قوله تعالى : { وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين }
اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات الكفار ثم بين بالدليل صحة نبوة محمد عليه الصلاة والسلام بين أن بعد زوال الشبهة وظهور الحجة لا ينبغي أن يلتفت العاقل إلى كلمات الجهال ، ولا ينبغي أن يتشوش بسبب كلماتهم الفاسدة فقال : { وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله } وهذا يدل على أن أكثر أهل الأرض كانوا ضلالا ، لأن الإضلال لا بد وأن يكون مسبوقا بالضلال . واعلم أن حصول هذا الضلال والإضلال لا يخرج عن أحد أمور ثلاثة : أولها : المباحث المتعلقة بالإلهيات فإن الحق فيها واحد ، وأما الباطل ففيه كثرة ، ومنها القول بالشرك إما كما تقوله الزنادقة وهو الذي أخبر الله عنه في قوله : { وجعلوا لله شركاء الجن } وإما كما يقوله عبدة الكواكب . وإما كما يقوله عبدة الأصنام ، وثانيها : المباحث المتعلقة بالنبوات . إما كما يقوله من ينكر النبوة مطلقا أو كما يقوله من ينكر النشر . أو كما يقوله من ينكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم . ويدخل في هذا الباب المباحث المتعلقة بالمعاد . وثالثها : المباحث المتعلقة بالأحكام ، وهي كثيرة ، فإن الكفار كانوا يحرمون البحائر والسوائب والوصائل ويحللون الميتة ، فقال تعالى : { وإن تطع أكثر من في الأرض } فيما يعتقدونه من الحكم على الباطل بأنه حق ، وعلى الحق بأنه باطل يضلوك عن سبيل الله ، أي عن الطريق والمنهج الصدق .
ثم قال : { إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : المراد أن هؤلاء الكفار الذين ينازعونك في دينك ومذهبك غير قاطعين بصحة مذاهبهم ، بل لا يتبعون إلا الظن وهم خراصون كذابون في ادعاء القطع وكثير من المفسرين يقولون : المراد من ذلك الظن رجوعهم في إثبات مذاهبهم إلى تقليد أسلافهم لا إلى تعليل أصلا .
المسألة الثانية : تمسك نفاة القياس بهذه الآية . فقالوا رأينا أن الله تعالى بالغ في ذم الكفار في كثير من آيات القرآن بسبب كونهم متبعين للظن ، والشيء الذي يجعله الله تعالى موجبا لذم الكفار لا بد وأن يكون في أقصى مراتب الذم ، والعمل بالقياس يوجب اتباع الظن ، فوجب كونه مذموما محرما ، لا يقال لما ورد الدليل القاطع بكونه حجة كان العمل به عملا بدليل مقطوع لا بدليل مظنون لأنا نقول هذا مدفوع من وجود : الأول : أن ذلك الدليل القاطع إما أن يكون عقليا ، وإما أن يكون سمعيا ، والأول باطل لأن العقل لا مجال له في أن العمل بالقياس جائز أو غير جائز ، لا سيما عند من ينكر تحسين العقل وتقبيحه . والثاني : أيضا باطل لأن الدليل السمعي إنما يكون قاطعا لو كان متواترا وكانت ألفاظه غير محتملة لوجه آخر سوى هذا المعنى الواحد ، ولو حصل مثل هذا الدليل لعلم الناس بالضرورة كون القياس حجة ، ولارتفع الخلاف فيه بين الأمة ، فحيث لم يوجد ذلك علمنا أن الدليل القاطع على صحة القياس مفقود . الثاني : هب أنه وجد الدليل القاطع على أن القياس حجة ، إلا أن مع ذلك لا يتم العمل بالقياس إلا مع اتباع الظن وبيانه أن التمسك بالقياس مبني على مقامين : الأول : أن الحكم في محل الوفاق معلل بكذا . والثاني : أن ذلك المعنى حاصل في محل الخلاف ، فهذان المقامان إن كانا معلومين على سبيل القطع واليقين فهذا ما لا خلاف فيه بين العقلاء في صحته وإن كان مجموعهما أو كان أحدهما ظنيا فحينئذ لا يتم العمل بهذا القياس إلا بمتابعة الظن ، وحينئذ يندرج تحت النص الدال على أن متابعة الظن مذمومة .
والجواب : لم لا يجوز أن يقال : الظن عبارة عن الاعتقاد الراجح إذا لم يستند إلى أمارة وهو مثل اعتقاد الكفار أما إذا كان الاعتقاد الراجح مستندا إلى أمارة ، فهذا الاعتقاد لا يسمى ظنا . وبهذا الطريق سقط هذا الاستدلال .
