{ بسم الله الرحمن الرحيم القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة } اعلم أن فيه مسائل :
المسألة الأولى : القرع الضرب بشدة واعتماد ، ثم سميت الحادثة العظيمة من حوادث الدهر قارعة ، قال الله تعالى : { ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة } ومنه قولهم : العبد يقرع بالعصا ، ومنه المقرعة وقوارع القرآن وقرع الباب ، وتقارعوا تضاربوا بالسيوف ، واتفقوا على أن القارعة اسم من أسماء القيامة ، واختلفوا في لمية هذه التسمية على وجوه ( أحدها ) : أن سبب ذلك هو الصيحة التي تموت منها الخلائق ، لأن في الصيحة الأولى تذهب العقول ، قال تعالى : { فصعق من في السموات ومن في الأرض } وفي الثانية تموت الخلائق سوى إسرافيل ، ثم يميته الله ثم يحييه ، فينفخ الثالثة فيقومون . وروي أن الصور له ثقب على عدد الأموات لكل واحد ثقبة معلومة ، فيحيي الله كل جسد بتلك النفخة الواصلة إليه من تلك الثقبة المعينة ، والذي يؤكد هذا الوجه قوله تعالى : { ما ينظرون إلا صيحة واحدة } { فإنما هي زجرة واحدة } ( وثانيها ) : أن الأجرام العلوية والسفلية يصطكان اصطكاكا شديدا عند تخريب العالم ، فبسبب تلك القرعة سمي يوم القيامة بالقارعة ( وثالثها ) : أن القارعة هي التي تقرع الناس بالأهوال والإفزاع ، وذلك في السموات بالانشقاق والانفطار ، وفي الشمس والقمر بالتكور ، وفي الكواكب بالانتثار ، وفي الجبال بالدك والنسف ، وفي الأرض بالطي والتبديل ، وهو قول الكلبي ( ورابعها ) : أنها تقرع أعداء الله بالعذاب والخزي والنكال ، وهو قول مقاتل ، قال بعض المحققين وهذا أولى من قول الكلبي لقوله تعالى : { وهم من فزع يومئذ آمنون } .
المسألة الثانية : في إعراب قوله : { القارعة ما القارعة } وجوه ( أحدها ) : أنه تحذير وقد جاء التحذير بالرفع والنصب تقول : الأسد الأسد ، فيجوز الرفع والنصب ( وثانيها ) : وفيه إضمار أي ستأتيكم القارعة على ما أخبرت عنه في قوله : { إذا بعثر ما في القبور }
( وثالثها ) : رفع بالابتداء وخبره : { ما القارعة } وعلى قول قطرب الخبر . { وما أدراك ما القارعة } فإن قيل : إذا أخبرت عن شيء بشيء فلابد وأن تستفيد منه علما زائدا ، وقوله : { وما أدراك } يفيد كونه جاهلا به فكيف يعقل أن يكون هذا خبرا ؟ قلنا : قد حصل لنا بهذا الخبر علم زائد ، لأنا كنا نظن أنها قارعة كسائر القوارع ، فبهذا التجهيل علمنا أنها قارعة فاقت القوارع في الهول والشدة .
( سورة القارعة مكية ، وآياتها 11 آية ، نزلت بعد سورة قريش )
والقارعة اسم من أسماء القيامة ، كالحاقة والصاخة والطامة والغاشية ، وسميت قارعة لأنها تقرع القلوب بأهوالها . والسورة كلها عن هذه القارعة : حقيقتها ، وما يقع فيها ، وما تنتهي إليه ، فهي تعرض مشهدا من مشاهد القيامة . والمشهد المعروض هنا مشهد هول ، تتناول آثاره الناس والجبال ، فيبدو الناس في ظله صغارا ضئالا على كثرتهم ، فهم كالفراش المبثوث ، مستطارون مستخفون في حيرة الفراش الذي يتهافت على الهلاك ، وهو لا يملك لنفسه وجهة ، ولا يعرف له هدفا . وتبدو الجبال التي كانت ثابتة راسخة كالصوف المنفوش ، تتقاذفه الرياح ، وتعبث به حتى الأنسام .
عندئذ يرجح وزن المؤمن وتثقل درجته ، فيعيش عيشة راضية ، ويخفّ ميزان الكافر وتهوى منزلته ، فيصطلى بنار حامية .
1-3- القارعة* ما القارعة* وما أدراك ما القارعة .
القارعة . استفهام عن حقيقتها ، قصد به تهويل أمرها ، كأنها لشدة ما يكون فيها ، مما تفزع له النفوس وتدهش له العقول ، يصعب تصورها .
