مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَٱلۡعَصۡرِ} (1)

مقدمة السورة:

سورة العصر

{ بسم الله الرحمن الرحيم والعصر } اعلم أنهم ذكروا في تفسير العصر أقوالا .

الأول : أنه الدهر ، واحتج هذا القائل بوجوه ( أحدها ) : ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقسم بالدهر ، وكان عليه السلام يقرأ : والعصر ونوائب الدهر إلا أنا نقول : هذا مفسد للصلاة ، فلا نقول : إنه قرأه قرآنا بل تفسيرا ، ولعله تعالى لم يذكر الدهر لعلمه بأن الملحد مولع بذكره وتعظيمه ومن ذلك ذكره في : { هل أتى } ردا على فساد قولهم : بالطبع والدهر ( وثانيها ) : أن الدهر مشتمل على الأعاجيب لأنه يحصل فيه السراء والضراء ، والصحة والسقم ، والغنى والفقر ، بل فيه ما هو أعجب من كل عجب ، وهو أن العقل لا يقوى على أن يحكم عليه بالعدم ، فإنه مجزأ مقسم بالسنة ، والشهر ، واليوم ، والساعة ، ومحكوم عليه بالزيادة والنقصان والمطابقة ، وكونه ماضيا ومستقبلا ، فكيف يكون معدوما ؟ ولا يمكنه أن يحكم عليه بالوجود لأن الحاضر غير قابل للقسمة والماضي والمستقبل معدومان ، فكيف يمكن الحكم عليه بالوجود ؟ ( وثالثها ) : أن بقية عمر المرء لا قيمة له ، فلو ضيعت ألف سنة ، ثم تبث في اللمحة الأخيرة من العمر بقيت في الجنة أبد الآباد فعلمت حينئذ أن أشرف الأشياء حياتك في تلك اللمحة ، فكأن الدهر والزمان من جملة أصول النعم ، فلذلك أقسم به ونبه على أن الليل والنهار فرصة يضيعها المكلف ، وإليه الإشارة بقوله : { وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا } ( ورابعها ) : وهو أن قوله تعالى في سورة الأنعام : { قل لمن ما في السموات والأرض قل لله } إشارة إلى المكان والمكانيات ، ثم قال : { وله ما سكن في الليل والنهار } وهو إشارة إلى الزمان والزمانيات ، وقد بينا هناك أن الزمان أعلم وأشرف من المكان ، فلما كان كذلك كان القسم بالعصر قسما بأشرف النصفين من ملك الله وملكوته ( وخامسها ) : أنهم كانوا يضيفون الخسران إلى نوائب الدهر ، فكأنه تعالى أقسم على أن الدهر والعصر نعمة حاصلة لا عيب فيها ، إنما الخاسر المعيب هو الإنسان ( وسادسها ) : أنه تعالى ذكر العصر الذي بمضيه ينتقص عمرك ، فإذا لم يكن في مقابلته كسب صار ذلك النقصان عن الخسران ، ولذلك قال : { لفي خسر } ومنه قول القائل :

إنا لنفرح بالأيام نقطعها *** وكل يوم مضى نقص من الأجل

فكأن المعنى : والعصر العجيب أمره حيث يفرح الإنسان بمضيه لظنه أنه وجد الربح مع أنه هدم لعمره وإنه لفي خسر ( والقول الثاني ) : وهو قول أبي مسلم : المراد بالعصر أحد طرفي النهار ، والسبب فيه وجوه ( أحدها ) : أنه أقسم تعالى بالعصر كما أقسم بالضحى لما فيهما جميعا من دلائل القدرة فإن كل بكرة كأنها القيامة يخرجون من القبور وتصير الأموات أحياء ويقام الموازين وكل عشية تشبه تخريب الدنيا بالصعق والموت ، وكل واحد من هاتين الحالتين شاهد عدل ثم إذا لم يحكم الحاكم عقيب الشاهدين عد خاسرا فكذا الإنسان الغافل عنهما في خسر ( وثانيها ) : قال الحسن رحمه الله : إنما أقسم بهذا الوقت تنبيها على أن الأسواق قد دنا وقت انقطاعها وانتهاء التجارة والكسب فيها ، فإذا لم تكتسب ودخلت الدار وطاف العيال عليك يسألك كل أحد ما هو حقه فحينئذ تخجل فتكون من الخاسرين ، فكذا نقول : والعصر أي عصر الدنيا قد دنت القيامة و[ أنت ] بعد لم تستعد وتعلم أنك تسأل غدا عن النعيم الذي كنت فيه في دنياك ، وتسأل في معاملتك مع الخلق وكل أحد من المظلومين يدعي ما عليك فإذا أنت خاسر ، ونظيره : { اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون } ، ( وثالثها ) : أن هذا الوقت معظم ، والدليل عليه قوله عليه السلام : «من حلف بعد العصر كاذبا لا يكلمه الله ولا ينظر إليه يوم القيامة » فكما أقسم في حق الرابح بالضحى فكذا أقسم في حق الخاسر بالعصر وذلك لأنه أقسم بالضحى في حق الرابح وبشر الرسول أن أمره إلى الإقبال وههنا في حق الخاسر توعده أن أمره إلى الإدبار ، ثم كأنه يقول بعض النهار : باق فيحثه على التدارك في البقية بالتوبة ، وعن بعض السلف : تعلمت معنى السورة من بائع الثلج كان يصيح ويقول : ارحموا من يذوب رأس ماله ، ارحموا من يذوب رأس ماله فقلت : هذا معنى : { إن الإنسان لفي خسر } يمر به العصر فيمضي عمره ولا يكتسب فإذا هو خاسر .

