مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدۡخِلۡهُ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ} (13)

قوله تعالى : { تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين } .

في الآية مسائل :

المسألة الأولى : أنه تعالى بعد بيان سهام المواريث ذكر الوعد والوعيد ترغيبا في الطاعة وترهيبا عن المعصية فقال : { تلك حدود الله } وفيه بحثان .

البحث الأول : أن قوله : { تلك } إشارة إلى ماذا ؟ فيه قولان : الأول : أنه إشارة إلى أحوال المواريث .

القول الثاني : أنه إشارة إلى كل ما ذكره من أول السورة إلى ههنا من بيان أموال الأيتام وأحكام الأنكحة وأحوال المواريث وهو قول الأصم ، حجة القول الأول أن الضمير يعود إلى أقرب المذكورات ، وحجة القول الثاني أن عوده إلى الأقرب إذا لم يمنع من عوده إلى الأبعد مانع يوجب عوده إلى الكل .

البحث الثاني : أن المراد بحدود الله المقدرات التي ذكرها وبينها ، وحد الشيء طرفه الذي يمتاز به عن غيره ، ومنه حدود الدار ، والقول الدال على حقيقة الشيء يسمى حدا له ، لأن ذلك القول يمنع غيره من الدخول فيه ، وغيره هو كل ما سواه .

المسألة الثانية : قال بعضهم : قوله : { ومن يطع الله ورسوله } وقوله : { ومن يعص الله ورسوله } مختص بمن أطاع أو عصى في هذه التكاليف المذكورة في هذه السورة ، وقال المحققون : بل هو عام يدخل فيه هذا وغيره ، وذلك لأن اللفظ عام فوجب أن يتناول الكل . أقصى ما في الباب أن هذا العام إنما ذكر عقيب تكاليف خاصة ، إلا أن هذا القدر لا يقتضي تخصيص العموم ، ألا ترى أن الوالد قد يقبل على ولده ويوبخه في أمر مخصوص ، ثم يقول : احذر مخالفتي ومعصيتي ويكون مقصوده منعه من معصيته في جميع الأمور ، فكذا ههنا والله أعلم .

المسألة الثالثة : قرأ نافع وابن عامر : ( ندخله جنات ) ( ندخله نارا ) بالنون في الحرفين ، والباقون بالياء .

أما الأول : فعلى طريقة الالتفات كما في قوله : { بل الله مولاكم } [ آل عمران ] ثم قال : { سنلقى } بالنون .

وأما الثاني : فوجهه ظاهر .

المسألة الرابعة : ههنا سؤال وهو أن قوله : { يدخله جنات } إنما يليق بالواحد ثم قوله بعد ذلك { خالدين فيها } إنما يليق بالجمع فكيف التوفيق بينهما ؟

الجواب : أن كلمة ( من ) في قوله : { ومن يطع الله } مفرد في اللفظ جمع في المعنى فلهذا صح الوجهان .

المسألة الخامسة : انتصب «خالدين » «وخالدا » على الحال من الهاء في «ندخله » والتقدير : ندخله خالدا في النار .

