{ وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك به شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق } .
اعلم أن قوله : { وإذ بوأنا } أي واذكر حين جعلنا لإبراهيم مكان البيت مباءة ، أي مرجعا يرجع إليه للعمارة والعبادة ، وكان قد رفع البيت إلى السماء أيام الطوفان وكان من ياقوتة حمراء ، فأعلم الله تعالى إبراهيم عليه السلام مكانه بريح أرسلها فكشفت ما حوله فبناه على وضعه الأول ، وقيل أمر إبراهيم بأن يأتي موضع البيت فيبنى ، فانطلق فخفى عليه مكانه فبعث الله تعالى على قدر البيت الحرام في العرض والطول غمامة وفيها رأس يتكلم وله لسان وعينان فقال يا إبراهيم ابن علي قدري وحيالى فأخذ في البناء وذهبت السحابة ، وههنا سؤالات :
السؤال الأول : لا شك أن ( أن ) هي المفسرة فكيف يكون النهي عن الشرك والأمر بتطهير البيت تفسيرا للتبوئة الجواب : أنه سبحانه لما قال جعلنا البيت مرجعا لإبراهيم ، فكأنه قيل ما معنى كون البيت مرجعا له ، فأجيب عنه بأن معناه أن يكون بقلبه موحدا لرب البيت عن الشريك والنظير ، وبقالبه مشتغلا بتنظيف البيت عن الأوثان والأصنام .
السؤال الثاني : أن إبراهيم لما لم يشرك بالله فكيف قال أن لا تشرك بي الجواب : المعنى لا تجعل في العبادة لي شريكا ، ولا تشرك بي غرضا آخر في بناء البيت .
السؤال الثالث : البيت ما كان معمورا قبل ذلك فكيف قال وطهر بيتي الجواب : لعل ذلك المكان كان صحراء وكانوا يرمون إليها الأقذار ، فأمر إبراهيم ببناء البيت في ذلك المكان وتطهيره من الأقذار ، وكانت معمورة فكانوا قد وضعوا فيها أصناما فأمره الله تعالى بتخريب ذلك البناء ووضع بناء جديد وذلك هو التطهير عن الأوثان ، أو يقال المراد أنك بعد أن تبنيه فطهره عما لا ينبغي من الشرك وقول الزور .
وأما قوله : { للطائفين والقائمين } فقال ابن عباس رضي الله عنهما للطائفين بالبيت من غير أهل مكة { والقائمين } أي المقيمين بها { والركع السجود } أي من المصلين من الكل ، وقال آخرون القائمون وهم المصلون ، لأن المصلي لابد وأن يكون في صلاته جامعا بين القيام والركوع والسجود ، والله أعلم .
ثم يرجع إلى نشأة هذا البيت الحرام ، الذي يستبد به المشركون ، يعبدون فيه الأصنام ، ويمنعون منه الموحدين بالله ، المتطهرين من الشرك . . يرجع إلى نشأته على يد إبراهيم - عليه السلام - بتوجيه ربه وإرشاده . ويرجع إلى القاعدة التي أقيم عليها وهي قاعدة التوحيد . وإلى الغرض من إقامته وهو عبادة الله الواحد ، وتخصيصه للطائفين به والقائمين لله فيه :
( وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ألا تشرك بي شيئا ، وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود . وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ، ليشهدوا منافع لهم ، ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ، فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير . ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق . . )
فللتوحيد أقيم هذا البيت منذ أول لحظة . عرف الله مكانه لإبراهيم - عليه السلام - وملكه أمره ليقيمه على هذا الأساس : ألا تشرك بي شيئا فهو بيت الله وحده دون سواه . وليطهره به من الحجيج ، والقائمين فيه للصلاة : ( وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود )فهؤلاء هم الذين أنشى ء البيت لهم ، لا لمن يشركون بالله ، ويتوجهون بالعبادة إلى سواه .
{ وإذ بوأنا لإبراهيم } : أي أذكر يا رسولنا إذ بوأنا : أي أنزلنا إبراهيم بمكة مبينين له مكان البيت .
{ أن لا تشرك بي شيئاً } : أي ووصيناه بأن لا تشرك بي شيئاً من الشرك والشركاء .
{ وطهر بيتي } : ونظف بيتي من أقذار الشرك وأنجاس المشركين .
{ وأذن في الناس بالحج } : أعلن في الناس بأعلى صوتك .
قوله تعالى : { وإذ بوأنا لإبراهيم } أي اذكر يا رسولنا لقومك المنتسبين إلى إبراهيم باطلاً وزوراً حيث كان موحداً وهم مشركون اذكر لهم كيف بوأه ربُّه مكان البيت لِيَبْنِيه ويرفع بناءه وكيف عهد الله إليه ووصاه بأن يطهره من الأقذار الحسية كالنجاسات من دماء وأوساخ والمعنوية كالشرك والمعاصي وسائر الذنوب وذلك من أجل الطائفين به والقائمين في الصلاة والراكعين والساجدين فيه إذ الرُّكع جمع راكع والسجد جمع ساجد حتى لا يتأذوا بأي أذى معنوي أو حسيّ وهم حول بيت ربهم وفي بلده وحرمه ، ليذكر قومك هذا وهم قد نصبوا حول البيت التماثيل والأصنام ، ويحاربون كل من يقول لا إله إلا الله وقد صدوك وأصحابك في المسجد الحرام ومنعوك من الطواف بالبيت العتيق ، فأين يذهب بعقولهم عندما يدعون أنهم على دين إبراهيم وإسماعيل . هذا ما دل عليه قوله تعالى : { وإذ بوأنا لإِبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئاً وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود } .
- وجوب بناء البيت وإعلائه كلما سقط وتهدم ووجوب تطهيره من كل ما يؤذي الطائفين والعاكفين في المسجد الحرام من الشرك والمعاصي وسائر الذنوب ومن الأقذار كالأبوال والدماء ونحوها .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.