مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَقَدۡ كَفَرُواْ بِهِۦ مِن قَبۡلُۖ وَيَقۡذِفُونَ بِٱلۡغَيۡبِ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ} (53)

ثم بين الله تعالى أن إيمانهم لا نفع فيه بسبب أنهم كفروا به من قبل ، والإشارة في قوله : { آمنا به } وقوله : { وقد كفروا به من قبل } إلى شيء واحد ، إما محمد عليه الصلاة والسلام وإما القرآن وإما الحق الذي أتى به محمد عليه السلام وهو أقرب وأولى ، وقوله : { ويقذفون بالغيب } ضد يؤمنون بالغيب لأن الغيب ينزل من الله على لسان الرسول ، فيقذفه الله في القلوب ويقبله المؤمن ، وأما الكافر فهو يقذف بالغيب ، أي يقول ما لا يعلمه ، وقوله : { من مكان بعيد } يحتمل أن يكون المراد منه أن مأخذهم بعيد أخذوا الشريك من أنهم لا يقدرون على أعمال كثيرة إلا إذا كانوا أشخاصا كثيرة ، فكذلك المخلوقات الكثيرة وأخذوا بعد الإعادة من حالهم وعجزهم عن الإحياء ، فإن المريض يداوى فإذا مات لا يمكنهم إعادة الروح إليه ، وقياس الله على المخلوقات بعيد المأخذ ، ويحتمل أن يقال إنهم كانوا يقولون بأن الساعة إذا كانت قائمة فالثواب والنعيم لنا ، كقول قائلهم : { ولئن رجعت إلى ربى إن لي عنده للحسنى } فكانوا يقولون ذلك فإن كان من قول الرسول فما كان ذلك عندهم حتى يقولوا عن إحساس فإن ما لا يجب عقلا لا يعلم إلا بالإحساس أو بقول الصادق ، فهم كانوا يقولون عن الغيب من مكان بعيد ، فإن قيل قد ذكرت أن الآخرة قريب فكيف قال من مكان بعيد ؟ نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن ذلك قريب عند من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ومن لم يؤمن لا يمكنه التصديق به فيكون بعيدا عنده الثاني : أن الحكاية يوم القيامة ، فكأنه قال كانوا يقذفون من مكان بعيد وهو الدنيا ، ويحتمل وجها آخر وهو أنهم في الآخرة يقولون : { ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا } وهو قذف بالغيب من مكان بعيد وهو الدنيا .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَقَدۡ كَفَرُواْ بِهِۦ مِن قَبۡلُۖ وَيَقۡذِفُونَ بِٱلۡغَيۡبِ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ} (53)

{ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ } أي : يرمون { بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } بقذفهم الباطل ، ليدحضوا به الحق ، ولكن لا سبيل إلى ذلك ، كما لا سبيل للرامي ، من مكان بعيد إلى إصابة الغرض ، فكذلك الباطل ، من المحال أن يغلب الحق أو يدفعه ، وإنما يكون له صولة ، وقت غفلة الحق عنه ، فإذا برز الحق ، وقاوم الباطل ، قمعه .