المسألة السادسة : قالت المعتزلة : هذه الآية تدل على أن فساق أهل الصلاة يبقون مخلدين في النار . وذلك لأن قوله : { ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده } إما أن يكون مخصوصا بمن تعدى في الحدود التي سبق ذكرها وهي حدود المواريث ، أو يدخل فيها ذلك وغيره ، وعلى التقديرين يلزم دخول من تعدى في المواريث في هذا الوعيد ، وذلك عام فيمن تعدى وهو من أهل الصلاة أو ليس من أهل الصلاة ، فدلت هذه الآية على القطع بالوعيد ، وعلى أن الوعيد مخلد ، ولا يقال : هذا الوعيد مختص بمن تعدى حدود الله ، وذلك لا يتحقق إلا في حق الكافر . فإنه هو الذي تعدى جميع حدود الله ، فأنا نقول : هذا مدفوع من وجهين : الأول : أنا لو حملنا هذه الآية على تعدي جميع حدود الله خرجت الآية عن الفائدة لأن الله تعالى نهى عن اليهودية والنصرانية والمجوسية ، فتعدي جميع حدوده هو أن يترك جميع هذه النواهي ، وتركها إنما يكون بأن يأتي اليهودية والمجوسية والنصرانية معا وذلك محال ، فثبت أن تعدى جميع حدود الله محال فلو كان المراد من الآية ذلك لخرجت الآية عن كونها مفيدة ، فعلمنا أن المراد منه أي حد كان من حدود الله . الثاني : هو أن هذه الآية مذكورة عقيب آيات قسمة المواريث ، فيكون المراد من قوله : { ويتعد حدوده } تعدى حدود الله في الأمور المذكورة في هذه الآيات . وعلى هذا التقدير يسقط هذا السؤال . هذا منتهى تقرير المعتزلة وقد ذكرنا هذه المسألة على سبيل الاستقصاء في سورة البقرة . ولا بأس بأن نعيد طرفا منها في هذا الموضع فنقول : أجمعنا على أن هذا الوعيد مختص بعدم التوبة لأن الدليل دل على أنه إذا حصلت التوبة لم يبق هذا الوعيد ، فكذا يجوز أن يكون مشروطا بعدم العفو ، فإن بتقدير قيام الدلالة على حصول العفو امتنع بقاء هذا الوعيد عند حصول العفو ، ونحن قد ذكرنا الدلائل الكثيرة على حصول العفو ، ثم نقول : هذا العموم مخصوص بالكافر ، ويدل عليه وجهان : الأول : أنا إذا قلنا لكم : ما الدليل على أن كلمة ( من ) في معرض الشرط تفيد العموم ؟ قلتم : الدليل عليه أنه يصح الاستثناء منه ، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل فيه ، فنقول : إن صح هذا الدليل فهو يدل على أن قوله : { ومن يعص الله ورسوله } مختص بالكافر : لأن جميع المعاصي يصح استثناؤها من هذا اللفظ فيقال : ومن يعص الله ورسوله إلا في الكفر ، وإلا في الفسق ، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل ، فهذا يقتضي أن قوله : { ومن يعص الله } في جميع أنواع المعاصي والقبائح وذلك لا يتحقق إلا في حق الكافر ، وقوله : الإتيان بجميع المعاصي محال لأن الإتيان باليهودية والنصرانية معا محال ، فنقول : ظاهر اللفظ يقتضي العموم إلا إذا قام مخصص عقلي أو شرعي ، وعلى هذا التقدير يسقط سؤالهم ويقوي ما ذكرناه .

الوجه الثاني : في بيان أن هذه الآية مختصة بالكافر : أن قوله : { ومن يعص الله ورسوله } يفيد كونه فاعلا للمعصية والذنب ، وقوله : { ويتعد حدوده } لو كان المراد منه عين ذلك للزم التكرار ، وهو خلاف الأصل ، فوجب حمله على الكفر ، وقوله : بأنا نحمل هذه الآية على تعدي الحدود المذكورة في المواريث .

قلنا : هب أنه كذلك إلا أنه يسقط ما ذكرناه من السؤال بهذا الكلام ، لأن التعدي في حدود المواريث تارة يكون بأن يعتقد أن تلك التكاليف والأحكام حق وواجبة القبول إلا أنه يتركها ، وتارة يكون بأن يعتقد أنها واقعة لا على وجه الحكمة والصواب ، فيكون هذا هو الغاية في تعدي الحدود ، وأما الأول فلا يكاد يطلق في حقه أنه تعدى حدود الله ، وإلا لزم وقوع التكرار كما ذكرناه ، فعلمنا أن هذا الوعيد مختص بالكافر الذي لا يرضى بما ذكره الله في هذه الآية من قسمة المواريث ، فهذا ما يختص بهذه الآية من المباحث ، وأما بقية الأسئلة فقد تقدم ذكرها في سورة البقرة ، والله أعلم .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدۡخِلۡهُ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ} (13)

1

توكيد بعد توكيد للقاعدة الأساسية في هذه العقيدة . قاعدة التلقي من الله وحده ، وإلا فهو الكفر والعصيان والخروج من هذا الدين .

وهذا ما تقرره الآيتان التاليتان في السورة تعقيبا نهائيا على تلك الوصايا والفرائض . حيث يسميها الله بالحدود :

( تلك حدود الله . ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها . وذلك الفوز العظيم . ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها ، وله عذاب مهين ) . .

تلك الفرائض ، وتلك التشريعات ، التي شرعها الله لتقسيم التركات ، وفق علمه وحكمته ، ولتنظيم العلاقات العائلية في الأسرة ، والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع . . ( تلك حدود الله ) . . حدود الله التي أقامها لتكون هي الفيصل في تلك العلاقات ، ولتكون هي الحكم في التوزيع والتقسيم .

ويترتب على طاعة الله ورسوله فيها الجنة والخلود والفوز العظيم . كما يترتب على تعديها وعصيان الله ورسوله فيها النار والخلود والعذاب المهين . .

