مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ} (173)

قوله تعالى : { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فأخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم } .

وفي الآية مسائل .

المسألة الأولى : هذه الآية نزلت في غزوة بدر الصغرى ، روى ابن عباس أن أبا سفيان لما عزم على أن ينصرف من المدينة إلى مكة نادى : يا محمد موعدنا موسم بدر الصغرى فنقتتل بها إن شئت ، فقال عليه الصلاة والسلام لعمر : قل بيننا وبينك ذلك إن شاء الله تعالى ، فلما حضر الأجل خرج أبو سفيان مع قومه حتى نزل بمر الظهران ، وألقى الله تعالى الرعب في قلبه ، فبدا له أن يرجع ، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم نعيم معتمرا ، فقال : يا نعيم إني وعدت محمدا أن نلتقي بموسم بدر ، وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن ، وقد بدا لي أن أرجع ، ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاد بذلك جراءة ، فاذهب إلى المدينة فثبطهم ولك عندي عشرة من الإبل ، فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم : ما هذا بالرأي ، أتوكم في دياركم وقتلوا أكثركم فإن ذهبتم إليهم لم يرجع منكم أحد ، فوقع هذا الكلام في قلوب قوم منهم ، فلما عرف الرسول عليه الصلاة والسلام ذلك قال : «والذي نفس محمد بيده لأخرجن إليهم ولو وحدي » ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم ، ومعه نحو من سبعين رجلا فيهم ابن مسعود ، وذهبوا إلى أن وصلوا إلى بدر الصغرى ، وهي ماء لبني كنانة ، وكانت موضع سوق لهم يجتمعون فيها كل عام ثمانية أيام ، ولم يلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحدا من المشركين ، ووافقوا السوق ، وكانت معهم نفقات وتجارات ، فباعوا واشتروا أدما وزبيبا وربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين ، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين ، ورجع أبو سفيان إلى مكة فسمى أهل مكة جيشه جيش السويق ، وقالوا : إنما خرجتم لتشربوا السويق ، فهذا هو الكلام في سبب نزول هذه الآية .

المسألة الثانية : في محل { الذين } وجوه : أحدها : أنه جر ، صفة للمؤمنين بتقدير : والله لا يضيع أجر المؤمنين الذين قال لهم الناس . الثاني : أنه بدل من قوله : { للذين أحسنوا } الثالث : أنه رفع بالابتداء وخبره { فزادهم إيمانا } .

المسألة الثالثة : المراد بقوله : { الذين } من تقدم ذكرهم ، وهم الذين استجابوا لله والرسول ، وفي المراد بقوله : { قال لهم الناس } وجوه : الأول : أن هذا القائل هو نعيم بن مسعود كما ذكرناه في سبب نزول هذه الآية ، وإنما جاز إطلاق لفظ الناس على الإنسان الواحد ، لأنه إذا قال الواحد قولا وله أتباع يقولون مثل قوله أو يرضون بقوله ، حسن حينئذ إضافة ذلك الفعل إلى الكل ، قال الله تعالى : { وإذ قتلتم نفسا فادرأتم فيها } { وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } وهم لم يفعلوا ذلك وإنما فعله أسلافهم ، إلا أنه أضيف إليهم لمتابعتهم لهم على تصويبهم في تلك الأفعال فكذا ههنا يجوز أن يضاف القول إلى الجماعة الراضين بقول ذلك الواحد . الثاني : وهو قول ابن عباس ، ومحمد بن إسحاق : أن ركبا من عبد القيس مروا بأبي سفيان ، فدسهم إلى المسلمين ليجنبوهم وضمن لهم عليه جعلا . الثالث : قال السدي : هم المنافقون ، قالوا للمسلمين حين تجهزوا للمسير إلى بدر لميعاد أبي سفيان : القوم قد أتوكم في دياركم ، فقتلوا الأكثرين منكم ، فإن ذهبتم إليهم لم يبق منكم أحد .

