مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَأۡتِهِمۡ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَقَوۡمِ إِبۡرَٰهِيمَ وَأَصۡحَٰبِ مَدۡيَنَ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتِۚ أَتَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ} (70)

قوله تعالى : { ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون }

اعلم أنه تعالى لما شبه المنافقين بالكفار المتقدمين في الرغبة في الدنيا وفي تكذيب الأنبياء والمبالغة في إيذائهم بين أن أولئك الكفار المتقدمين منهم ، فذكر هؤلاء الطوائف الستة ، فأولهم قوم نوح والله أهلكهم بالإغراق ، وثانيهم : عاد والله تعالى أهلكهم بإرسال الريح العقيم عليهم . وثالثهم : ثمود والله أهلكهم بإرسال الصيحة والصاعقة . ورابعهم : قوم إبراهيم أهلكهم الله بسبب سلب النعمة عنهم ، وبما روي في الأخبار أنه تعالى سلط البعوضة على دماغ نمرود . وخامسهم : قوم شعيب وهم أصحاب مدين ، ويقال : إنهم من ولد مدين بن إبراهيم ، والله تعالى أهلكهم بعذاب يوم الظلة ، والمؤتفكات قوم لوط أهلكهم الله بأن جعل عالي أرضهم سافلها ، وأمطر عليهم الحجارة ، وقال الواحدي : { المؤتفكات } جمع مؤتفكة ، ومعنى الائتفاك في اللغة الانقلاب ، وتلك القرى ائتفكت بأهلها ، أي انقلبت فصار أعلاها أسفلها ، يقال أفكه فائتفك أي قلبه فانقلب ، وعلى هذا التفسير فالمؤتفكات صفة القرى ، وقيل ائتفاكهن انقلاب أحوالهن من الخير إلى الشر .

واعلم أنه تعالى قال في الآية الأولى : { ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم } وذكر هؤلاء الطوائف الستة وإنما قال ذلك لأنه أتاهم نبأ هؤلاء تارة ، بأن سمعوا هذه الأخبار من الخلق ، وتارة لأجل أن بلاد هذه الطوائف ، وهي بلاد الشام ، قريبة من بلاد العرب ، وقد بقيت آثارهم مشاهدة ، وقوله : { ألم يأتهم } وإن كان في صفة الاستفهام إلا أن المراد هو التقرير ، أي أتاهم نبأ هؤلاء الأقوام .

ثم قال : { أتتهم رسلهم } وهو راجع إلى كل هؤلاء الطوائف .

ثم قال : { بالبينات } أي بالمعجزات ولا بد من إضمار في الكلام ، والتقدير : فكذبوا فعجل الله هلاكهم .

ثم قال : { فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } والمعنى : أن العذاب الذي أوصله الله إليهم ما كان ظلما من الله لأنهم استحقوه بسبب أفعالهم القبيحة ومبالغتهم في تكذيب أنبيائهم ، بل كانوا ظلموا أنفسهم ، قالت المعتزلة : دلت هذه الآية على أنه تعالى لا يصح منه فعل الظلم وإلا لما حسن التمدح به ، وذلك دل على أنه لا يظلم البتة ، وذلك يدل على أنه تعالى لا يخلق الكفر في الكافر ثم يعذبه عليه ، ودل على أن فاعل الظلم هو العبد ، وهو قوله : { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } وهذا الكلام قد مر ذكره في هذا الكتاب مرارا خارجة عن الإحصاء .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَأۡتِهِمۡ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَقَوۡمِ إِبۡرَٰهِيمَ وَأَصۡحَٰبِ مَدۡيَنَ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتِۚ أَتَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ} (70)

يقول تعالى محذرا المنافقين أن يصيبهم ما أصاب من قبلهم من الأمم المكذبة . { قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ } أي : قرى قوم لوط .

فكلهم { أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } أي : بالحق الواضح الجلي ، المبين لحقائق الأشياء ، فكذبوا بها ، فجرى عليهم ما قص اللّه علينا ، فأنتم أعمالكم شبيهة بأعمالهم ، استمتعتم بخلاقكم ، أي : بنصيبكم من الدنيا فتناولتموه على وجه اللذة والشهوة معرضين عن المراد منه ، واستعنتم به على معاصي اللّه ، ولم تتعد همتكم وإرادتكم ما خولتم من النعم كما فعل الذين من قبلكم وخضتم كالذي خاضوا ، أي : وخضتم بالباطل والزور وجادلتم بالباطل لتدحضوا به الحق ، فهذه أعمالهم وعلومهم ، استمتاع بالخلاق وخوض بالباطل ، فاستحقوا من العقوبة والإهلاك ما استحق من قبلهم ممن فعلوا كفعلهم ، وأما المؤمنون فهم وإن استمتعوا بنصيبهم وما خولوا من الدنيا ، فإنه على وجه الاستعانة به على طاعة اللّه ، وأما علومهم فهي علوم الرسل ، وهي الوصول إلى اليقين في جميع المطالب العالية ، والمجادلة بالحق لإدحاض الباطل .

قوله { فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ } إذ أوقع بهم من عقوبته ما أوقع . { وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } حيث تجرأوا على معاصيه ، وعصوا رسلهم ، واتبعوا أمر كل جبار عنيد .