لماذا ؟ لماذا تترتب كل هذه النتائج الضخمة على طاعة أو معصية في تشريع جزئي كتشريع الميراث ؛ وفي جزئية من هذا التشريع ، وحد من حدوده ؟

إن الآثار تبدو أضخم من الفعل . . لمن لا يعرف حقيقة هذا الأمر وأصله العميق . .

إن هذا الأمر تتولى بيانه نصوص كثيرة في السورة ستجيء . وقد أشرنا إليها في وهي النصوص التي تبين معنى الدين ، وشرط الإيمان ، وحد الإسلام . ولكن لا بأس أن نستعجل بيان هذا الأمر - على وجه الإجمال - بمناسبة هاتين الآيتين الخطيرتين ، في هذا التعقيب على آيتي المواريث :

إن الأمر في هذا الدين - الإسلام - بل في دين الله كله منذ أن أرسل رسله للناس منذ فجر التاريخ . . إن الأمر في دين الله كله هو : لمن الألوهية في هذه الأرض ؟ ولمن الربوبية على هؤلاء الناس ؟

وعلى الإجابة عن هذا السؤال في صيغتيه هاتين ، يترتب كل شيء في أمر هذا الدين . وكل شيء في أمر الناس أجمعين !

لمن الألوهية ؟ ولمن الربوبية ؟

لله وحده - بلا شريك من خلقه - فهو الإيمان إذن ، وهو الإسلام ، وهو الدين .

لشركاء من خلقه معه ، أو لشركاء من خلقه دونه ، فهو الشرك إذن أو الكفر المبين .

وأما إن تكن الألوهية والربوبية لله وحده ، فهي الدينونة من العباد لله وحده . وهي العبودية من الناس لله وحده . وهي الطاعة من البشر لله وحده ، وهي الأتباع لمنهج الله وحده بلا شريك . . فالله وحده هو الذي يختار للناس منهج حياتهم . والله وحده هو الذي يسن للناس شرائعهم . والله وحده هو الذي يضع للناس موازينهم وقيمهم وأوضاع حياتهم وأنظمة مجتمعاتهم . . وليس لغيره - أفرادا أو جماعات - شيء من هذا الحق إلابالارتكان إلى شريعة الله . لأن هذا الحق هو مقتضى الألوهية والربوبية . ومظهرها البارز المحدد لخصائصها المميزة .

وأما أن تكن الألوهية أو الربوبية لأحد من خلق الله - شركة مع الله أو أصالة من دونه ! - فهي الدينونة من العباد لغير الله . وهي العبودية من الناس لغير الله . وهي الطاعة من البشر لغير الله . وذلك بالاتباع للمناهج والأنظمة والشرائع والقيم والموازين ، التي يضعها ناس من البشر ، لا يستندون في وضعها إلى كتاب الله وسلطانه ؛ إنما يستندون إلى أسناد أخرى ، يستمدون منها السلطان . . ومن ثم فلا دين ، ولا إيمان ، ولا إسلام . إنما هو الشرك والكفر والفسوق والعصيان . .

هذا هو الأمر في جملته وفي حقيقته . . ومن ثم يستوي أن يكون الخروج على حدود الله في أمر واحد ، أو في الشريعة كلها . . لأن الأمر الواحد هو الدين - على ذلك المعنى - والشريعة كلها هي الدين . . فالعبرة بالقاعدة التي تستند إليها أوضاع الناس . . أهي إخلاص الألوهية والربوبية لله - بكل خصائصها - أو إشراك أحد من خلقه معه . أو استقلال خلقه دونه بالألوهية والربوبية بعضهم على بعض . مهما ادعوا لأنفسهم من الدخول في الدين ! ومهما رددت ألسنتهم - دون واقعهم - أنهم مسلمون !

هذه هي الحقيقة الكبيرة ، التي يشير إليها هذا التعقيب ، الذي يربط بين توزيع أنصبة من التركة على الورثة ، وبين طاعة الله ورسوله ، أو معصية الله ورسوله . وبين جنة تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ؛ ونار خالدة وعذاب مهين !

وهذه هي الحقيقة الكبيرة ، التي تتكىء عليها نصوص كثيرة ، في هذه السورة ، وتعرضها عرضا صريحا حاسما ، لا يقبل المماحكة ، ولا يقبل التأويل .

وهذه هي الحقيقة التي ينبغي أن يتبينها الذين ينسبون أنفسهم إلى الإسلام في هذه الأرض ليروا أين هم من هذا الإسلام ، وأين حياتهم من هذا الدين !

/خ14