المسألة الرابعة : قوله تعالى : { إن الناس قد جمعوا لكم } المراد بالناس هو أبو سفيان وأصحابه ورؤساء عسكره ، وقوله : { قد جمعوا لكم } أي جمعوا لكم الجموع ، فحذف المفعول لأن العرب تسمي الجيش جمعا ويجمعونه جموعا ، وقوله : { فاخشوهم } أي فكونوا خائفين منهم ، ثم أنه تعالى أخبر أن المسلمين لما سمعوا هذا الكلام لم يلتفتوا إليه ولم يقيموا له وزنا ، فقال تعالى : { فزادهم إيمانا } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : الضمير في قوله : { فزادهم } إلى ماذا يعود ؟ فيه قولان : الأول : عائد إلى الذين ذكروا هذه التخويفات . والثاني : أنه عائد إلى نفس قولهم ، والتقدير : فزادهم ذلك القول إيمانا ، وإنما حسنت هذه الإضافة لأن هذه الزيادة في الإيمان لما حصلت عند سماع هذا القول حسنت إضافتها إلى هذا القول وإلى هذا القائل ، ونظيره قوله تعالى : { فلم يزدهم دعائي إلا فرارا } وقوله تعالى : { فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا }

المسألة الثانية : المراد بالزيادة في الإيمان أنهم لما سمعوا هذا الكلام المخوف لم يلتفتوا إليه ، بل حدث في قلوبهم عزم متأكد على محاربة الكفار ، وعلى طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يأمر به وينهي عنه ثقل ذلك أو خف ، لأنه قد كان فيهم من به جراحات عظيمة ، وكانوا محتاجين إلى المداواة ، وحدث في قلوبهم وثوق بأن الله ينصرهم على أعدائهم ويؤيدهم في هذه المحاربة ، فهذا هو المراد من قوله تعالى : { فزادهم إيمانا } .

المسألة الثالثة : الذين يقولون إن الإيمان عبارة لا عن التصديق بل عن الطاعات ، وإنه يقبل الزيادة والنقصان ، احتجوا بهذه الآية ، فإنه تعالى نص على وقوع الزيادة ، والذين لا يقولون بهذا القول قالوا : الزيادة إنما وقعت في مراتب الإيمان وفي شعائره ، فصح القول بوقوع الزيادة في الإيمان مجازا .

المسألة الرابعة : هذه الواقعة تدل دلالة ظاهرة على أن الكل بقضاء الله وقدره ، وذلك لأن المسلمين كانوا قد انهزموا من المشركين يوم أحد ، والعادة جارية بأنه إذا انهزم أحد الخصمين عن الآخر فإنه يحصل في قلب الغالب قوة وشدة استيلاء ، وفي قلب المغلوب انكسار وضعف ، ثم أنه سبحانه قلب القضية ههنا ، فأودع قلوب الغالبين وهم المشركون الخوف والرعب ، وأودع قلوب المغلوبين القوة والحمية والصلابة ، وذلك يدل على أن الدواعي والصوارف من الله تعالى ، وإنها متى حدثت في القلوب وقعت الأفعال على وفقها .

ثم قال تعالى : { وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } والمراد أنهم كلما ازدادوا إيمانا في قلوبهم أظهروا ما يطابقه فقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل . قال ابن الانباري : { حسبنا الله } أي كافينا الله ، ومثله قول امرئ القيس :

وحسبك من غنى شبع وري *** . . .

أي يكفيك الشبع والري ، وأما ( الوكيل ) ففيه أقوال : أحدها : أنه الكفيل . قال الشاعر :

ذكرت أبا أروى فبت كأنني *** برد الأمور الماضيات وكيل

أراد كأنني برد الأمور كفيل . الثاني : قال الفراء : الوكيل : الكافي ، والذي يدل على صحة هذا القول أن «نعم » سبيلها أن يكون الذي بعدها موافقا للذي قبلها ، تقول : رازقنا الله ونعم الرازق ، وخالقنا الله ونعم الخالق ، وهذا أحسن من قول من يقول : خالقنا الله ونعم الرازق ، فكذا ههنا تقدير الآية : يكفينا الله ونعم الكافي . الثالث : الوكيل ، فعيل بمعنى مفعول ، وهو الموكول إليه ، والكافي والكفيل يجوز أن يسمى وكيلا ، لأن الكافي يكون الأمر موكولا إليه ، وكذا الكفيل يكون الأمر موكولا إليه .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ} (173)

121

ولم يكن أقوى في التعبير عن ميلاد هذه الحقيقة من خروج هؤلاء الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح . ومن خروجهم بهذه الصورة الناصعة الرائعة الهائلة : صورة التوكل على الله وحده وعدم المبالاة بمقالة الناس وتخويفهم لهم من جمع قريش لهم - كما أبلغهم رسل أبي سفيان - وكما هول المنافقون في أمر قريش وهو ما لا بد أن يفعلوا - :

( الذين قال لهم الناس : إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل ) . .

