ثم حكى تعالى عن القوم ما لا يجوز أن يقع من المؤمن عند هذا الوعيد أحسن منه ، وهو قولهم لفرعون : { وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا } فبينوا أن الذي كان منهم لا يوجب الوعيد ولا إنزال النقمة بهم ، بل يقتضي خلاف ذلك ، وهو أن يتأسى بهم في الإقرار بالحق والاحتراز عن الباطل عند ظهور الحجة والدليل . يقال : نقمت أنقم إذا بالغت في كراهية الشيء ، وقد مر عند قوله : { قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا } قال ابن عباس : يريد ما أتينا بذنب تعذبنا عليه إلا أن آمنا بآيات ربنا . والمراد : ما أتى به موسى عليه السلام من المعجزات القاهرة التي لا يقدر على مثلها إلا الله تعالى .
ثم قالوا : { ربنا أفرغ علينا صبرا } معنى الإفراغ في اللغة الصب . يقال : درهم مفرغ إذا كان مصبوبا في قالبه وليس بمضروب ، وأصله من إفراغ الإناء وهو صب ما فيه حتى يخلو الإناء وهو من الفراغ ، فاستعمل في الصبر على التشبيه بحال إفراغ الإناء . قال مجاهد : المعنى صب علينا الصبر عند الصلب والقطع ، وفي الآية فوائد :
الفائدة الأولى : { أفرغ علينا صبرا } أكمل من قوله : أنزل علينا صبرا ، لأنا ذكرنا أن إفراغ الإناء هو صب ما فيه بالكلية ، فكأنهم طلبوا من الله كل الصبر لا بعضه .
والفائدة الثانية : أن قوله { صبرا } مذكور بصيغة التنكير ، وذلك يدل على الكمال والتمام ، أي صبرا كاملا تاما كقوله تعالى : { ولتجدنهم أحرص الناس على حياة } أي على حياة كاملة تامة .
والفائدة الثالثة : إن ذلك الصبر من قبلهم ومن أعمالهم ، ثم إنهم طلبوه من الله تعالى ، وذلك يدل على أن فعل العبد لا يحصل إلا بتخليق الله وقضائه . قال القاضي : إنما سألوه تعالى الألطاف التي تدعوهم إلى الثبات والصبر ، وذلك معلوم في الأدعية .
والجواب : هذا عدول عن الظاهر ، ثم الدليل يأباه ، وذلك لأن الفعل لا يحصل إلا عند حصول الداعية الجازمة وحصولها ليس إلا من قبل الله عز وجل ، فيكون الكل من الله تعالى .
وأما قوله : { وتوفنا مسلمين } فمعناه توفنا على الدين الحق الذي جاء به موسى عليه السلام وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : احتج أصحابنا على أن الإيمان والإسلام لا يحصل إلا بخلق الله تعالى ، ووجه الاستدلال به ظاهر . والمعتزلة يحملونه على فعل الألطاف والكلام عليه معلوم مما سبق .
المسألة الثانية : احتج القاضي بهذه الآية على أن الإيمان والإسلام واحد . فقال إنهم قالوا أولا { آمنا بآيات ربنا } ثم قالوا ثانيا : { وتوفنا مسلمين } فوجب أن يكون هذا الإسلام هو ذاك الإيمان ، وذلك يدل على أن أحدهما هو الآخر والله أعلم .
والذي يدرك طبيعة المعركة بينه وبين الطاغوت . . وأنها معركة العقيدة في الصميم . . لا يداهن ولا يناور . . ولا يرجو الصفح والعفو من عدو لن يقبل منه إلا ترك العقيدة ، لأنه إنما يحاربه ويطارده على العقيدة :
( وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ) . .
والذي يعرف أين يتجه في المعركة ، وإلى من يتجه ؛ لا يطلب من خصمه السلامة والعافية ، إنما يطلب من ربه الصبر على الفتنة والوفاة على الإسلام :
( ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين ) . .