ثم قال تعالى : { إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : في تفسيره قولان : الأول : أن يكون المراد أنك بعد ما عرفت أن الحق ما هو ، وأن الباطل ما هو ، فلا تكن في قيدهم بل فوض أمرهم إلى خالقهم ، لأنه تعالى عالم بأن المهتدي من هو ؟ والضال من هو ؟ فيجازي كل واحد بما يليق بعمله . والثاني : أن يكون المراد أن هؤلاء الكفار وإن أظهروا من أنفسهم ادعاء الجزم واليقين فهم كاذبون ، والله تعالى عالم بأحوال قلوبهم وبواطنهم ، ومطلع على كونهم متحيرين في سبيل الضلال تائهين في أودية الجهل .
وإلى جانب تقرير أن " الحق " هو ما تضمنه الكتاب الذي أنزله الله ، يقرر أن ما يقرره البشر وما يرونه إن هو إلا اتباع الظن الذي لا يقين فيه ؛ واتباعه لا ينتهي إلا الى الضلال . وأن البشر لا يقولون الحق ولا يشيرون به إلا إذا أخذوه من ذلك المصدر الوحيد المستيقن ؛ ويحذر الرسول [ ص ] أن يطيع الناس في شيء يشيرون به عليه من عند أنفسهم ؛ مهما بلغت كثرتهم ؛ فالجاهلية هي الجاهلية مهما كثر أتباعها الضالون :
( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله . إن يتبعون إلا الظن ، وإن هم إلا يخرصون ) . .
ولقد كان أكثر من في الأرض - كما هو الحال اليوم بالضبط - من أهل الجاهلية . . لم يكونوا يجعلون الله هو الحكم في أمرهم كله ، ولم يكونوا يجعلون شريعة الله التي في كتابه هي قانونهم كله . ولم يكونوا يستمدون تصوراتهم وأفكارهم ، ومناهج تفكيرهم ومناهج حياتهم من هدى الله وتوجيهه . . ومن ثم كانوا - كما هو الحال اليوم - في ضلالة الجاهلية ؛ لا يملكون أن يشيروا برأي ولا بقول ولا بحكم يستند على الحق ويستمد منه ؛ ولا يقودون من يطيعهم ويتبعهم إلا الى الضلال . . كانوا - كما هم اليوم - يتركون العلم المستيقن ويتبعون الظن والحدس . . والظن والحدس لا ينتهيان إلا الى الضلال . . وكذلك حذر الله رسوله من طاعتهم واتباعهم كي لا يضلوا عن سبيل الله . . هكذا على وجه الإجمال . وإن كانت المناسبة الحاضرة حينذاك كانت هي مناسبة تحريم بعض الذبائح وتحليل بعضها كما سيجيء في السياق . .
«ثم إنه تعالى على ما ذكر الإمام لما أجاب عن سبهات الكفار وبين بالدليل صحة النبوة أرشد إلى أنه بعد زوال الشبهة وظهور الحجة لا ينبغي أن يلتفت العاقل إلى كلمات الجهال فقال سبحانه :
{ وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الارض يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ الله } وقال شيخ الإسلام : إنه لما تحقق اختصاصه تعالى بالحكمية لاستقلاله بما يوجب ذلك من إنزال الكتاب ( الكامل ) الفاصل بين الحق والباطل وتمام صدق كلامه وكمال عدله في أحكامه وامتناع وجود من يبدل شيئاً منها واستبداده سبحانه بالإحاطة التامة بجميع الموسوعات والمعلومات عقب ذلك ببيان أن الكفرة متصفون بنقائض تلك الكمالات من النقائص التي هي الضلال والإضلال واتباع الظنون الفاسدة الناشىء من الجهل والكذب على الله تعالى إبانة لكمال مباينة حالهم لما يرومونه وتحذيراً عن الركون إليهم والعمل بآرائهم فقال سبحانه ما قال . ويحتمل أن يكون هذا من باب الإرشاد إلى اتباع القرآن والتمسك به بعد بيان كماله على أكمل وجه خطاب له صلى الله عليه وسلم ولأمته .