هذه الصورة الرائعة الهائلة كانت اعلانا قويا عن ميلاد هذه الحقيقة الكبيرة . وكان هذا بعض ما تشير إليه الخطة النبوية الحكيمة . .

وتحدثنا بعض روايات السيرة عن صورة من ذلك القرح ومن تلك الاستجابة :

قال محمد بن إسحاق : حدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان أن رجلا من أصحاب رسول الله [ ص ] من بني عبد الأشهل كان قد شهد أحدا قال : شهدنا أحدا مع رسول الله [ ص ] أنا وأخي ، فرجعنا جريحين . فلما إذن مؤذن رسول الله [ ص ] بالخروج في طلب العدو ، قلت لأخي - أو قال لي - أتفوتنا غزوة مع رسول الله [ ص ] ؟ - والله ما لنا من دابة نركبها ، وما منا إلا جريح ثقيل . فخرجنا مع رسول الله [ ص ] وكنت أيسر جراحا منه ، فكان إذا غلب حملته عقبة . . حتى انتهيا إلى ما انتهى إليه المسلمون .

وقال محمد بن إسحاق : كان يوم أحد يوم السبت النصف من شوال ، فلما كان الغد من يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال ، أذن مؤذن رسول الله [ ص ] في الناس بطلب العدو ، وإذن مؤذنه أن لا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس . فكلمه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام . فقال : يا رسول الله إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع . وقال : يا بني إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة ولا رجل فيهن . ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله [ ص ] على نفسي . فتخلف على أخوتك . فتخلفت عليهن . . فأذن له رسول الله [ ص ] فخرج معه . .

وهكذا تتضافر مثل هذه الصور الرفيعة على إعلان ميلاد تلك الحقيقة الكبيرة ، في تلك النفوس الكبيرة . النفوس التي لا تعرف إلا الله وكيلا ، وترضى به وحده وتكتفي ، وتزداد إيمانا به في ساعة الشدة ، وتقول في مواجهة تخويف الناس لهم بالناس :

( حسبنا الله ، ونعم الوكيل ) . .

/خ179

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ} (173)

فقوله تعالى : { الذين قَالَ لَهُمُ الناس إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فاخشوهم } بدل من { الذين استجابوا } [ آل عمران : 172 ] أو صفة ، والمراد من الناس الأول : ركب عبد قيس ، ومن الثاني : أبو سفيان ومن معه فأل فيهما للعهد والناس الثاني غير الأول . / وروي عن مجاهد . وقتادة ، وعكرمة ، وغيرهم أنهم قالوا : والخبر متداخل ، نزلت هذه الآيات في غزوة بدر الصغرى ، وذلك أن أبا سفيان قال يوم أحد حين أراد أن ينصرف : يا محمد موعد ما بيننا وبينك موسم بدر القابل إن شئت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذلك بيننا وبينك إن شاء الله تعالى فلما كان العام المقبل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة من ناحية مر الظهران ، وقيل : بلغ عسفان فألقى الله تعالى عليه الرعب فبدا له الرجوع فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمراً فقال له أبو سفيان : إني واعدت محمداً وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر وأن هذه عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن وقد بدا لي وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا فيزيدهم ذلك جرأة فالحق المدينة فتثبطهم ولك عندي عشرة من الإبل أضعها على يدي سهيل بن عمرو فأتى نعيم المدينة فوجد الناس يتجهزون لميعاد أبي سفيان فقال لهم : بئس الرأي رأيكم أتوكم في دياركم وقراركم فلم يفلت منكم إلا شريد فتريدون أن تخرجوا إليهم وقد جمعوا لكم عند الموسم فوالله لا يفلت منكم أحد فكره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «والذي نفسي بيده لأخرجن ولو وحدي » فخرج ومعه سبعون راكباً يقولون : حسبنا الله ونعم الوكيل حتى وافى بدراً فأقام بها ثمانية أيام ينتظر أبا سفيان وقد انصرف أبو سفيان ومن معه من مجنة إلى مكة فسماهم أهل مكة جيش السويق يريدون أنكم لم تفعلوا شيئاً سوى شرب السويق ولم يلق رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً من المشركين فكر راجعاً إلى المدينة ، وفي ذلك يقول عبد الله بن رواحة أو كعب بن مالك :

