لما بَيَّنَ سهام المواريث ذكر الوعد والوعيد ، ترغيباً في الطَّاعة وترهيباً عن المعصية .
وقوله تعالى : { تِلْكَ } إشارة إلى ما ذكر من المواريث ؛ لأنَّ الضَّمير يعود إلى أقرب مذكورٍ .
وقيل : إشارة إلى كُلِّ ما ذكر من أوَّلِ السُّورة إلى هنا من أحكام أموال اليتامى ، والأنكحة ، وأحكام المواريث ، قاله الأصمُّ{[6891]} ؛ لأنَّ الأقرب إذا لم يمنع من عوده إلى الأبعد وجب عوده إلى الكُلِّ ؛ ولأنَّ المراد بحدود اللَّهِ : الأحكام التي ذكرها وبيَّنها ، ومنه حدود الدّار ؛ لأنَّها تميزها من غيرها .
قوله : { وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } وقوله : { وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } .
قيل : مختصٌّ بمن أطاع أو عصى في هذه التَّكاليف المذكورة في هذه السُّورة .
وقال المحقِّقُون{[6892]} : بل هو عام ؛ لأنَّ اللَّفظَ عامٌّ فيتناول الكُلَّ .
قوله : { يُدْخِلْهُ } حَمَلَ على لفظ " مَنْ " ، فَأفْرَدَ الضَّميرَ في قوله : { يُطِعِ اللَّهَ } و { يُدْخِلْهُ } وعلى معناها ، فجمع في قوله : { خَالِدِينَ } وهذا أحسنُ الحَمْلَيْنِ ، أعني : الحمل على الَّلفظ ، ثم على المعنى ، ويجوز العكس ، وإن كان ابن عطيَّة قد منعه وليس بشيء لثبوته عن العرب ، وَقَد تَقَدَّمَ ذلك مِرَاراً ، وفيه تفصيلٌ ، وله شروط مذكورة في كتب النحوِ .
قوله : { خَالِدِينَ } في نصبه وجهان :
أظهرهما : أنَّهُ حال من الضمير المنصوب في { يُدْخِلْهُ } وَلاَ يَضُرُّ تَغَايُرُ الحال وصاحبها من حيث كانت جمعاً وصاحِبُها مفرداً ، لما تقدَّم من اعتبار الَّلفْظِ والمَعْنَى وهي مقدّرة ؛ لأنَّ الخلود بعد الدُّخول .
والثَّاني : أن يكون نَعْتاً ل { جَنَّاتٍ } من باب ما جَرَى على موصوفه لَفْظاً ، وهو لغيره معنىً{[6893]} ، نحو : مررت برجُلٍ قائمةٍ أمُّه ، وبامرأة حَسَنٍ غُلامُها ، ف " قائمة " وحسنٍ وإن كانا جَارِيينِ على ما قبلهما لَفْظاً فهما لِما بَعْدَهما معنىً ، وأجازَ ذلك في الآية الكريمة الزَّجَّاجُ وتبعه التبرِيزيُّ ، إلاَّ أنَّ الصِّفة إذا جَرَتْ على غير مَنْ هي له وجب إبرازُ الضَّمير مطلقاً على مذهب البصريين ألْبسَ أو لم يُلْبسْ .
وَأمَّا الكوفيون فيفصِّلون ، فيقولون : إذا جرت الصِّفة على غير مَنْ هي له ، فإنْ ألْبسَ وَجَبَ إبرازُ الضمير ، كما هو مذهبُ البصريين ؛ نحو : " زيدٌ عمرو ضاربُه هو " ، إذا كان الضربُ واقعاً من زيد على عمرو ، فإن لم يُلْبسْ لم يَجِبِ الإبرازُ ، نحو : " زيدٌ هندُ ضاربُها " ، إذا تَقَرَّرَ هذا فَمذهَبُ الزَّجَّاجِ في الآية إنَّمَا يتمشَّى على رأي الكوفيين ، وهو مذهب حَسَنٌ .
واستدلَّ مَنْ نَصَرَ مذهب الكوفيين بالسَّمَاعِ ، فمنه قراءة مَنْ قرأ{[6894]} { إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ } [ الأحزاب :53 ] بجر " غير " مع عدم بروز الضمير ، ولو أبْرَزَهُ لقال : غير ناظرين إناه أنتم .
قَوْمِي ذُرَا المَجْدِ بَانُوهَا وَقَدْ عَلِمَتْ *** بِكُنْهِ ذَلِكَ عَدْنَانٌ وقَحْطَانُ{[6895]}
وقد خَرَّج بعضهمُ البيت على حذف مبتدأ ، تقديره : هم بانوها{[6896]} ف " قومي " مبتدأ أوَّلٌ ، و " ذُرا " مبتدأ ثان ، و " هُمْ مبتدأ ثالث ، و " بانوها " {[6897]} خبر الثَّالث والثَّالِثُ وخبره خبر الثَّاني والثاني وخبره خبر الأوَّل .
وقد منع الزمخشريُّ كون " خَالِدينَ " و " خَالِداً " صفةٌ ل " جَنَّاتِ " و " ناراً " . فقال : فإن قلت : هل يجوز أن يكونا صفتين ل " جنات " و " ناراً " ؟ قلت : لا لأنَّهما جَرَيَا على غير مَنْ هُمَا له ، فلا بُدَّ مِنْ الضَّميرِ في قولك : " خالدين هم فيها " ، و " خالداً هو فيها " .
ومنع أبُو البَقَاءِ ذلك أيضاً بعدم إبراز الضمير لكن مع " خالداً " ولم يتعرض لذلك مع " خالدين " ولا فرق بَيْنَهُما ، ثم حكى جواز ذلك عن الكوفيين ، وهذا المنع على مذهب البصريين كما تقدَّمَ .
وقرأ{[6898]} نافعٌ وابنُ عَامِرٍ هنا " نُدْخِلْهُ " في الموضعين ، وفي سورة الفتح [ الآية 17 ] وفي سورة التغابن [ الآية 9 ] والطلاق [ الآية 11 ] بنون العظمة ، والباقون بالياء ، والضميرُ للَّه تعالى .
فإن قيل : كيف جمع { خَالِدِينَ } في الطائعين ، وأفرد خالداً في العاصين ؟ .
فالجواب : قالوا : لأنَّ أهلَ الطَّاعة أهلُ الشَّفاعة ، فلمَّا كانوا يَدْخُلون هو والمشفوُعُ لهم ناسب ذلك الجمع ، والعاصي لا يَدْخُلُ به غيرهُ النارَ ، فناسَبَ ذلك الإفرادُ .
قوله : { تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ } هذه الجملةُ في محل نصبِ صفةً ل " جنات " ، وقد تقدم مراراً أن المنصوب بعد " دخل " من الظروف هل نَصْبُهُ نصبُ الظُّروف ، أو نَصْبُ المفعول به ؟
والثاني : قول الأخفش ، فكذلك { جَنَّاتٍ } ، و { نَاراً } .
قالت المعتزلةُ{[6899]} : هذه الآية دلَّت على أنَّ العصاة من أهل الصَّلاة يخلدون في النَّار ؛ لأنَّ قوله { وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ } إمَّا أن يختص بمن تعدَّى الحدود المتقدمة ، وهي حدود المواريث أو يدخل فيها ذلك وغيره ، وعلى هذا يلزمُ دخول من تَعَدَّى في المواريث في هذا الوعيد ، وذلك عام فيمن تَعَدَّى ، وهو مِنْ أهل الصَّلاة ، أو ليس من أهل الصَّلاة فدلّت هذه{[6900]} الآية على القطع بالوعيد وعلى الخلود ، ولا يقال على هذا الوعيد مختص بمن تَعَدَّى حدودَ اللَّهِ ، وذلك لا يتحقَّق إلاَّ في حقِّ الكافر ، فإنَّهُ هو الَّذي تعدّى جميعَ حدودَ اللَّه ، فَإنَّا نقولُ : هذا مدفوع من وجهين :
الأوَّلُ : أنَّا لو حملنا هذه الآية على تعدي جميع حدود اللَّه خرجت الآية عن الفائدة ، لأنَّ اللَّه تعالى نهى عن اليهوديَّةِ والنَّصرانية ، والمجوسيَّة ، فتعدي جميع هذه النَّواهي وتركها إنما يكون بأن يأتي اليهودية والنصرانية والمجوسية معاً ، وذلك محال ، فثبت أن تعدي جميع حدود اللَّه محالٌ ، وإذا كان كذلك علمنا أنَّ المراد منه أي حدٍّ كان من حدود اللَّه .
الثَّاني : أنَّ هذه الآية مذكورة عقيب قسمة المواريث فيكونُ المراد فيها التّعدي في الحدود المذكورة في قسمة الموارث .
