{ وتؤمنون } استئناف ، كأنهم قالوا : كيف نعمل ؟ فقال : { تؤمنون بالله ورسوله } وهو خبر في معنى الأمر ، ولهذا أجيب بقوله : { يغفر لكم } وقوله تعالى : { وتجاهدون في سبيل الله } والجهاد بعد هذين الوجهين ثلاثة ، جهاد فيما بينه وبين نفسه ، وهو قهر النفس ، ومنعها عن اللذات والشهوات ، وجهاد فيما بينه وبين الخلق ، وهو أن يدع الطمع منهم ، ويشفق عليهم ويرحمهم وجهاد فيما بينه بين الدنيا وهو أن يتخذها زادا لمعاده فتكون على خمسة أوجه ، وقوله تعالى : { ذلكم خير لكم } يعني الذي أمرتم به من الإيمان بالله تعالى والجهاد في سبيله خير لكم من أن تتبعوا أهواءكم { إن كنتم تعلمون } أي إن كنتم تنتفعون بما علمتم فهو خير لكم ، وفي الآية مباحث :
الأول : لم قال : { تؤمنون } بلفظ الخبر ؟ نقول : للإيذان بوجوب الامتثال ، عن ابن عباس قالوا : لو نعلم أحب الأعمال إلى الله تعالى لعملنا ، فنزلت هذه الآية ، فمكثوا ما شاء الله يقولون : يا ليتنا نعلم ما هي ؟ فدلهم الله عليها بقوله : { تؤمنون بالله } .
الثاني : ما معنى : { إن كنتم تعلمون } نقول : { إن كنتم تعلمون } أنه خير لكم كان خيرا لكم ، وهذه الوجوه للكشاف ، وأما الغير فقال : الخوف من نفس العذاب لا من العذاب الأليم ، إذ العذاب الأليم هو نفس العذاب مع غيره ، والخوف من اللوازم كقوله تعالى : { وخافون إن كنتم مؤمنين } ومنها أن الأمر بالإيمان كيف هو بعد قوله : { يا أيها الذين آمنوا } فنقول : يمكن أن يكون المراد من هذه الآية المنافقين ، وهم الذين آمنوا في الظاهر ، ويمكن أن يكون أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى فإنهم آمنوا بالكتب المتقدمة فكأنه قال : يا أيها الذين آمنوا بالكتب المتقدمة آمنوا بالله وبمحمد رسول الله ، ويمكن أن يكون أهل الإيمان كقوله : { فزادتهم إيمانا } ، { ليزدادوا إيمانا } وهو الأمر بالثبات كقوله : { يثبت الله الذين آمنوا } وهو الأمر بالتجدد كقوله : { يأيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله } وفي قوله صلى الله عليه وسلم : «من جدد وضوءه فكأنما جدد إيمانه » ، ( ومنها ) أن رجاء النجاة كيف هو إذا آمن بالله ورسوله ، ولم يجاهد في سبيل الله ، وقد علق بالمجموع ، ومنها أن هذا المجموع وهو الإيمان بالله ورسوله والجهاد بالنفس والمال في سبيل الله خبر في نفس الأمر .
ثم يجيء الجواب وقد ترقبته القلوب والأسماع : ( تؤمنون بالله ورسوله ) . . وهم مؤمنون بالله ورسوله . فتشرق قلوبهم عند سماع شطر الجواب هذا المتحقق فيهم ! ( وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ) . . وهو الموضوع الرئيسي الذي تعالجه السورة ، يجيء في هذا الأسلوب ، ويكرر هذا التكرار ، ويساق في هذا السياق . فقد علم الله أن النفس البشرية في حاجة إلى هذا التكرار ، وهذا التنويع ، وهذه الموحيات ، لتنهض بهذا التكليف الشاق ، الضروري الذي لا مفر منه لإقامة هذا المنهج وحراسته في الأرض . . . ثم يعقب على عرض هذه التجارة التي دلهم عليها بالتحسين والتزيين : ( ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) . . فعلم الحقيقة يقود من يعلم إلى ذلك الخير الأكيد . . ثم يفصل هذا الخير في آية تالية مستقلة ، لأن التفصيل بعد الإجمال يشوق القلب إليه ، ويقره في الحس ويمكن له :
11 -{ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } .
وكأن سائلا سأل فقال : وما هي تلك التجارات ؟ فكان الجواب هو : الإيمان بالله ورسوله ، أي شدة اليقين والتصديق ، وتأكيد الإيمان وتعميقه ، كم قال تعالى : يأيها الذين آمَنوا آمِنوا . . . ( النساء : 136 ) .
ثم قال تعالى : { وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ . . . }
وقدم الجهاد بالمال هنا على الجهاد بالنفس ، لأن الموضوع موضوع تجارة رابحة ، فقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس ، فالمال عصبُ الجهاد ، وبه تشترى الأسلحة والأطعمة للمجاهدين ، وينفق به عليهم ، وعلى الاستخبارات عن العدوّ ، وعلى الاستحكامات الحربية .
وبعد الجهاد بالمال يأتي الجهاد بالنفس ، ويشمل ذلك القتال والتطوع للفداء ، وتفجير المجاهد نفسه في ممتلكات العدوّ وأفراده ، وسائر أدوات نصر المسلمين ، والنيل من أعدائهم .
{ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } .
أي : هذا الأمر – وهو الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس – خير لكم على الإطلاق من أموالكم وأنفسكم .
وفي معنى الآية قوله تعالى : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة . . . ( التوبة : 111 ) .
لكنه قدّم النفس على المال في سورة التوبة ، حيث الموضوع موضوع شراء فقدم النفس على المال ، أما هنا في سورة الصف فقد كان للموضوع موضوع تجارة ، والتجارة يقدم فيها المال على النفس هكذا يقول بعض المفسرين ، ويمكن أن نضيف إلى ذلك أن الموضوع موضوع تنويع وتشويق من القرآن الكريم ، وأن القرآن لوّن في أساليب البيان ، فأحيانا يقدم النفس على المال ، وأحيانا يقدّم المال على النفس ، من باب التنويع والتغيير ، والله أعلم .
وقوله تعالى : { تُؤْمنُونَ بالله وَرَسُوله وتجاهدون في سَبيل الله بأَمْوَالكُمْ وَأَنْفُسكُمْ } استئناف بياني كأنه قيل : ما هذه التجارة ؟ دلنا عليها : فقيل : { تؤمنون } الخ ، والمضارع في الموضعين كما قال المبرد . وجماعة خبر بمعنى الأمر أي آمنوا وجاهدوا ، ويؤيده قراءة عبد الله كذلك ، والتعبير به للإيذان بوجوب الامتثال كأن الإيمان والجهاد قد وقعا فأخبر بوقوعهما ، والخطاب إذا كان للمؤمنين الخلص فالمراد تثبتون وتدومون على الإيمان أو تجمعون بين الإيمان والجهاد أي بين تكميل النفس وتكميل الغير وإن كان للمؤمنين ظاهراً فالمراد تخلصون الإيمان ، وأياً ما كان فلا إشكال في الأمر ، وقال الأخفش : { تؤمنون } الخ عطف بيان على { تجارة } ، وتعقب بأنه لا يتخيل إلا على تقدير أن يكون الأصل أن تؤمنوا حتى يتقدر بمصدر ، ثم حذف أن فارتفع الفعل كما في قوله
: ألا أيهذا الزاجري احضر الوغى *** يريد أن احضر فلما حذف أن ارتفع الفعل وهو قليل ، وقال ابن عطية : { تؤمنون } فعل مرفوع بتقدير ذلك أنه تؤمنون ، وفيه حذف المبتدأ وأن واسمها وإبقاء خبرها ، وذلك على ما قال أبو حيان : لا يجوز ، وقرأ زيد بن علي تؤمنوا وتجاهدوا بحذف نون الرفع فيهما على إضمار لام الأمر أي لتؤمنوا وتجاهدوا ، أو لتجاهدوا كما في قوله
: قلت لبواب على بابها *** تأذن لنا إني من أحمائها
: محمد تفد نفسك كل نفس *** إذا ما خفت من أمر تبالا
وجوز الاستئناف ، والنون حذفت تخفيفاً كما في قراءة ( ساحران يظاهرا ) وقوله
: ونقري ما شئت أن تنقري *** قد رفع الفخ فماذا تحذري
: أبيت أسري وتبيتي تدلكي *** وجهك بالعنبر والمسك الذكي
وأنت تعلم أن الحذف شاذ { ذلكم } أي ما ذكر من الإيمان والجهاد { خَيْرٌ لَكُمْ } على الإطلاق أو من أموالكم وأنفسكم { إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } أي إن كنتم من أهل العلم إذ الجهلة لا يعتدّ بأفعالهم حتى توصف بالخيرية ، وقيل : أي إن كنتم تعلمون أنه خير لكم كان خيراً لكم حينئذ لأنكم إذا علمتم ذلك واعتقدتم أحببتم الإيمان والجهاد فوق ما تحبون أموالكم وأنفسكم فتخلصون وتفلحون .
وأتى بأداة العرض الدالة على أن هذا أمر يرغب فيه كل متبصر ، ويسمو إليه كل لبيب ، فكأنه قيل : ما هذه التجارة التي هذا قدرها ؟ فقال { تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ } .
ومن المعلوم أن الإيمان التام هو التصديق الجازم بما أمر الله بالتصديق به ، المستلزم لأعمال الجوارح ، ومن أجل أعمال الجوارح الجهاد في سبيل الله{[1081]} فلهذا قال : { وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ } بأن تبذلوا نفوسكم ومهجكم ، لمصادمة أعداء الإسلام ، والقصد نصر دين الله وإعلاء كلمته ، وتنفقون ما تيسر من أموالكم في ذلك المطلوب ، فإن ذلك ، ولو{[1082]} كان كريها للنفوس شاقا عليها ، فإنه { خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } فإن فيه الخير الدنيوي ، من النصر على الأعداء ، والعز المنافي للذل والرزق الواسع ، وسعة الصدر وانشراحه . وفي الآخرة الفوز{[1083]} بثواب الله والنجاة من عقابه ، ولهذا ذكر الجزاء في الآخرة ، فقال :