ثم إنه تعالى حكى سؤالهم الثالث وهو قوله تعالى : { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون } وههنا مسائل :
المسألة الأولى : قال الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( والذي نفس محمد بيده لو لم يقولوا إن شاء الله لحيل بينهم وبينها أبدا ) ، واعلم أن ذلك يدل على أن التلفظ بهذه الكلمة مندوب في كل عمل يراد تحصيله ، ولذلك قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله } وفيه استعانة بالله وتفويض الأمر إليه ، والاعتراف بقدرته ونفاذ مشيئته .
المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذا على أن الحوادث بأسرها مرادة لله تعالى فإن عند المعتزلة أن الله تعالى لما أمرهم بذلك فقد أراد اهتداءهم لا محالة ، وحينئذ لا يبقى لقولهم إن شاء الله فائدة . أما على قول أصحابنا فإنه قد يأمر بما لا يريد فحينئذ يبقى لقولنا إن شاء الله فائدة .
المسألة الثالثة : احتجت المعتزلة على أن مشيئة الله تعالى محدثة بقوله : { إن شاء الله } من وجهين : الأول : أن دخول كلمة «أن » عليه يقتضي الحدوث . والثاني : وهو أنه تعالى علق حصول الاهتداء على حصول مشيئة الاهتداء ، فلما لم يكن حصول الاهتداء أزليا وجب أن لا تكون مشيئة الاهتداء أزلية . ولنرجع إلى التفسير ، فأما قوله تعالى : { يبين لنا ما هي } ففيه السؤال المذكور وهو أن قولنا : ما هو طلب بيان الحقيقة ، والمذكور ههنا في الجواب الصفات العرضية المفارقة فكيف يكون هذا الجواب مطابقا للسؤال ؟ وقد تقدم جوابه .
أما قوله تعالى : { إن البقر تشابه علينا } فالمعنى أن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا أيها نذبح ، وقرئ تشابه بمعنى تتشابه بطرح التاء وإدغامها في الشين و [ قرئ ] تشابهت ومتشابهة ومتشابه .
أما قوله تعالى : { وإنا إن شاء الله لمهتدون } ففيه وجوه ذكرها القفال . ( أحدها ) : وإنا بمشيئة الله نهتدي للبقرة المأمور بذبحها عند تحصيلنا أوصافها التي بها تمتاز عما عداها . ( وثانيها ) : وإنا إن شاء الله تعريفها إيانا بالزيادة لنا في البيان نهتدي إليها . ( وثالثها ) : وإنا إن شاء الله على هدى في استقصائنا في السؤال عن أوصاف البقرة أي نرجوا أنا لسنا على ضلالة فيما نفعله من هذا البحث . ( ورابعها ) : إنا بمشيئة الله نهتدي للقاتل إذا وصفت لنا هذه البقرة بما به تمتاز هي عما سواها .
ولقد كان فيما تلكأوا كفاية ، ولكنهم يمضون في طريقهم ، يعقدون الأمور ، ويشددون على أنفسهم ، فيشدد الله عليهم . لقد عادوا مرة أخرى يسألون من الماهية :
( قالوا : ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ) .
ويعتذرون عن هذا السؤال وعن ذلك التلكؤ بأن الأمر مشكل :
وكأنما استشعروا لحاجتهم هذه المرة . فهم يقولون :
إن البقر : أي أن البقر الفاقع هو وسط بين الفارض والبكر .
تشابه علينا : لاشتراك كل البقر مع مثيلتها في الأوصاف المطلوبة ، فلا نستطيع أن نفرق بين البقر فيها ، حتى نحصل على البقرة المطلوبة .
وإنا إنشاء الله لمهتدون : إلى عينها لنذبحها ، يظهرون بقولهم هذا ، أنهم يريدون معرفة ما وقعت مشيئة الله عليه من هذا النوع من البقر ، بذكر وصف مميز للمطلوب .
70- قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون . كرروا سؤالهم الأول لطلب الاستكشاف الزائد بعد أن عرفوا سن البقرة ولونها ، فقالوا لموسى : سل من أجلنا ربك أن يزيد إيضاحا لحال البقرة التي أمرنا بذبحها حيث إن البقر الموصوف بالوصفين السابقين كثير ، فاشتبه علينا أيها نذبح ، وإنا إن شاء الله بعد هذا البيان منك لمهتدون إليها ومنفذون لما تكلفنا به .
وقولهم : وإنا إن شاء الله لمهتدون : فيه تخفيف لصورة عنادهم وإتيانهم بالمشيئة لتحسين الظن بهم .
وفي الحديث ( لو لم يستثنوا أي يقولون إن شاء الله لما بينت لهم صفتها إلى آخر الأبد ) ( 184 ) .
قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور ( وإنما لم يعتذروا في المرتين الأوليين واعتذروا في الثالثة لأن للثلاثة في التكرير وقعا من النفس في التأكيد والسآمة وغير ذلك ، ولذا كثر في أحوال البشر وشرائعهم التوقيت بالثلاثة . ) ( 185 ) .
وقولهم : لمهتدون . أي إلى مطلوب ذبحه منها أو إلى معرفة القاتل بسببها قال الطبري : ( وأما قوله تعالى : وإنا إن شاء الله لمهتدون . فإنهم عنوا وإنا الله لمبين لنا ما التبس علينا وتشابه من أمر البقرة التي أمرنا بذبحها ، ومعنى اعتدائهم في هذا الموضع تبينهم أن ذلك الذي لزمهم ذبحه مما سواه من أجناس البقر )( 186 ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.