ويقف الطغيان عاجزاً أمام الإيمان ، وأمام الوعي ، وأمام الاطمئنان . . يقف الطغيان عاجزاً أمام القلوب التي خيل إليه أنه يملك الولاية عليها كما يملك الولاية على الرقاب ! ويملك التصرف فيها كما يملك التصرف في الأجسام . فإذا هي مستعصية عليه ، لأنها من أمر الله ، لا يملك أمرها إلا الله . . وماذا يملك الطغيان إذارغبت القلوب في جوار الله ؟ وماذا يملك الجبروت إذا اعتصمت القلوب بالله ؟ وماذا يملك السلطان إذا رغبت القلوب عما يملك السلطان !
إنه موقف من المواقف الحاسمة في تاريخ البشرية . هذا الذي كان بين فرعون وملئه ، والمؤمنين من السحرة . . السابقين . .
إنه موقف حاسم في تاريخ البشرية . بانتصار العقيدة على الحياة . وانتصار العزيمة على الألم . وانتصار " الإنسان " على " الشيطان " !
إنه موقف حاسم في تاريخ البشرية . بإعلان ميلاد الحرية الحقيقية . فما الحرية إلا الاستعلاء بالعقيدة على جبروت المتجبرين وطغيان الطغاة . والاستهانة بالقوة المادية التي تملك أن تتسلط على الأجسام والرقاب وتعجز عن استذلال القلوب والأرواح . ومتى عجزت القوة المادية عن استذلال القلوب فقد ولدت الحرية الحقيقية في هذه القلوب .
إنه موقف حاسم في تاريخ البشرية بإعلان إفلاس المادية ! فهذه القلة التي كانت منذ لحظة تسأل فرعون الأجر على الفوز ، وتمنى بالقرب من السلطان . . هي ذاتها التي تستعلي على فرعون ؛ وتستهين بالتهديد والوعيد ، وتُقبل صابرة محتسبة على التنكيل والتصليب . وما تغير في حياتها شيء ، ولا تغير من حولها شيء - في عالم المادة - إنما وقعت اللمسة الخفية التي تسلك الكوكب المفرد في الدورة الكبرى . وتجمع الذرة التائهة إلى المحور الثابت ، وتصل الفرد الفاني بقوة الأزل والأبد . . وقعت اللمسة التي تحوّل الإبرة ، فيلتقط القلب إيقاعات القدرة ، ويتسمع الضمير أصداء الهداية ، وتتلقى البصيرة إشراقات النور . . وقعت اللمسة التي لا تنتظر أي تغيير في الواقع المادي ؛ ولكنها هي تغير الواقع المادي ؛ وترفع " الإنسان " في عالم الواقع إلى الآفاق التي لم يكن يطمح إليها الخيال !
ويذهب التهديد . . ويتلاشى الوعيد . . ويمضي الإيمان في طريقه . لا يتلفت ، ولا يتردد ، ولا يحيد ! ويسدل السياق القرآني الستار على المشهد عند هذا الحد ولا يزيد . . إن روعة الموقف تبلغ ذروتها ؛ وتنتهي إلى غايتها . وعندئذ يتلاقى الجمال الفني في العرض ؛ مع الهدف النفسي للقصة ، على طريقة القرآن في مخاطبة الوجدان الإيماني بلغة الجمال الفني ، في تناسق لا يبلغه إلا القرآن .
{ وما تنقم منا } : أي وما تكره منا وتنكر علينا إلا إيماننا بآيات ربنا لما جاءتنا .
{ أفرغ علينا صبراً } : أي افض علينا صبراً قوياً حتى نثبت على ما توعدنا فرعون من العذاب ولا نرتد بعد إيماننا .
وشيء آخر هو أنك { ما تنقم منا } يا فرعون أي ما تكره منا ولا تنكر شيء لا مذمة فيه علينا ، ولا عاراً يلحقنا ، فلذا { اقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا } . ثم أقبلوا على الله ورفعوا أيديهم إليه وقالوا ضارعين سائلين { ربنا أفرغ علينا صبراً } حتى نتحمل العذاب في ذاتك { وتوفنا مسلمين } ، ونفذ فرعون جريمته ولكن أحدث ذلك اضطراباً في البلاد ولم يكن فرعون ولا ملأه يتوقعون دل عليه الآيات التالية .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.