطوف على مجموع ما قبله عطف قصة على قصة ، ووجهه أنه جل شأنه لما ذكر أحوال المؤمنين وما جرى لهم وعليهم فيما تقدم من الآيات وبين أن الدائرة إنما كانت للابتلاء وليتميز المؤمنون عن المنافقين وليعلم كل واحد من الفريقين أن ما قدره الله تعالى من إصابة المؤمنين كائن لا محالة أورد قصة من قصصهم مناسبة لهذا المقام مستطردة ، وجيء بالواو لأنها ملائمة لأصل الكلام ، والنفاق على هذا مطلق متعارف ، وجوز أن يكون كلاماً مبتدأ على سبيل الاعتراض للتنبيه على كيفية ظهور نفاقهم ، أو عدم ثباتهم على الإيمان . وعلى كل تقدير ، القائل إما رسول الله صلى الله عليه وسلم وإليه ذهب الأصم وإما عبد الله بن عمرو بن حرام من بني سلمة وإليه ذهب الأكثر ومقول القول قوله تعالى : { تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ في سَبِيلِ الله أَوِ ادفعوا } قال السدي وابن جريج : أو ادفعوا عنا العدو بتكثير السواد ، وهو المروي عن ابن عباس ، وقيل : إنهم خيروا بين أن يقاتلوا للآخرة أو لدفع الكفار عن أنفسهم وأموالهم أو بين الأول وبين دفع المؤمنين عن ذلك كأنه قيل : قاتلوا لله تعالى أو للنفاق الدافع عن أنفسكم وأموالكم ، وترك العاطف الفاء أو الواو بين تعالوا وقاتلوا لما أن المقصود بهما واحد وهو الثاني ، وذكر الأول توطئة له وترغيباً فيه لما فيه من الدلالة على التظاهر والتعاون ، وقيل : ترك العاطف للإشارة إلى أن كل واحد من الجملتين مقصود بنفسه ، وقيل : الأمر الثاني حال ولا يخفى بعده .

{ قَالُواْ } استئناف بياني كأنه قيل فما صنعوا حين قيل لهم ذلك ؟ فقيل قالوا : { لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتبعناكم } أي لو كنا نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ولكن لا نرى أن يكون قتال ، أخرجه ابن جرير وغيره عن ابن شهاب ، وقيل : أرادوا إنا لا نحسن القتال ولا نقدر عليه لأن العلم بالفعل الاختياري من لوازم القدرة عليه فعبر بنفيه عن نفيها ، ويحتمل أنهم جعلوا نفي علم القتال كناية عن أن ما هم فيه ليس قتالاً بناءاً على نفي العلم بنفي المعلوم لأن القتال يستدعي التكافؤ من الجانبين مع رجاء مدافعة أو مغالبة ومتى لم يتحقق ذلك كان إلقاء الأنفس إلى التهلكة ، ومن الناس من جوز أن يكون المراد لو نعلم قتالاً في سبيل الله لاتبعناكم أو لو نعلم قتالاً معنا لاتبعناكم لكن ليس للمخالف معنا مضادة ولا قصد له إلا معكم ، ولا يخفى أن هذا الكلام على جميع تقاديره يصلح وقوعه جواباً لما قيل لهم على جميع تقاديره ما عدا الأول ، وعلى الأول يصلح هذا جواباً له على جميع تقاديره ما عدا الثاني إذ عدم المعرفة بالقتال لا يكون عذراً في عدم تكثير السواد إلا على بعد ومن كلامهم :

إن لم تقاتل يا جبان فشجع *** والمراد بالاتباع إما الذهاب للقتال ولم يعبروا به لأن ألسنتهم لكمال تثبط قلوبهم عنه لا تساعدهم على الإفصاح به ، وإما الذهاب مع المؤمنين مطلقاً سواء كان للقتال أو للدفع وتكثير السواد وحمله على امتثال الأمر أي لو كنا نعلم قتالاً لامتثلنا أمركم لا يخلو عن بعد .

/ { هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ للإيمان } أي هم يوم إذ قالوا لو نعلم الخ أقرب للكفر منهم قبل ذلك لظهور أمارته عليهم بانخذالهم عن نصرة المؤمنين واعتذارهم لهم على وجه الدغل والاستهزاء . والظروف كلها في المشهور عند المعربين ، متعلقة بأقرب ومن قواعدهم أنه لا يتعلق حرفا جر ، أو ظرفان بمعنى بمتعلق واحد إلا في ثلاث صور : إحداها : أن يتعلق أحدهمابه مطلقاً ثم يتعلق به الآخر بعد تقييده بالأول ، وثانيتها : أن يكون الثاني تابعاً للأول ببدلية ونحوها ، وثالثتها : أن يكون المتعلق أفعل تفضيل لتضمنه الفاضل والمفضول الذي يجعله بمنزلة تعدد المتعلق كما في المقيد والمطلق ، وما نحن فيه من هذا القبيل كأنه قيل قربهم من الكفر يزيد على قربهم من الإيمان ، واللام الجارة في الموضعين بمعنى إلى بناءاً على ما قيل : إن صلة القرب تكون من وإلى لا غير ، تقول : قرب منه وإليه ، ولا تقول له ، أو على حالها بناءاً على ما في «الدر المصون » أن القرب الذي هو ضد البعد يتعدى بثلاثة أحرف اللام وإلى ومن ، وقيل : إن أقرب هنا من القرب بفتح الراء وهو طلب الماء ومنه القارب لسفينته ، وليلة القرب أي الورود ، والمعنى هم أطلب للكفر وحينئذ يتعدى باللام اتفاقاً . وزعم بعضهم أن اللام هنا للتعليل والتقدير هم لأجل كفرهم يومئذ أقرب من الكافرين منهم من المؤمنين لأجل إيمانهم ، ولا ينبغي أن يخرج كلام الله تعالى عليه لمزيد بعده وركاكة نظمه لو صرح بما حذف فيه .

وجوز أن يقدر في الكلام مضاف وهو أهل ، واللام متعلقة بتمييز محذوف وهو نصرة والمعنى هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان إذ كان انخذالهم ومقالهم تقوية للمشركين وتخذيلاً للمؤمنين ، وهذا كما تقول : أنا لزيد أشدّ ضرباً مني لعمرو ، وأنت تعلم أنه يمكن تعلق اللام بالتمييز عند عدم اعتبار حذف المضاف أيضاً ، وادعى الواحدي أن في الآية دليلاً على أن الآتي بكلمة التوحيد لا يكفر لأنه تعالى لم يظهر القول بتكفيرهم .

وقال الحسن : إذا قال الله تعالى { أَقْرَبُ } فهو لليقين بأنهم مشركون ولا يخفى أن الآية كالصريح في كفرهم لكنهم مع هذا لا يستحقون أن يعاملوا بذلك معاملة الكفار ولعله لأمر آخر .

{ يَقُولُونَ بأفواههم مَّا لَيْسَ * في قُلُوبِهِمْ } جملة مستأنفة مبينة لحالهم مطلقاً لا في ذلك اليوم فقط ولذا فصلت ، وقيل : حال من ضمير أقرب وتقييد القول بالأفواه إما بيان لأنه كلام لفظي لا نفسي ، وإما تأكيد على حدّ { وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } [ الأنعام : 38 ] والمراد أنهم يظهرون خلاف ما يضمرون ؛ وقال شيخ الإسلام : «إن ذكر الأفواه والقلوب تصوير لنفاقهم وتوضيح لمخالفة ظاهرهم لباطنهم وإن ما ، عبارة عن القول والمراد به إما نفس الكلام الظاهر في اللسان تارة وفي القلب أخرى ، فالمثبت والمنفي متحدان ذاتاً وصفة وإن اختلفا مظهراً ، وإما القول الملفوظ فقط فالمنفي حينئذ منشؤه الذي لا ينفك عنه القول أصلاً ، وإنما عبر عنه به إبانة لما بينهما من شدة الاتصال ، والمعنى يتفوهون بقول لا وجود له أو لمنشئه في قلوبهم أصلاً من الأباطيل التي من جملتها ما حكى عنهم آنفاً فإنهم أظهروا فيه أمرين ليس في قلوبهم شيء منهما ، أحدهما : عدم العلم بالقتال والآخر : الاتباع على تقدير العلم به وقد كذبوا فيهما كذباً بيّناً حيث كانوا عالمين به ( غير ناوين للاتباع بل كانوا ) مصرين مع ذلك على الانخذال عازمين على الارتداد » ، واختار بعضهم كون { مَا } عبارة عن القول الملفوظ ، ومعنى كونه ليس في قلوبهم أنه غير معتقد لهم ولا متصور عندهم إلا كتصور زوجية الثلاثة مثلاً والحكم عام ؛ ويدخل فيه حكم ما تفوهوا به من مجموع القضية الشرطية لا خصوص المقدم فقط ولا خصوص التالي فقط ولا الأمران معاً دون الهيئة الاجتماعية المعتبرة في القضية ولعل ما ذكره الشيخ أولى .

{ والله أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ } زيادة تحقيق لكفرهم ونفاقهم ببيان اشتغال قلوبهم بما يخالف أقوالهم من فنون الشر والفساد إثر بيان خلوهم عما يوافقها ، والمراد أعلم من المؤمنين لأنه تعالى يعلمه مفصلاً بعلم واجب ، والمؤمنون يعلمونه مجملاً بأمارات ، ويجوز أن تكون الجملة حالية للتنبيه على أنهم لا ينفعهم النفاق ، وأن المراد أعلم منهم لأن الله تعالى يعلم نتيجة أسرارهم وآمالهم .