مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلَا تُجَٰدِلۡ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخۡتَانُونَ أَنفُسَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمٗا} (107)

قال تعالى { لا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما }

والمراد بالذين يختانون أنفسهم طعمة ومن عاونه من قومه ممن علم كونه سارقا ، والاختيان كالخيانة يقال : خانه واختانه ، وذكرنا ذلك عند قوله تعالى : { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } وإنما قال تعالى لطعمة ولمن ذب عنهم : إنهم يختانون أنفسهم لأن من أقدم على المعصية فقد حرم نفسه الثواب وأوصلها إلى العقاب ، فكان ذلك منه خيانة مع نفسه ، ولهذا المعنى يقال لمن ظلم غيره : إنه ظلم نفسه .

واعلم أن في الآية تهديدا شديدا ، وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما مال طبعه قليلا إلى جانب طعمة ، وكان في علم الله أن طعمة كان فاسقا ، فالله تعلى عاتب رسوله على ذلك القدر من إعانة المذنب ، فكيف حال من يعلم من الظالم كونه ظالما ثم يعينه على ذلك الظلم ، بل يحمله عليه ويرغبه فيه أشد الترغيب .

ثم قال تعالى : { إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما } قال المفسرون : إن طعمة خان في الدرع ، وأثم في نسبة اليهودي إلى تلك السرقة فلا جرم قال الله تعالى : { إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما } .

فإن قيل : لم قال { خوانا أثيما } مع أن الصادر عنه خيانة واحدة وإثم واحد .

قلنا : علم الله تعالى أنه كان في طبع ذلك الرجل الخيانة الكثيرة والإثم الكثير ، فذكر اللفظ الدال على المبالغة بسبب ما كان في طبعه من الميل إلى ذلك ، ويدل عليه ما رويناه أنه بعد هذه الواقعة هرب إلى مكة وارتد ونقب حائط إنسان لأجل السرقة فسقط الحائط عليه ومات ، ومن كان خاتمته كذلك لم يشك في خيانته ، وأيضا طلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يدفع السرقة عنه ويلحقها باليهودي ، وهذا يبطل رسالة الرسول ، ومن حاول إبطال رسالة الرسول وأراد إظهار كذبه فقد كفر ، فلهذا المعنى وصفه الله بالمبالغة في الخيانة والإثم .

وقيل : إذا عثرت من رجل على سيئة ف اعلم أن لها أخوات . عن عمر رضي الله عنه أنه أمر بقطع يد سارق ، فجاءت أمة تبكي وتقول هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه ، فقال كذبت إن الله لا يؤاخذ عبده في أول الأمر ، واعلم أنه تعالى لما خص هذا الوعيد بمن كان عظيم الخيانة والإثم دل ذلك على أن من كان قليل الخيانة والإثم فهو خارج عنه ثم

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَا تُجَٰدِلۡ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخۡتَانُونَ أَنفُسَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمٗا} (107)

105

ثم تكرار هذا النهي ؛ ووصف هؤلاء الخائنين ، الذين جادل عنهم [ ص ] بأنهم يختانون أنفسهم . وتعليل ذلك بأن الله لا يحب من كان خوانا أثيمًا :

( ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم . إن الله لا يحب من كان خوانا أثيمًا ) .

وهم خانوا غيرهم في الظاهر . ولكنهم في الحقيقة خانوا أنفسهم . فقد خانوا الجماعة ومنهجها ، ومبادئها التي تميزها وتفردها . وخانوا الأمانة الملقاة على الجماعة كلها ، وهم منها . . ثم هم يختانون أنفسهم في صورة أخرى . صورة تعريض أنفسهم للإثم الذي يجازون عليه شر الجزاء . حيث يكرههم الله ، ويعاقبهم بما أثموا . وهي خيانة للنفس من غير شك . . وصورة ثالثة لخيانتهم لأنفسهم ، هي تلويث هذه الأنفس وتدنيسها بالمؤامرة والكذب والخيانة .

إن الله لا يحب من كان خوانا أثيمًا . .

وهذ عقوبة أكبر من كل عقوبة . . وهي تلقي إلى جانبها إيحاء آخر . فالذين لا يحبهم الله لا يجوز أن يجادل عنهم أحد ، ولا أن يحامي عنهم أحد . وقد كرههم الله للإثم والخيانة !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَا تُجَٰدِلۡ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخۡتَانُونَ أَنفُسَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمٗا} (107)

المفردات :

يختانون أنفسهم : يخونونها بالظلم والشر ؛ لأن وبال ذلك يعود عليها . .

التفسير :

107 _ وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ . . . الآية

أي تدافع . وتوحى هذه الآية بأن قوم طعمة بن أبيرق ، بيتوا أمرا يرا لتبرئة طعمة ، وإلصاق التهمة بيهودي برىء ، وهم بذلك قد خانوا غيرهم ؛ ولكن القرآن خعلهم خائنين لأنفسهم ؛ لا رتكابهم ما يشين هذه النفس ، وما يحط من شأنها عند الله .

أو خائنين لمبادئ الجماعة الإسلامية وقوانينها ؛ وهي القيام بالقسط والعدل وعلى نفس الإنسان أو الوالدين و الأقبين .

قال الزمخشري في تفسير الكشاف :

يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ يخونونها بالمعصية ، كقوله تعالى : عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ . ( البقرة : 187 ) .

جعلت معصية العصاة خيانة منهم لأنفسهم ، كما كما جعلت ظلما لها ؛ لأن الضرر راجع إليهم ، ( فإن قلت ) : لم قيل للخائنين . يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ . وكان السارق طعمة بن أبيرق وحده ؟ .

( قلت ) : لوجهين :

أحدهما : أن قومه شهدوا له بالبراءة ونصروه فكانواشركاء له في الإثم .

والثاني : أنه جمع ليتناول طعمة ، وكل من خان خيانة ، فلا تخاصم لخائن قط ، ولا تجادل عنه {[2]}

إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا .

أي : لا يرضى عمن يكثرون من الخيانة و الإثم ، بارتكاب المعاصي ، وانتهاك محارم الله ، واتهام غيرهم بهتانا وزورا .

" والذين لا يحبهم الله لا يجوج أن يجادل عنهم أحد و لا أن يحامي عنهم أحد ، وقد كرههم الله للإثم و الخيانة ) ) {[3]}


[2]:) من قتل نفسه بشيء عذب به: رواه البخاري في الجنائز (1364) في الأدب (6074،6105) في الإيمان والنذور (6653) مسلم في الإيمان(110) وأبو داود في الإيمان والنذور (3257) والترمذي في الطب (2636) والنسائي في الإيمان والنذور (3770) والدرامي في الديات (2361) وأحمد في مسنده (15950، 15956) من حديث ثابت بن الضحاك وكان من أصحاب الشجرة حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من حلف على ملة غير الإسلام فهو كما قال وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة ومن لعن مؤمنا فهو كقتله ومن قذف مؤمنا بكفر فهو كقتله.
[3]:من تردى من جبل فقتل نفسه: رواه البخاري في الطب (5778) ومسلم في الإيمان (109) والترمذي في الطب (2044،2043) والنسائي في الجنائز (1965) وابن ماجة في الطب (3460)(9964،9839،7339) والدرامي في الديات (2362)من حديث أبي هريرة مرفوعا: من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالدا مخلدا فيها أ بدا ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا.