مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{قُتِلَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَآ أَكۡفَرَهُۥ} (17)

قوله تعالى : { قتل الإنسان ما أكفره } فيه مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بدأ بذكر القصة المشتملة على ترفع صناديد قريش على فقراء المسلمين ، عجب عباده المؤمنين من ذلك ، فكأنه قيل : وأي سبب في هذا العجب والترفع مع أن أوله نطفة قذرة وآخره جيفة مذرة ، وفيها بين الوقتين حمال عذرة ، فلا جرم ذكر تعالى ما يصلح أن يكون علاجا لعجبهم ، وما يصلح أن يكون علاجا لكفرهم ، فإن خلقة الإنسان تصلح لأن يستدل بها على وجود الصانع ، ولأن يستدل بها على القول بالبعث والحشر والنشر .

المسألة الثانية : قال المفسرون : نزلت الآية في عتبة بن أبي لهب ، وقال آخرون : المراد بالإنسان الذين أقبل الرسول عليهم وترك ابن أم مكتوم بسببهم ، وقال آخرون : بل المراد ذم كل غني ترفع على فقير بسبب الغنى والفقر ، والذي يدل على ذلك وجوه ( أحدها ) : أنه تعالى ذمهم لترفعهم فوجب أن يعم الحكم بسبب عموم العلة ( وثانيها ) : أنه تعالى زيف طريقتهم بسبب حقارة حال الإنسان في الابتداء والانتهاء على ما قال : { من نطفة خلقه } { ثم أماته فأقبره } وعموم هذا الزجر يقتضي عموم الحكم ( وثالثها ) : وهو أن حمل اللفظ على هذا الوجه أكثر فائدة ، واللفظ محتمل له فوجب حمله عليه .

المسألة الثالثة : قوله تعالى : { قتل الإنسان } دعاء عليه وهي من أشنع دعواتهم ، لأن القتل غاية شدائد الدنيا وما أكفره تعجب من إفراطه في كفران نعمة الله ، فقوله : { قتل الإنسان } تنبيه على أنهم استحقوا أعظم أنواع العقاب ، وقوله : { ما أكفره } تنبيه على أنواع القبائح والمنكرات ، فإن قيل الدعاء على الإنسان إنما يليق بالعاجز والقادر على الكل كيف يليق به ذاك ؟ والتعجب أيضا إنما يليق بالجاهل بسبب الشيء ، فالعالم بالكل كيف يليق به ذاك ؟ ( الجواب ) : أن ذلك ورد على أسلوب كلام العرب وتحقيقه ما ذكرنا أنه تعالى بين أنهم استحقوا أعظم أنواع العقاب لأجل أنهم أتوا بأعظم أنواع القبائح .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قُتِلَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَآ أَكۡفَرَهُۥ} (17)

وبعد تقرير تلك الحقيقة الكبيرة في ثنايا التعقيب على ذلك الحادث ، في المقطع الأول من السورة ، يعجب السياق في المقطع الثاني من أمر هذا الإنسان ، الذي يعرض عن الهدى ، ويستغني عن الإيمان ، ويستعلي على الدعوة إلى ربه . . يعجب من أمره وكفره ، وهو لا يذكر مصدر وجوده ، وأصل نشأته ، ولا يرى عناية الله به وهيمنته كذلك على كل مرحلة من مراحل نشأته في الأولى والآخرة ؛ ولا يؤدي ما عليه لخالقه وكافله ومحاسبه :

( قتل الإنسان ما أكفره ! من أي شيء خلقه ! من نطفة خلقه فقدره . ثم السبيل يسره . ثم أماته فأقبره . ثم إذا شاء أنشره . كلا ! لما يقض ما أمره ) . .

( قتل الإنسان ! ) . . فإنه ليستحق القتل على عجيب تصرفه . . فهي صيغة تفظيع وتقبيح وتشنيع لأمره . وإفادة أنه يرتكب ما يستوجب القتل لشناعته وبشاعته . .

ما أكفره ! . . ما أشد كفره وجحوده ونكرانه لمقتضيات نشأته وخلقته . ولو رعى هذه المقتضيات لشكر خالقه ، ولتواضع في دنياه ، ولذكر آخرته . .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قُتِلَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَآ أَكۡفَرَهُۥ} (17)

{ قُتِلَ الإنسان } دعاء عليه بأشنع الدعوات وأفظعها { مَا أَكْفَرَهُ } تعجيب من إفراطه في الكفران وبيان لاستحقاقه الدعاء عليه والمراد به إما من استغنى عن القرآن الكريم الذي ذكرت نعوته الجليلة الموجبة للإقبال عليه والإيمان به وإما الجنس باعتبار انتظامه له ولأمثاله من أفراده ورجح هذا بأن الآية نزلت على ما أخرج ابن المنذر عن عكرمة في عتبة بن أبي لهب غاضب أباه فأسلم ثم استصلحه أبوه وأعطاه مالاً وجهزه إلى الشام فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كافر برب النجم إذا هوى فقال صلى الله عليه وسلم : «اللهم ابعث عليه كلبك حتى يفترسه » فلما كان في أثناء الطريق ذكر الدعاء فجعل لمن معه ألف دينار أن أصبح حياً فجعلوه وسط الرفقة والمتاع حول فأقبل أسد إلى الرحال ووثب فإذا هو فوقه فمزقه فكان أبو يندبه ويبكي عليه ويقول ما قال محمد صلى الله عليه وسلم شيئاً قد إلا ان وسيأتي إن شاء الله تعالى خبر في هذه القصة أصول من هذا الخبر فلا تغفل ثم أن هذا كلام في غاية الإيجاز وقد قال جار الله لا ترى أسلوباً أغلظ منه ولا أدل على سخط ولا أبعد شوطاً في المذمة مع تقارب طرفيه ولا أجمع للأئمة على قصر متنه حيث اشتمل على ما سمعت من الدعاء مراداً به إذ لا يتصور منه تعالى لازمه وعلى التعجب المراد به لاستحالته عليه سبحانه التعجيب لكل سامع وقال الإمام أن الجملة الأولى تدل على استحقاقهم أعظم أنواع العقاب عرفاً والثانية تنبيه على أنهم اتصفوا بأعظم أنواع القبائح والمنكرات شرعاً ولم يسمع ذلك قبل نزول القرآن وما نسب إلى امرئ القيس من قوله :

يتمنى المرء في الصيف الشتا *** فإذا جاء الشتا أنكره

فهو لا يرضى بحال واحد *** قتل الإنسان ما أكفره

لا أصل له ومن له أدنى معرفة بكلام العرب لا يجهل أن قائل ذلك مولد أراد الاقتباس لا جاهلي وجوز بعضهم أن يكون قوله تعالى : { قُتِلَ الإنسان } خبراً عن أنه سيقتل الكفار بإنزال آية القتال وعبر بالماضي مبالغة في أنه سيتحقق ذلك وليس بشيء ونحوه ما قيل إن ما استفهامية أي أي شيء أكفره أي جعله كافراً بمعنى لا شيء يسوع له أن يكفر .