مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ سُلۡطَٰنٍ أَتَىٰهُمۡۖ كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلۡبِ مُتَكَبِّرٖ جَبَّارٖ} (35)

ثم بين تعالى ما لأجله بقوا في ذلك الشك والإسراف فقال : { الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان } أي بغير حجة ، بل إما بناء على التقليد المجرد ، وإما بناء على شبهات خسيسة { كبر مقتا عند الله } والمقت هو أن يبلغ المرء في القوم مبلغا عظيما فيمقته الله ويبغضه ويظهر خزيه وتعسه .

وفيه مسائل :

المسألة الأولى : في ذمة لهم بأنهم يجادلون بغير سلطان دلالة على أن الجدال بالحجة حسن وحق وفيه إبطال للتقليد .

المسألة الثانية : قال القاضي مقت الله إياهم يدل على أن فعلهم ليس بخلق الله لأن كونه فاعلا للفعل وماقتا له محال .

المسألة الثالثة : الآية تدل على أنه يجوز وصف الله تعالى بأنه قد يمقت بعض عباده إلا أن ذلك صفة واجبة التأويل في حق الله كالغضب والحياء والتعجب ، والله أعلم . ثم بين أن هذا المقت كما حصل عند الله فكذلك قد حصل عند الذين آمنوا .

ثم قال : { كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وأبو عمرون وقتيبة عن الكسائي { قلب } منونا { متكبر } صفة للقلب والباقون بغير تنوين على إضافة القلب إلى المتكبر قال أبو عبيد الاختيار الإضافة لوجوه : ( الأول ) أن عبد الله قرأ { على كل قلب متكبر } وهو شاهد لهذه القراءة ، ( الثاني ) أن وصف الإنسان بالتكبر والجبروت أولى من وصف القلب بهما ، وأما الذين قرأوا بالتنوين فقالوا إن الكبر قد أضيف إلى القلب في قوله { إن في صدورهم إلا كبر } وقال تعالى : { فإنه آثم قلبه } وأيضا فيمكن أن يكون ذلك على حذف المضاف أي على كل ذي قلب متكبر ، وأيضا قال قوم الإنسان الحقيقي هو القلب وهذا البحث طويل وقد ذكرناه في تفسير قوله { نزل به الروح الأمين * على قلبك } قالوا ومن أضاف ، فلا بد له من تقدير حذف ، والتقدير يطبع الله على قلب كل متكبر .

المسألة الثانية : الكلام في الطبع والرين والقسوة والغشاوة قد سبق في هذا الكتاب بالاستقصاء ، وأصحابنا يقولون قوله { كذلك يطبع الله } يدل على أن الكل من الله والمعتزلة يقولون إن قوله { كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار } يدل على أن هذا الطبع إنما حصل من الله لأنه كان في نفسه متكبرا جبارا وعند هذا تصير الآية حجة لكل واحد من هذين الفريقين من وجه ، وعليه من وجه آخر ، والقول الذي يخرج عليه الوجهان ما ذهبنا إليه وهو أنه تعالى يخلق دواعي الكبر والرياسة في القلب ، فتصير تلك الدواعي مانعة من حصول ما يدعون إلى الطاعة والانقياد لأمر الله ، فيكون القول بالقضاء والقدر حيا ويكون تعليل الصد عن الدين بكونه متجبرا متكبرا باقيا ، فثبت أن هذا المذهب الذي اخترناه في القضاء والقدر هو الذي ينطبق لفظ القرآن من أوله إلى آخره عليه .

المسألة الثالثة : لا بد من بيان الفرق بين المتكبر والجبار ، قال مقاتل { متكبر } عن قبول التوحيد { جبار } في غير حق ، وأقول كمال السعادة في أمرين التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله فعلى قول مقاتل التكبر كالمضاد للتعظيم لأمر الله والجبروت كالمضاد للشفقة على خلق الله ، والله أعلم .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ سُلۡطَٰنٍ أَتَىٰهُمۡۖ كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلۡبِ مُتَكَبِّرٖ جَبَّارٖ} (35)

21

ثم يشتد في مواجهتهم بمقت الله ومقت المؤمنين لمن يجادل في آيات الله بغير حجة ولا برهان . وهم يفعلون هذا في أبشع صورة . ويندد بالتكبر والتجبر ، وينذر بطمس الله لقلوب المتكبرين المتجبرين !

( الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا . كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار ) . .

والتعبير على لسان الرجل المؤمن يكاد يكون طبق الأصل من التعبير المباشر في مطالع السورة . المقت للمجادلين في آيات الله بغير برهان ، والإضلال للمتكبرين المتجبرين حتى ما يبقى في قلوبهم موضع للهدى ، ولا منفذ للإدراك .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ سُلۡطَٰنٍ أَتَىٰهُمۡۖ كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلۡبِ مُتَكَبِّرٖ جَبَّارٖ} (35)

29

المفردات :

سلطان : حجة قوية وبرهان ظاهر .

كبر مقتا عند الله : عظم جدالهم بغضا عند الله .

كذلك يطبع الله : كما ختم الله على قلوب هؤلاء المجادلين ، فكذلك يختم على كل قلب متكبر جبار ، حتى لا يعقل الرشاد ولا يقبل الحق .

التفسير :

35- الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على قلب متكبر جبار } .

كأني بمؤمن آل فرعون وقد حرص على هداية قومه واستمالتهم ، فقدم لهم عددا من الأدلة والبراهين تحثهم على الإيمان برسول الله موسى ، فهو يخوفهم بطش الله حينا ، ويذكّرهم بما أصاب المكذبين للرسل حينا ، ويذكرهم بأهوال القيامة حينا ثالثا ، وبسيرة يوسف الصديق مع أجدادهم ، وهنا يوضّح أن الجدال نوعان :

1- جدال لاستيضاح الحق ، فهو نقاش يتبين منه الإنسان ما يريد أن يستوضحه ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسمح لأصحابه بمثل هذه المناقشة ، ويردّ عليهم بما يقنعهم .

وقد أشار عليه أحد أصحابه في غزوة بدر باتخاذ موقع أكثر قربا من الماء ، وأكثر ملائمة للمعركة فقبل مشورته ، وفي غزوة الخندق سمع مشورة الأنصار في عدم إعطاء هوازن ثلث ثمار المدينة ، وغير ذلك . وكان صلى الله عليه وسلم أكثر الناس مشورة لأصحابه مع أن الوحي ينزل عليه ، ومع ذلك كان يقول : " أشيروا عليّ أيها الناس " {[621]} .

2- جدال يراد به المكابرة بدون حجة صالحة لا نقلية ولا عقلية ، وهو جدال ممقوت ، يحمل الكبر والتعصب والتقليد الأعمى .

ومعنى الآية :

لله تعالى رسالات سماوية ، وأدلة عقلية بثّها في هذا الكون ، فهناك من يستجيب لهدي السماء ، لكن من يتكبر عن قبول الحق ويتجبر بالباطل ، هؤلاء الذين يفعلون ذلك كبر وعظم بغضا جدالهم عند الله ، وعند الذين آمنوا .

قال الزجاج :

المراد بالذين يجادلون كل مسرف مرتاب ، وهم يجادلون في الله بغير حجة صالحة للتمسك بها ، لا هي حجة نقلية أتتهم من جهته تعالى على أيدي الرسل ، ولا هي حجة عقلية استنبطوها من الكون ا ه .

أي أن هذه الآية مرتبطة بالآية السابقة ، فهؤلاء المسرفون المرتابون في هدي السماء ، من شأنهم الجدال في آيات الله بغير سلطان ، وعليهم غضب الله تعالى ، وغضب الذين آمنوا .

جاء في حاشية الجمل على الجلالين :

وهذه الصفة – وهي الجدال بالباطل بدون برهان- موجودة في فرعون وقومه ، ويكون الرجل المؤمن قد عدل عن مخاطبتهم إلى الاسم الغائب ، لحسن محاورته لهم ، واستجلاب قلوبهم ، وأبرز ذلك في صورة تذكّرهم ، فلم يخصهم بالخطاب ، وقوله : { كبر مقتا } ، ضرب من التعجب والاستفهام لجدالهم . . . ا ه .

أي ما أكبر غضب الله عليهم ، وما أعظم مقت المؤمنين لهم .

{ كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار } .

أي : مثل ذلك الطبع العجيب يطبع الله تعالى ، ويختم بالكفر والعمى على قلب كل إنسان متكبر عن الاستماع للحق ، متطاول ومتجبر على خلق الله تعالى بالعدوان والإيذاء .


[621]:أشيروا عليّ أيها الناس.: ذكره البيهقي في دلائل النبوة.