وما أدراك ما القارعة . أي شيء يعرفك بها ؟ زيادة في تعظيم تلك الحادثة العظيمة ، كأن لا شيء يحيط بها ويفيدك برسمها ، ثم أخذ بزمامها وما يكون للناس فيها .
4- يوم يكون الناس كالفراش المبثوث . أي : يكون الناس من حيرتهم وذهولهم كالفراش الهائم على وجهه ، المنتشر في الفضاء لا يدري ماذا يصنع ، قال تعالى في آية أخرى : كأنهم جراد منتشر . ( القمر : 7 ) .
5- وتكون الجبال كالعهن المنفوش . أي : تصبح في صورة الصوف المنفوش ، فلا تلبث أن تذهب وتتطاير ، وفي سورة ( عم يتساءلون ) قال تعالى : وسيّرت الجبال فكانت سرابا . ( النبأ : 20 ) .
6 ، 7- فأما من ثقلت موازينه* فهو في عيشة راضية .
أي : من ثقلت موازينه برجحان كفّة حسناته على سيئاته ، فهو في الجنة . ويقال : ثقل ميزان فلان ، إذا كان له قدر ومنزلة رفيعة ، كأنه إذا وضع في ميزان كان له به رجحان ، وإنما يكون المقدار والقيمة لأهل الأعمال الصالحة ، والفضائل الراجحة ، فهؤلاء يجزون النعيم الدائم والعيشة الراضية .
8 ، 9- وأما من خفّت موازينه* فأمّه هاوية . يقال : خفّ ميزان فلان ، أي سقطت قيمته فكأنه ليس بشيء ، حتى لو وضع في كفة ميزان لم يرجح بها على أختها ، ومن كان في الدنيا كثير الشر قليل فعل الخير ، يجترئ على المعاصي ، ويفسد في الأرض ، فإنه لا يكون شيئا في الآخرة ، ولا ترجح به كفة ميزان لو وضع فيها .
ويرى بعض المفسرين أن الذي يوزن هو الصحف التي تكتب فيها الحسنات والسيئات ، وأن الحسنات تمثل وتقابل بالنور والخير ، وأن السيئات تمثل وتقابل بالظلام والشر ، وأن من كثر خيره كان ناجيا ، ومن كثر شره كان هالكا .
وهذا الميزان نؤمن به ونفوّض حقيقة المراد به إلى الله تعالى ، فلا نسأل كيف يزن ؟ ولا كيف يقدر ؟
قال تعالى : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبّة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين . ( الأنبياء : 47 ) .
فأمّه هاوية . مرجعه الذي يأوي إليه كما يأوي الولد إلى أمه ، أي : فمسكنه ومأواه النار .
10- وما أدراك ماهيه . أي : ما الذي يخبرك بما هي تلك الهاوية ، وأي شيء تكون ؟
11- نار حامية . هي نار ملتهبة بلغت النهاية في الحرارة ، يهوى فيها ليلقى جزاء ما قدّم من عمل .
1- وصف أهوال يوم القيامة ومشاهده .
{ القارعة 1 ما القارعة 2 وما أدراك ما القارعة 3 يوم يكون الناس كالفراش المبثوث 4 وتكون الجبال كالعهن المنفوش 5 فأما من ثقلت موازينه 6 فهو في عيشة راضية 7 وأما من خفّت موازينه 8 فأمّه هاوية 9 وما أدراك ماهيه 10 نار حامية 11 }
وما أدراك ما القارعة : استفهام عن حقيقتها ، قصد به تهويل أمرها .
1 ، 2 ، 3- القارعة* ما القارعة* وما أدراك ما القارعة .
القارعة . هي القيامة ، وسمّيت القارعة لأنها تقرع الناس بأهوالها وشدّتها ، وتسمّى الحاقة ، والصاخة ، والطامة الكبرى ، والواقعة ، والقيامة ، وتبدأ بالنفخة الأولى من إسرافيل في الصور ، وتنتهي بفصل القضاء بين الخلائق ، فمنهم شقي وسعيد .
تهويل لشأنها ، أي : أي شيء هي ؟ وما أعلمك ما شأن القارعة ؟
تأكيد لشدة هولها على النفوس ، كأنه لا شيء يحيط بها ، مهما تخيلت أمرها فهي أعظم من تقديرك وتوقّعاتك ، ثم فسّر ذلك ، وأبان زمانها وأماراتها ، فقال : { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث . }
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.