القول الثالث : وهو قول مقاتل : أراد صلاة العصر ، وذكروا فيه وجوها ( أحدها ) : أنه تعالى أقسم بصلاة العصر لفضلها بدليل قوله : { والصلاة الوسطى } صلاة العصر في مصحف حفصة وقيل في قوله : { تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله } إنها صلاة العصر ( وثانيها ) : قوله عليه السلام : «من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله » ( وثالثها ) : أن التكليف في أدائها أشق لتهافت الناس في تجاراتهم ومكاسبهم آخر النهار واشتغالهم بمعايشهم ( ورابعها ) : روي أن امرأة كانت تصيح في سكك المدينة وتقول : دلوني على النبي صلى الله عليه وسلم فرآها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألها ماذا حدث ؟ قالت : يا رسول الله إن زوجي غاب عني فزنيت فجاءني ولد من الزنا فألقيت الولد في دن من الخل حتى مات ، ثم بعنا ذلك الخل فهل لي من توبة ؟ فقال عليه السلام : أما الزنا فعليك الرجم ، أما قتل الولد فجزاؤه جهنم ، وأما بيع الخل فقد ارتكبت كبيرا ، لكن ظننت أنك تركت صلاة صلاة العصر » ففي هذا الحديث إشارة إلى تفخيم أمر هذه الصلاة ( وخامسها ) : أن صلاة العصر بها يحصل ختم طاعات النهار ، فهي كالتوبة بها يختم الأعمال ، فكما تجب الوصية بالتوبة كذا بصلاة العصر لأن الأمور بخواتيمها ، فأقسم بهذه الصلاة تفخيما لشأنها ، وزيادة توصية المكلف على أدائها وإشارة منه أنك إن أديتها على وجهها عاد خسرانك ربحا ، كما قال :

{ إلا الذين آمنوا } ( وسادسها ) : قال النبي صلى الله عليه وسلم : «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يكلمهم ولا يزكيهم -[ عد ] منهم- رجل حلف بعد العصر كاذبا » ( فإن قيل ) صلاة العصر فعلنا ، فكيف يجوز أن يقال : أقسم الله تعالى به ؟ ( والجواب ) : أنه ليس قسما من حيث إنها فعلنا ، بل من حيث إنها أمر شريف تعبدنا الله تعالى بها .

القول الرابع : أنه قسم بزمان الرسول عليه السلام ، واحتجوا عليه بقوله عليه السلام : «إنما مثلكم ومثل من كان قبلكم مثل رجل استأجر أجيرا ، فقال : من يعمل من الفجر إلى الظهر بقيراط ، فعملت اليهود ، ثم قال : من يعمل من الظهر إلى العصر بقيراط ، فعملت النصارى ، ثم قال : من يعمل من العصر إلى المغرب بقراطين ، فعملتم أنتم ، فغضبت اليهود والنصارى ، وقالوا : نحن أكثر عملا وأقل أجرا ! فقال الله : وهل نقصت من أجركم شيئا ، قالوا : لا ، قال : فهذا فضلي أوتيه من أشاء ، فكنتم أقل عملا وأكثر أجرا » فهذا الخبر دل على أن العصر هو الزمان المختص به وبأمته ، فلا جرم أقسم الله به ، فقوله : { والعصر } أي والعصر الذي أنت فيه فهو تعالى أقسم بزمانه في هذه الآية وبمكانه في قوله : { وأنت حل بهذا البلد } وبعمره في قوله : { لعمرك } فكأنه قال : وعصرك وبلدك وعمرك ، وذلك كله كالظرف له ، فإذا وجب تعظيم حال الظرف فقس حال المظروف ، ثم وجه القسم ، كأنه تعالى يقول : أنت يا محمد حضرتهم ودعوتهم ، وهم أعرضوا عنك وما التفتوا إليك ، فما أعظم خسرانهم وما أجل خذلانهم .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱلۡعَصۡرِ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة العصر

أهداف سورة العصر

( سورة العصر مكية ، وآياتها 3 آيات ، نزلت بعد سورة الشرح )

( وفي هذه السورة الصغيرة يتمثل منهج كامل للحياة البشرية كما يريدها الله ، وتبرز معالم التصور الإيماني بحقيقته الكبيرة الشاملة في أوضح وأدق صورة .

إنها تضع الدستور الإسلامي كله في كلمات قصار ، وتصف الأمة المسلمة : حقيقتها ووظيفتها في آية واحدة ، هي الآية الثالثة من السورة . . وهذا هو الإعجاز الذي لا يقدر عليه إلا الله .