وقيل : خوطب عليه الصلاة والسلام وأريد غيره . والمراد بمن في الأرض الناس وبأكثرهم الكفار وقيل : ما يعمهم وغيرهم من الجهال واتباع الهوى . وقيل : أهل مكة والأرض أرضها وأكثر أهلها كانوا حينئذ كفاراً . ومن الناس من زعم أن هذا نهى في المعنى عن متابعة غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذ هم والكرام قليل أقل الناس عدداً . وقد قال سبحانه : { فَبِهُدَاهُمُ اقتده } [ الأنعام : 90 ] وهو كما ترى . ومثله احتمال أنه نهى عن متابعة غير الله سبحانه لأنه لو أطيع أكثر من في الأرض لأضلوا فضلاً عن إطاعة قليل أو واحد منهم . والمعنى إن تطع أحداً من الكفار بمخالفة ما شرع لك وأودعه كلماته المنزلة من عنده إليك يضلوك عن الحق أو إن تطع الكفار بأن جعلت منهم حكما يضلوك عن الطريق الموصل إليه أو عن الشريعة التي شرعها لعباده .
{ إِن يَتَّبِعُونَ } أي ما يتبعون فيما هم عليه من الشرك والضلال { إِلاَّ الظن } وإن الظن فيما يتعلق بالله تعالى لا يغني من الحق شيئاً ولا يكفي هناك إلا العلم وأنى لهم به ، وهذا بخلاف سائر الأحكام وأسبابها مثلاً فإنه لا يشترط فيها العلم وإلا لفات معظم المصالح الدنيوية والأخروية ، «والفرق بينهما على ما قاله العز بن عبد السلام في «قواعده الكبرى » أن الظان مجوز لخلاف مظنونه فإذا ظن صفة من صفات الإله عز شأنه فإنه يجوز نقيضها وهو نقص ولا يجوز ( تجويز ) النقص عليه سبحانه ( لأن الظن لا يمنع من تجويز نقيض المظنون ) بخلاف الأحكام فإنه لو ظن الحلال حراماً أو الحرام حلالاً لم يكن في ذلك تجويز نقص على الرب جل شأنه لأنه سبحانه لو أحل الحرام وحرم الحلال لم يكن ذلك نقصاً عليه عز وجل فدار تجويزه بين أمرين كل ( واحد ) منهما كمال بخلاف الصفات » .
وقال غير واحد : المراد ما يتبعون إلا ظنهم أن آباءهم كانوا على الحق وجهالاتهم وآراءهم الباطلة ، ويراد من الظن ما يقابل العلم أي الجهل فليس في الآية دليل على عدم جواز العمل بالظن مطلقاً فلا متمسك لنفاة القياس بها ، والإمام بعد أن قرر وجه استدلالهم قال : «والجواب لم لا يجوز أن يقال : الظن عبارة عن الاعتقاد الراجح إذا لم يستند إلى أمارة وهو مثل ( ظن ) الكفار أما إذا كان الاعتقاد الراجح مستنداً إليها فلا يسمى ظناً » وهو كما ترى .
{ وَإِنْ هُمْ } أي وما هم { إِلاَّ يَخْرُصُونَ } أي يكذبون . وأصل الخرص القول بالظن وقول من لا يستيقن ويتحقق كما قال الأزهري ، ومنه خرص النخل خرصاً بفتح الخاء وهي خرص بالكسر أي مخروصة ، والمراد أن شأن هؤلاء الكذب وهم مستمرون على تجدده منهم مرة بعد مرة مع ما هم عليه من اتباع الظن في شأن خالقهم عز شأنه وقال الإمام : «المراد أن هؤلاء الكفار الذين ينازعونك في دينك ومذهبك غير قاطعين بصحة مذاهبهم بل لا يتبعون إلا الظن وهم خراصون كاذبون في ادعاء القطع » ؛ ولا يخفى بعد تقييد الكذب بادعاء القطع . وقال غير واحد : المراد أنهم يكذبون على الله تعالى فيما ينسبون إليه جل شأنه كاتخاذ الولد وجعل عبادة الأوثان ذريعة إليه سبحانه وتحليل الميتة و ( تحريم ) البحائر ونظير ذلك . ولعل ما ذهبنا إليه أولى وأبلغ في الذم ، ويحتمل أن يكون المراد أن هؤلاء الكفار يتبعون في أمور دينهم ظن أسلافهم وأن شأنهم أنفسهم الظن أيضاً ، وحاصل ذلك ذمهم بفسادهم وفساد أصولهم إلا أن ذلك بعيد جداً .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الارض } أي من الجهة السفلية بالركون إلى الدنيا وعالم النفس والطبيعة { يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ الله } لأنهم لا يدعون إلا للشهوات المبعدة عن الله تعالى { إِن يَتَّبِعُونَ } أي ما يتبعون لكونهم محجوبين في مقام النفس بالأوهام والخيالات { إِلاَّ الظن وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } [ الأنعام : 116 ] بقياس الغائب على الشاهد