{ بسم الله الرحمن الرحيم ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر } فيه مسائل :
المسألة الأولى : الإلهاء الصرف إلى اللهو . واللهو الانصراف إلى ما يدعو إليه الهوى ، ومعلوم أن الانصراف إلى الشيء يقتضي الإعراض عن غيره ، فلهذا قال أهل اللغة : ألهاني فلان عن كذا أي أنساني وشغلني ، ومنه الحديث : ( أن الزبير كان إذا سمع صوت الرعد لهى عن حديثه ) أن تركه وأعرض عنه ، وكل شيء تركته فقد لهيت عنه ، والتكاثر التباهي بكثرة المال والجاه والمناقب يقال : تكاثر القوم تكاثرا إذا تعادلوا مالهم من كثرة المناقب ، وقال أبو مسلم : التكاثر تفاعل عن الكثرة والتفاعل يقع على أحد وجوه ثلاثة يحتمل أن يكون بين الاثنين فيكون مفاعله ، ويحتمل تكلف الفعل تقول : تكارهت على كذا إذا فعلته وأنت كاره ، وتقول : تباعدت عن الأمر إذا تكلفت العمى عنه وتقول : تغافلت ، ويحتمل أيضا الفعل بنفسه كما تقول : تباعدت عن الأمر أي بعدت عنه ، ولفظ التكاثر في هذه الآية ويحتمل الوجهين الأولين ، فيحتمل التكاثر بمعنى المفاعلة لأنه كم من اثنين يقول كل واحد منهما لصاحبه : { أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا } ويحتمل تكلف الكثرة فإن الحريص يتكلف جميع عمره تكثير ماله ، واعلم أن التفاخر والتكاثر شيء واحد ونظير هذه الآية قوله تعالى : { وتفاخر بينكم } .
المسألة الثانية : اعلم أن التفاخر إنما يكون بإثبات الإنسان نوعا من أنواع السعادة لنفسه ، وأجناس السعادة ثلاثة :
( فأحدها ) : في النفس ( والثانية ) : في البدن ( والثالثة ) : فيما يطيف بالبدن من خارج ، أما التي في النفس فهي العلوم والأخلاق الفاضلة وهما المرادان بقوله حكاية عن إبراهيم : { رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين } وبهما ينال البقاء الأبدي والسعادة السرمدية .
وأما التي في البدن فهي الصحة والجمال وهي المرتبة الثانية ، وأما التي تطيف بالبدن من خارج فقسمان : ( أحدهما ) ضروري وهو المال والجاه والآخر غير ضروري وهو الأقرباء والأصدقاء وهذا الذي عددناه في المرتبة الثالثة إنما يراد كله للبدن بدليل أنه إذا تألم عضو من أعضائه فإنه يجعل المال والجاه فداء له .
وأما السعادة البدنية فالفضلاء من الناس إنما يريدونها للسعادة النفسانية فإنه ما لم يكن صحيح البدن لم يتفرغ لاكتساب السعادات النفسانية الباقية ، إذا عرفت هذا فنقول : العاقل ينبغي أن يكون سعيه في تقديم الأهم على المهم ، فالتفاخر بالمال والجاه والأعوان والأقرباء تفاخر بأخس المراتب من أسباب السعادات ، والاشتغال به يمنع الإنسان من تحصيل السعادة النفسانية بالعلم والعمل ، فيكون ذلك ترجيحا لأخس المراتب في السعادات على أشرف المراتب فيها ، وذلك يكون عكس الواجب ونقيض الحق ، فلهذا السبب ذمهم الله تعالى فقال : { ألهاكم التكاثر } ويدخل فيه التكاثر بالعدد وبالمال والجاه والأقرباء والأنصار والجيش ، وبالجملة فيدخل فيه التكاثر بكل ما يكون من الدنيا ولذاتها وشهواتها .
المسألة الثالثة : قوله : { ألهاكم } يحتمل أن يكون إخبارا عنهم ، ويحتمل أن يكون استفهاما بمعنى التوبيخ والتقريع أي أألهاكم ، كما قرئ { أنذرتهم } و{ أأنذرتهم } ، و{ إذا كنا عظاما } و{ أئذا كنا عظاما } .