والحقيقة الضخمة التي تقررها هذه السورة بمجموعها هي : أنه على امتداد الزمان في جميع العصور ، وامتداد الإنسان في جميع الدهور ، ليس هنالك إلا منهج واحد رابح ، وطريق واحد ناج هو ذلك المنهج الذي ترسم السورة حدوده وتوضح معالمه )i .

إن العمل الصالح هو الثمرة الطبيعية للإيمان ، وبذلك يصبح قوة دافعة ، وحركة وعملا ، وبناء وتعميرا يتجه إلى الله .

أما التواصي بالحق والصبر فيبرز صورة الأمة المسلمة متضامنة متضامّة ، خيّره واعية ، قائمة على حراسة الحق والخير ، متواصية بالحق والصبر في مودة وتعاون وتآخ .

مع آيات السورة

1 ، 2- والعصر* إنّ الإنسان لفي خسر . أقسم الله بالزمن وهو ماض لا يقف ، متغير لا يقرّ ، على أن الإنسان الذي يهمل إيمانه ومرضاة ربه خاسر مهما كان رابحا من مظاهر الحياة ، لأنه قد خسر الجنة وخسر الكمال المقدر له فيهما ، وخسر مرضاة الله وطاعته .

3- إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالصبر وتواصوا بالصبر .

المؤمن يدرك أنه جسم وروح ، وهو ذو قلب وعقل ، وذو عواطف وجوارح ، وسعادته في نمو هذه القوى نموّا متناسقا ، وفي دور الخلافة الرشيدة للمسلمين تعاونت قوة الروح والأخلاق والدين والعلم والأدوات المالية ، في تنشئة الإنسان الكامل وفي ظهور المدينة الصالحة .

وكانت حكومة المسلمين من أكبر حكومات العالم قوة وسياسة وسيادة ، وتزدهر فيها الأخلاق والفضيلة مع التجارة والصناعة ، ويساير الرقى الروحي التقدم المادي والحضاري .

وخلاصة السورة أن الناس جميعا في خسران إلا من اتصفوا بأربعة أشياء :

الإيمان ، والعمل الصالح ، والتواصي بالحق ، والتواصي بالصبر .

( وهذه السورة حاسمة في تحديد الطريق . . إنه الخسر ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر .

طريق واحد لا يتعدد ، طريق الإيمان والعمل الصالح ، وقيام الجماعة المسلمة التي تتواصى بالحق وتتواصى بالصبر ، وتقوم متضامنة على حراسة الحق ، مزودة بزاد الصبر .

إنه طريق واحد ، ومن ثم كان الرجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقيا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة ( العصر ) ثم يسلم أحدهما على الآخرii .

لقد كانا يتعاهدان على الإيمان والعمل الصالح ، والتناصح بالحق ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والصبر والتحمل في سبيل الدعوة إلى الهدى والرشاد .

مقاصد السورة

1- جنس الإنسان في خسر وضياع .

2- النجاة لمن آمن وعمل صالحا ، وحثّ على الفضيلة والحق ، وتحلى بالثبات والصبر .

بسم الله الرحمان الرحيم

{ والعصر 1 إنّ الإنسان لفي خسر 2 إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر 3 }

المفردات :

العصر : اسم للدهر ، أي : الزمن الذي يحياه الإنسان ، وقيل : أقسم الله بصلاة العصر لفضلها ، أو أقسم بالعشي كما أقسم بالضحى .

التفسير :

1 ، 2- والعصر* إنّ الإنسان لفي خسر .

أقسم الله تعالى بالعصر ، وهو الزمان والدهر ، وفيه الأيام والليالي والصباح والمساء ، والليل والنهار ، وفي الزمان نجد يد الله تقلّب الأمور ، فهو سبحانه يعزّ ويذل ، ويرفع ويضع ، ويعلى ويخفض ، وفي الزمان تبدّل الأحداث والدول ، والأحوال والمصالح .

وقيل : أقسم الله بصلاة العصر وتنبيها لأهميتها وفضلها ، حيث في أواخر النهار .

وقيل : يطلق العصر على وقت العشيّ ، وفيه الغروب والشفق ، كما أقسم سبحانه بالضحى .

ورجّح الطبري الرأي الأول ، فالحق سبحانه يريد أن ينبّه الإنسان إلى أهمية الزمان ، والصباح والمساء ، وكان أهل الجاهلية ينسبون الأحداث إلى الدهر ، فيقولون : زمان جائر أو دهر ظالم ، مع أن الذي يرفع ويضع ، ويعطي ويمنع ، هو الله تعالى وليس الدهر .

أخرج الإمام مسلم في صحيحه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تسبّوا الدهر ، فإن الله هو الدهر )iii .

أي أن الله هو الذي يقلّب الليل على النهار ، والنهار على الليل ، وهو الذي يعزّ ويذل .

قال تعالى : قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممّن تشاء وتعزّ من تشاء وتذلّ من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير . ( آل عمران : 26 ) .