وأجيب{[6901]} بأنَّا أجمعنا على أنَّ هذا الوعيد مختصٌّ بعدم التَّوْبَةِ ؛ لأنَّ الدَّليل دَلَّ على أنَّهُ إذا تابَ لم يبق هذا الوعيد فكذلك يجوز أن يكون مشروطاً بعدم العَفْوِ ، فإنَّ بتقدير{[6902]} قيام الدلالة على حصول العفو يمتنع بقاء هذا الوعيد عند حصول العفوِ ، ونَحْنُ قَدْ ذَكَرْنَا الدلائل{[6903]} الدّالة على حصول العفو ، ثمَّ نقول : هذا العموم مخصوصٌ بالكافر{[6904]} لوجهين :
الأوَّلُ : أنا إذا قلنا لكم : ما الدَّليلُ على أنَّ كلمة " من " في معرض الشَّرط تفيد العموم ؟ قلتم : لأنَّهُ يصحُّ الاستثناء ، [ منه ، والاستثناء ]{[6905]} يخرج من الكلام ما لولاه لدخل فيه ، فنقول : إنْ صح هذا الدَّليل فهو يَدُلُّ على أنَّ قوله { وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } يختص بالكافرِ ؛ لأن جميع المعاصي يَصِحُّ استثناؤها من هذا اللفْظِ ، فَيُقَال : ومن يعص الله ورسوله إلاَّ فِي الكُفْرِ ، وإلاَّ في الفسق ، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل ، فهذا يقتضي{[6906]} أن قوله : { وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } في جميع أنواع المعاصي والقبائح ، وذلك لا يتحقَّق إلاَّ فِي حَقِّ الكافِرِ ، وقوله{[6907]} : الإتيان بجميع المعاصي محال قال : وذلك لأنَّ الإتيان باليهوديَّة والنصرانيَّة والمجوسية معاً محال ، فنقول : ظاهر اللَّفظ يقتضي العموم إلاَّ إذَا قَامَ مُخَصَّصٌ عقليّ أو شرعيّ ، وعلى هذا التقدير يسقط سؤالهم .
والوجه الثاني : في بيان تخصيص العموم بالكافر ، أنَّ قوله : { وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } يفيد كونه فاعلاً للمعصية والذّنب ، فقوله : " ويتعد حدوده " لو كان المرادُ منه عينُ ذلك للزم التّكرار ، وهو خلافُ الأصْلِ فوجب حمله على الكفر ، وقولهم : تحمل هذه الآية على تعدّي الحدود المذكورة في المواريث .
قلنا : هَبْ أنَّ الأمرَ كذلك إلاَّ أنَّهُ يسقط ما ذكرناه من السُّؤال بهذا الكلام ؛ لأنَّ التَّعدي في حدود المواريث تارة [ يكون ]{[6908]} بأن يعتقد أنَّ تلك التَّكاليف ، والأحكام حقٌّ وواجبة القبول ، إلاَّ أنَّهُ يتركها ، وتارة [ يكون ]{[6909]} بأن يعتقد أنَّهَا واقعة لا على وجه الحكمة والصَّواب ، فيكون هذا هو الغاية من تعدي الحدود وأمَّا{[6910]} الأوَّلُ فلا يكاد يطلقُ في حَقِّهِ أنه تعدى حدود اللَّهِ ، وَإلاَّ لزم وقوع التَّكرار ، فعلمنا أنَّ هذا الوعيد مختصّ بالكافر الذي لا يرضى بما قسمه اللَّهُ من المواريث .
قال ابن عبَّاسٍ{[6911]} : الإضرار في الوصيَّة من الكبائر ؛ لأنَّهُ عَقَّبَ هذه الآية بالوعيد .
وفي الحديث " إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلَ بعَمَلِ أهْلِ الْجَنَّةِ سَبْعِينَ سَنَةً فَيَحِيفُ فِي وَصِيَّتِهِ فيختم له [ اللَّهُ ]{[6912]} بشر عمله فيدخل النار ، وإنَّ الرَّجل ليعمل بعمل أهل النَّار سبعين سنةً فيعدلُ في وصيَّتِه فيختم له بخير فيدخل الجنة " .
وفي الحديث : " مَنْ قَطَعَ مِيراثاً فرضه اللَّهُ قطع اللَّهُ ميراثه من الجنة " {[6913]} والزيادة في الوصيَّة{[6914]} تدل على الحسرة الشديدة وذلك من أكبر الكبائر .