المسألة الرابعة : الآية دلت على أن التكاثر والتفاخر مذموم والعقل دل على أن التكاثر والتفاخر في السعادات الحقيقية غير مذموم ، ومن ذلك ما روي من تفاخر العباس بأن السقاية بيده ، وتفاخر شيبة بأن المفتاح بيده إلى أن قال علي عليه السلام : وأنا قطعت خرطوم الكفر بسيفي فصار الكفر مثلة فأسلمتم فشق ذلك عليهم فنزل قوله تعالى : { أجعلتم سقاية الحاج } الآية وذكرنا في تفسير قوله تعالى : { وأما بنعمة ربك فحدث } أنه يجوز للإنسان أن يفتخر بطاعاته ومحاسن أخلاقه إذا كان يظن أن غيره يقتدي به ، فثبت أن مطلق التكاثر ليس بمذموم ، بل التكاثر في العلم والطاعة والأخلاق الحميدة ، هو المحمود ، وهو أصل الخيرات ، فالألف واللام في التكاثر ليسا للاستغراق ، بل للمعهود السابق ، وهو التكاثر في الدنيا ولذاتها وعلائقها ، فإنه هو الذي يمنع عن طاعة الله تعالى وعبوديته ، ولما كان ذلك مقررا في العقول ومتفقا عليه في الأديان ، لا جرم حسن إدخال حرف التعريف عليه .
المسألة الخامسة : في تفسير الآية وجوه ( أحدها ) : { ألهاكم التكاثر } بالعدد روي أنها نزلت في بني سهم وبني عبد مناف تفاخروا أيهم أكثر فكان بنو عبد مناف أكثر فقال : بنو سهم عدوا مجموع أحيائنا وأمواتنا مع مجموع أحيائكم وأمواتكم ، ففعلوا فزاد بنو سهم فنزلت الآية وهذه الرواية مطابقة لظاهر القرآن ، لأن قوله : { حتى زرتم المقابر } يدل على أنه أمر مضى . فكأنه تعالى يعجبهم من أنفسهم ، ويقول هب أنكم أكثر منهم عددا فماذا ينفع ، والزيارة إتيان الموضع ، وذلك يكون لأغراض كثيرة ، وأهمها وأولاها بالرعاية ترقيق القلب وإزالة حب الدنيا فإن مشاهدة القبور تورث ذلك على ما قال عليه السلام : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإن في زيارتها تذكرة » ثم إنكم زرتم القبور ، بسبب قساوة القلب والاستغراق في حب الدنيا فلما انعكست هذه القضية ، لا جرم ذكر الله تعالى ذلك في معرض التعجيب .
والقول الثاني : أن المراد هو التكاثر بالمال واستدلوا عليه بما روى مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه ، أنه عليه السلام كان يقرأ : { ألهاكم } وقال ابن آدم : يقول مالي مالي ، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنبت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت ، والمراد من قوله : { حتى زرتم المقابر } أي حتى متم وزيارة القبر عبارة عن الموت ، يقال لمن مات : زار قبره وزار رمسه ، قال جرير للأخطل :
زار القبور أبو مالك *** فأصبح ألأم زوارها
أي مات فيكون معنى الآية : ألهاكم حرصكم على تكثير أموالكم عن طاعة ربكم حتى أتاكم الموت ، وأنتم على ذلك ، يقال حمله على هذا الوجه مشكل من وجهين ( الأول ) : أن الزائر هو الذي يزور ساعة ثم ينصرف ، والميت يبقى في قبره ، فكيف يقال : إنه زار القبر ؟ ( والثاني ) : أن قوله : { حتى زرتم المقابر } إخبار عن الماضي ، فكيف يحمل على المستقبل ؟ ( والجواب ) : عن السؤال الأول أنه قد يمكث الزائر ، لكن لابد له من الرحيل ، وكذا أهل القبور يرحلون عنها إلى مكان الحساب ( والجواب ) : عن السؤال الثاني من وجوه ( أحدها ) : يحتمل أن يكون المراد من كان مشرفا على الموت بسبب الكبر ، ولذلك يقال فيه : إنه على شفير القبر ( وثانيها ) : أن الخبر عمن تقدمهم وعظا لهم ، فهو كالخبر عنهم ، لأنهم كانوا على طريقتهم ، ومنه قوله تعالى : { ويقتلون النبيين } ( وثالثها ) قال أبو مسلم : إن الله تعالى يتكلم بهذه السورة يوم القيامة تعييرا للكفار ، وهم في ذلك الوقت قد تقدمت منهم زيارة القبور .