وعدنا أبا سفيان وعداً فلم نجد *** لميعاده صدقاً وما كان وافياً

فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا *** لأبت ذميماً وافتقدت المواليا

تركنا به أوصال عتبة وابنه *** وعمراً أبا جهل تركناه ثاوياً

عصيتم رسول الله أف لدينكم *** وأمركم الشيء الذي كان غاوياً

وإني وإن عنفتموني لقائل *** فدى لرسول الله أهلي وماليا

أطعناه لم نعدله فينا بغيره *** شهاباً لنا في ظلمة الليل هادياً

فعلى هذا المراد من الناس الأول نعيم ، وأطلق ذلك عليه كما يطلق الجمع واسم الجمع المحلى بأل الجنسية على الواحد منه مجازاً كما صرحوا به ، أو باعتبار أن المذيعين له كالقائلين لهم لكن في كون القائل نعيماً مقال .

وقد ذكره ابن سعد في «طبقاته » ، وذكر بعضهم أن القائلين أناس من عبد قيس .

{ فَزَادَهُمْ إيمانا } الضمير المستكن للمقول أو لمصدر قال أو لفاعله إن أريد به نعيم وحده ، أو لله تعالى ، وتعقب أبو حيان «الأول بأنه ضعيف من حيث إنه لا يزيد إيماناً إلا النطق به لا هو في نفسه ، وكذا الثالث بأنه إذا أطلق على المفرد لفظ الجمع مجازاً فإن الضمائر تجري على ذلك الجمع لا على المفرد فيقال : مفارقه شابت باعتبار الإخبار عن الجمع ، ولا يجوز مفارقه شاب باعتبار مفرقه شاب » ، وفي كلا التعقيبين نظر ، أما الأول : فقد نظر فيه الحلبي بأن المقول هو الذي في الحقيقة حصل به زيادة الإيمان ، وأما الثاني : فقد نظر فيه السفاقسي بأنه لا يبعد جوازه بناءاً على ما علم من استقراء كلامهم فيما له لفظ وله معنى من اعتبار اللفظ تارة والمعنى أخرى . والمراد أنهم لم يلتفتوا إلى ذلك بل ثبت به يقينهم بالله تعالى وازدادوا طمأنينة واظهروا حمية الإسلام .

/ واستدل بذلك من قال : إن الإيمان يتفاوت زيادة ونقصاناً وهذا ظاهر إن جعلت الطاعة من جملة الإيمان ، وأما إن جعل الإيمان نفس التصديق والاعتقاد فقد قالوا في ذلك : إن اليقين مما يزداد بالألف وكثرة التأمل وتناصر الحجج بلا ريب ، ويعضد ذلك أخبار كثيرة ، ومن جعل الإيمان نفس التصديق وأنكر أن يكون قابلاً للزيادة والنقصان يؤول ما ورد في ذلك باعتبار المتعلق ، ومنهم من يقول : إن زيادته مجاز عن زيادة ثمرته وظهور آثاره وإشراق نوره وضيائه في القلب ونقصانه على عكس ذلك ، وكأن الزيادة هنا مجاز عن ظهور الحمية وعدم المبالاة بما يثبطهم ، وأنت تعلم أن التأويل الأول هنا خفي جداً لأنه لم يتجدد للقوم بحسب الظاهر عند ذلك القول شيء يجب الإيمان به كوجوب صلاة أو صوم مثلاً ليقال : إن زيادة إيمانهم باعتبار ذلك المتعلق وكذا التزام التأويل الثاني في الآيات والآثار التي لم تكد تتمنطق بمنطقة الحصر بعيد غاية البعد . فالأولى القول بقبول الإيمان الزيادة والنقصان من غير تأويل ، وإن قلنا : إنه نفس التصديق وكونه إذا نقص يكون ظناً أو شكاً ويخرج عن كونه إيماناً وتصديقاً مما لا ظن ولا شك في أنه على إطلاقه ممنوع . نعم قد يكون التصديق بمرتبة إذا نزل عنها يخرج عن كونه تصديقاً وذاك مما لا نزاع لأحد في أنه لا يقبل النقصان مع بقاء كونه تصديقاً ، وإلى هذا أشار بعض المحققين .

{ وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله } أي محسبنا وكافينا من أحسبه إذا كفاه ، والدليل على أن حسب بمعنى محسب اسم فاعل وقوعه صفة للنكرة في هذا رجل حسبك مع إضافته إلى ضمير المخاطب فلولا أنه اسم فاعل وإضافته لفظية لا تفيده تعريفاً كإضافة المصدر ما صح كونه صفة لرجل كذا قالوا ، ومنه يعلم أن المصدر المؤل باسم الفاعل له حكمه في الإضافة ، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة التي قبلها .

{ وَنِعْمَ الوكيل } أي الموكول إليه ففعيل بمعنى مفعول والمخصوص بالمدح محذوف هو ضميره تعالى ، والظاهر عطف هذه الجملة الإنشائية على الجملة الخبرية التي قبلها ، والواو إما من الحكاية أو من المحكي فإن كان الأول وقلنا بجواز عطف الإنشاء على الإخبار فيما له محل من الإعراب لكونهما حينئذٍ في حكم المفردين فأمر العطف ظاهر من غير تكلف التأويل لأن الجملة المعطوف عليها في محل نصب مفعول قالوا لكن القول بجواز هذا العطف بدون التأويل عند الجمهور ممنوع لا بد له من شاهد ولم يثبت . وإن كان الثاني وقلنا بجواز عطف الإنشاء على الإخبار مطلقاً كما ذهب إليه الصفار أو قلنا : بجواز عطف القصة على القصة أعني عطف حاصل مضمون إحدى الجملتين على حاصل مضمون الأخرى من غير نظر إلى اللفظ كما أشار إلى ذلك العلامة الثاني فالأمر أيضاً ظاهر ، وإن قلنا : بعدم جواز ذلك كما ذهب إليه الجمهور فلا بد من التأويل إما في جانب المعطوف عليه أو في جانب المعطوف ، والذاهبون إلى الأول قالوا : إن الجملة الأولى وإن كانت خبرية صورة لكن المقصود منها إنشاء التوكل أو الكفاية لا الإخبار بأنه تعالى كاف في نفس الأمر ، والذاهبون إلى الثاني اختلفوا فمنهم من قدر قلنا أي وقلنا نعم الوكيل .

واعترض بأنه تقدير لا ينساق الذهن إليه ولا دلالة للقرينة عليه مع أنه لا يوجد بين الإخبار بأن الله تعالى كافيهم والإخبار بأنهم قالوا نعم الوكيل مناسبة معتد بها يحسن بسببها العطف بينهما ، ومنهم من جعل مدخول الواو معطوفاً على ما قبله بتقدير المبتدأ إما مؤخراً لتناسب المعطوف عليه ، فإن حسبنا خبر ، والله مبتدأ بقرينة ذكره في المعطوف عليه ومجىء حذفه في الاستعمال وانتقال الذهن إليه ، وإما مقدماً رعاية لقرب المرجع مع ما سبق .