القول الثالث : { ألهاكم } الحرص على المال وطلب تكثيره حتى منعتم الحقوق المالية إلى حين الموت ، ثم تقول في تلك الحالة : أوصيت لأجل الزكاة بكذا ، ولأجل الحج بكذا .
القول الرابع : { ألهاكم التكاثر } فلا تلتفتون إلى الدين ، بل قلوبكم كأنها أحجار لا تنكسر البتة إلا إذا زرتم المقابر ، هكذا ينبغي أن تكون حالكم ، وهو أن يكون حظكم من دينكم ذلك القدر القليل من الانكسار ، ونظيره قوله تعالى : { قليلا ما تشكرون } أي لا أقنع منكم بهذا القدر القليل من الشكر .
المسألة السادسة : أنه تعالى لم يقل : { ألهاكم التكاثر } عن كذا وإنما لم يذكره ، لأن المطلق أبلغ في الذم لأنه يذهب الوهم فيه كل مذهب ، فيدخل فيه جميع ما يحتمله الموضع ، أي : ألهاكم التكاثر عن ذكر الله وعن الواجبات والمندوبات في المعرفة والطاعة والتفكر والتدبر ، أو نقول : إن نظرنا إلى ما قبل هذه الآية فالمعنى : ألهاكم التكاثر عن التدبر في أمر القارعة والاستعداد لها قبل الموت ، وإن نظرنا إلى الأسفل فالمعنى ألهاكم التكاثر ، فنسيتم القبر حتى زرتموه .
( سورة التكاثر مكية ، وآياتها 8 آيات ، نزلت بعد سورة الكوثر )
أخرج ابن أبي حاتم ، عن أبي بريدة قال : نزلت : ألهاكم التكاثر . في قبيلتين من الأنصار ، وهما : بنو حارثة ، وبنو الحرث ، تفاخروا وتكاثروا ، فقالت إحداهما : أفيكم مثل فلان وفلان ؟ وقالت الأخرى مثل ذلك . تفاخروا بالأحياء ، ثم قالوا : انطلقوا بنا إلى القبور ، فجعلت إحدى الطائفتين تقول : أفيكم مثل فلان وفلان ؟ وتشير إلى القبر ، ومثل فلان ، وفعل الآخرون مثل ذلك ، فأنزل الله هذه السورة .
هذه السورة صيحة بالقلب البشري الغارق في التفاخر والتكاثر بالدنيا ومظاهرها ، وتنبيه له إلى أن ما تفاخر به إلى زوال ، وأن الدنيا قصيرة ، وأن الغاية إلى حفرة ضيقة ، وهناك ترى الحقيقة الباقية ، واليقين المؤكد ، وتسأل عن هذه الألوان المتنوعة من الملذات ، وعن سائر ألوان النعيم ، عن الشباب والمال والجاه والصحة والعافية ، ماذا عملت بها ؟
( وروي : يسأل عن التنعم الذي شغله الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه ، وعن الحسن : يسأل عما زاد عن كنّ يؤويه ، وثوب يواريه ، وكسرة تقوّيه )i .
1 ، 2- ألهاكم التكاثر* حتى زرتم المقابر . أيها السادرون الغافلون ، أيها اللاهون المتكاثرون بالأموال والأولاد وأعراض الحياة ، وأنتم مفارقون ، أيها المخدوعون بما أنتم فيه عما يليه . أيها التاركون ما تتكاثرون به وتتفاخرون إلى حفرة ضيقة لا تكاثر فيها ولا تفاخر ، استيقظوا وانظروا . . فقد شغلكم حب الكثرة والفخر حتى هلكتم ، وصرتم من الموتى ، ورأيتم الحساب والجزاء .
وفي صحيح مسلم ، عن مطرف ، عن أبيه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ : ألهاكم التكاثر . قال : ( يقول ابن آدم : مالي ، ومالك ، يا ابن آدم ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت ، وما سوى ذلك فذاهب وتركه للناس ) . ii .
3 ، 4- كلاّ سوف تعلمون* ثم كلاّ سوف تعلمون .
أي : ازدجروا عن مثل هذا التكاثر والتفاخر ، والجأوا إلى التناصر على الحق ، والتكاتف على أعمال البر ، والتضافر على ما فيه حياة الأفراد والجماعات ، من تقويم الأخلاق ، والتعاون على الخير والمعروف ، وإنكم سوف تعلمون سوء مغبة ما أنتم عليه .
ثم كلاّ سوف تعلمون . وهو تكرير للوعيد لتأكيد الزجر والتوبيخ ، كما يقول الإنسان لآخر : أقول لك لا تفعل ، ثم أقول لك لا تفعل .
5- كلاّ لو تعلمون علم اليقين . أي : ارتدعوا عن تغريركم بأنفسكم ، فإنكم لو تعلمون عاقبة أمركم لشغلكم ذلك عن التكاثر ، وصرفكم إلى صالح الأعمال ، وأن ما تدّعونه علما ليس في الحقيقة بعلم ، وإنما وهم وظن ، لا يلبث أن يتغير لأنه لا يطابق الواقع ، والجدير أن يسمى علما هو علم اليقين المطابق للواقع ، بناء على العيان والحس ، أو الدليل الصحيح الذي يؤيده العقل ، أو النقل الصحيح عن المعصوم صلى الله عليه وسلم .
6- لترونّ الجحيم . ولا شك في رؤيتها ، والمراد برؤية الجحيم : ذوق عذابها ، ثم أكد هذا المضمون بقوله :
7- ثم لترونّها عين اليقين . أي : لترونها رؤية هي اليقين بنفسه ، مهما كانت نسبتكم أو مجدكم ، فلن ينجيكم منها سوى أعمالكم .
8- ثم لتسألنّ يومئذ عن النعيم . لتسألن عنه : من أين نلتموه ؟ وفيم أنفقتموه ؟ أمن طاعة وفي طاعة ؟ أم من معصية وفي معصية ؟ أمن حلال وفي حلال ؟ أم من حرام وفي حرام ؟ هل شكرتم ؟ هل أديتم حق النعيم ؟ هل شاركتم الفقير والمسكين ؟ هل استأثرتم وبخلتم ومنعتم صاحب الحق حقه ؟
لتسألن عما تتكاثرون به وتتفاخرون . . فهوعبء تستخفونه في غمرتكم ولهوكم ، ولكن وراءه ما وراءه من همّ ثقيل .
روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من أصبح آمنا في سربه ، معافى في بدنه ، عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ) . iii .
1- ذم الانشغال بمظاهر الحياة .
2- التذكير بالموت والقبر والحساب .
3- زجر الغافلين والعابثين ، وتذكيرهم بيوم الدين .
4- لن ينقذهم من النار جاه ولا سلطان ، ولن ينفعهم سوى العمل الصالح .
{ ألهاكم التكاثر 1 حتى زرتم المقابر 2 كلاّ سوف تعلمون 3 ثم كلاّ سوف تعلمون 4 كلاّ لو تعلمون علم اليقين 5 لترونّ الجحيم 6 ثم لترونّها عين اليقين 7 ثم لتسألن يومئذ عن النعيم 8 }
التكاثر : التباهي والتفاخر بالكثرة في الأموال والأولاد والأهل والعشيرة .
زرتم المقابر : صرتم إليها ودفنتم فيها .
1 ، 2- ألهاكم التكاثر* حتى زرتم .
شغلكم طلب الكثير من المال والجاه والسلطان ، رغبة في كثرة ما تملكون ، لتكونوا أكثر مالا أو متاعا من أندادكم ونظرائكم ، ولم تلتفتوا إلى عين الحقيقة ، وهي أن المال الحقيقي هو الذي ينفقه الإنسان في سبيل الله ، وأن الفضل الحقيقي هو عمل الخير والمعروف ابتغاء وجه الله ، لأن ذلك هو الذي ينفعك في قبرك ، ويعلي درجتك في الآخرة .
حتى ذهبتم إلى المقابر ودفنتم فيها ، ولم تجدوا أثرا لتكاثر الدنيا ، والتشبّع بأموالها .
وفي قوله : حتى زرتم المقابر . إشارة لطيفة إلى أن بيت الإقامة الدائمة هو الجنة أو النار ، أما الزائر فإنه ينتقل عن بيت الزيارة ، فالقبر مدفن مؤقّت ، والدار الآخرة هي الحياة الدائمة .
وقيل : إن الآية تحتمل معنى آخر ، هو : شغلكم التفاخر والتكاثر بالأحياء حتى زرتم المقابر لتفتخروا بمن مات منكم من عظماء الدنيا على القبائل الأخرى .
أو المعنى : بنيتم مقابر مشيّدة تفاخرا بها ، كما قال الشاعر :