/ واعترض بأنه لا يخفى أنه بعد تقدير المبتدأ لو لم يؤل نعم الوكيل بمقول في حقه ذلك تكون الجملة أيضاً إنشائية إذ الجملة الإسمية التي خبرها إنشاء إنشائية كما أن التي خبرها فعل فعلية بحسب المعنى كيف لا ، ولا فرق بين نعم الرجل زيد ، وزيد نعم الرجل في أن مدلول كل منهما نسبة غير محتملة للصدق والكذب ، وبعد التأويل لا يكون المعطوف جملة نعم الوكيل بل جملة متعلق خبرها نعم الوكيل والإشكال إنما هو في عطف نعم الوكيل إلا أن يقال يختار هدّا ، ويقال : الجواب عن شيء قد يكون بتقرير ذلك الشيء وإبداء شيء آخر وقد يكون بتغيير ذلك الشيء ، وما ههنا من الثاني فمن حيث الظاهر المعطوف هو جملة نعم الوكيل فيعود الإشكال ، ومن حيث الحقيقة هو جملة هو مقول فلا إشكال لكن يرد أنه بعد التأويل يفوت إنشاء المدح العام الذي وضع أفعال المدح له بل يصير للإخبار بالمدح الخاص ، وهو أنه مقول في حقه نعم الوكيل وأيضاً مقولية المقول المذكور فيه إنما تكون بطريق الحمل والإخبار عنه بنعم الوكيل فلا بدّ من تقدير مقول في حقه مرة أخرى ، ويلزم تقديرات غير متناهية وكأنه لهذا لم يؤول الجمهور الإنشاء الواقع خبراً بذلك وإنما هو مختار السعد رحمه الله تعالى ، وقد جوز بعضهم على تقدير كون الواو من المحكي عطف نعم الوكيل على حسبنا باعتبار كونه في معنى الفعل كما عطف { جَعَلَ } على { فَالِقُ } في قوله تعالى :

{ فَالِقُ الإصباح وَجَعَلَ اليل سَكَناً } [ الأنعام : 96 ] على رأي فحينئذٍ يكون من عطف الجملة التي لها محل من الإعراب على المفرد لأنه إذ ذاك خبر عن المفرد ، وبعض المحققين يجوزون ذلك لا من عطف الإنشاء على الإخبار وهذا وإن كان في الحقيقة لا غبار عليه إلا أن أمر العطف على الخبر بناءاً على ما ذكره الشيخ الرضي من أن نعم الرجل بمعنى المفرد وتقديره أي رجل جيد أظهر كما لا يخفى ، ومن الناس من ادعى أن الآية شاهد على جواز عطف الإنشاء على الإخبار فيما له محل من الإعراب بناءاً على أن الواو من الحكاية لا غير .

ولا يخفى عليك أنه بعد تسليم كون الواو كذلك فيها لا تصلح شاهداً على ما ذكر لجواز أن يكون قالوا مقدراً في المعطوف بقرينة ذكره في المعطوف عليه فيكون من عطف الجملة الفعلية الخبرية ، على الجملة الفعلية الخبرية ، ثم إن الظاهر كما يقتضي أن يكون في الآية عطف على الإخبار وفيه الخلاف الذي عرفت كذلك يقتضي عطف الفعلية على الاسمية وفيه أيضاً خلاف مشهور كعكسه ومما ذكرنا في أمر الإنشاء والإخبار يستخرج الجواب عن ذلك ، وقد أطال العلماء الكلام في هذا المقام ، وما ذكرناه قليل من كثير ووشل من غدير ، ثم إن هذه الكلمة كانت آخر قول إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار كما أخرجه البخاري في «الأسماء والصفات » عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعبد الرزاق وغيره عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما . وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا : ( حسبنا الله ونعم الوكيل ) " ، وأخرج ابن أبي الدنيا عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتد غمه مسح بيده على رأسه ولحيته ثم تنفس الصعداء وقال : حسبي الله ونعم الوكيل . وأخرج أبو نعيم عن شداد بن أوس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حسبي الله ونعم الوكيل ، أمان كل خائف " .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ الذين قَالَ لَهُمُ الناس } المنكرون قبل الوصول إلى المشاهدة { إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ } وتحشدوا للإنكار عليكم { فاخشوهم } واتركوا ما أنتم عليه { فَزَادَهُمُ } ذلك القول { إيمانا } أي يقيناً وتوحيداً بنفي الغير وعدم المبالاة به وتوصلوا بنفي ما سوى الله تعالى إلى إثباته { وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله } فشاهدوه ثم رجعوا إلى تفاصيل الصفات بالاستقامة { وقالوا } { نِعْمَ الوكيل } [ آل عمران : 173 ]