مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{كَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَى ٱلۡمُقۡتَسِمِينَ} (90)

ثم قال بعده : { كما أنزلنا على المقتسمين } وفيه بحثان :

البحث الأول : اختلفوا في أن المقتسمين من هم ؟ وفيه أقوال :

القول الأول : قال ابن عباس : هم الذين اقتسموا طرق مكة يصدون الناس عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقرب عددهم من أربعين . وقال مقاتل بن سليمان : كانوا ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم ، فاقتسموا عقبات مكة وطرقها يقولون لمن يسلكها لا تغتروا بالخارج منا ، والمدعي للنبوة فإنه مجنون ، وكانوا ينفرون الناس عنه بأنه ساحر أو كاهن أو شاعر ، فأنزل الله تعالى بهم خزيا فماتوا شر ميتة ، والمعنى : أنذرتكم مثل ما نزل بالمقتسمين .

والقول الثاني : وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما في بعض الروايات أن المقتسمين هم اليهود والنصارى ، واختلفوا في أن الله تعالى لم سماهم مقتسمين ؟ فقيل لأنهم جعلوا القرآن عضين آمنوا بما وافق التوراة وكفروا بالباقي . وقال عكرمة : لأنهم اقتسموا القرآن استهزاء به ، فقال بعضهم : سورة كذا لي . وقال بعضهم : سورة كذا لي . وقال مقاتل بن حبان : اقتسموا القرآن فقال بعضهم سحر . وقال بعضهم شعر ، وقال بعضهم كذب ، وقال بعضهم : أساطير الأولين .

والقول الثالث : في تفسير المقتسمين . قال ابن زيد : هم قوم صالح تقاسموا لنبيتنه وأهله ، فرمتهم الملائكة بالحجارة حتى قتلوهم ، فعلى هذا ، الاقتسام من القسم لا من القسمة ، وهو اختيار ابن قتيبة .

البحث الثالث : أن قوله : { كما أنزلنا على المقتسمين } يتقضي تشبيه شيء بذلك فما ذلك الشيء ؟

والجواب عنه من وجهين :

الوجه الأول : التقدير : ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم كما أنزلنا على أهل الكتاب وهم المقتسمون الذين جعلوا القرآن عضين ، حيث قالوا بعنادهم وجهلهم بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل ، وبعضه باطل مخالف لهما فاقتسموه إلى حق وباطل .

فإن قيل : فعلى هذا القول كيف توسط بين المشبه والمشبه به قوله : { ولا تمدن عينيك } إلى آخره ؟

قلنا : لما كان ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن تكذيبهم وعداوتهم ، اعترض بما هو مدار لمعنى التسلية من النهي عن الالتفات إلى دنياهم والتأسف على كفرهم .

والوجه الثاني : أن يتعلق هذا الكلام بقوله : { وقل إني أنا النذير المبين } . واعلم أن هذا الوجه لا يتم إلا بأحد أمرين : إما التزام إضمار أو التزام حذف ، أما الإضمار فهو أن يكون التقدير إني أنا النذير المبين عذابا كما أنزلناه على المقتسمين ، وعلى هذا الوجه ، المفعول محذوف وهو المشبه ، ودل عليه المشبه به ، وهذا كما تقول : رأيت كالقمر في الحسن ، أي رأيت إنسانا كالقمر في الحسن ، وأما الحذف فهو أن يقال : الكاف زائدة محذوفة ، والتقدير : إني أنا النذير المبين ما أنزلناه على المقتسمين ، وزيادة الكاف له نظير وهو قوله تعالى : { ليس كمثله شيء } والتقدير : ليس مثله شيء ، وقال بعضهم : لا حاجة إلى الإضمار والحذف ، والتقدير : إني أنا النذير أي أنذر قريشا مثل ما أنزلنا من العذاب على المقتسمين .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{كَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَى ٱلۡمُقۡتَسِمِينَ} (90)

المفردات :

كما أنزلنا على المقتسمين : أي : مثل العذاب الذي أنزلناه على المقتسمين ، وهم رجال اقتسموا مداخل مكة أيام الحج ؛ لينفّروا الناس من الإسلام ، وقال الطبري : المقتسمين : اليهود والنصارى ، وكان اقتسامهم : أنهم اقتسموا الكتاب فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه .

التفسير :

{ كما أنزلنا على المقتسمين } .

تحتمل هذه الآية المعاني الآتية :

1{ ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم } ، كما آتينا من قبلك من اليهود والنصارى : التوراة والإنجيل ، وهم الذين اقتسموا القرآن وجزّءوه أجزاء ، فآمنوا ببعضه الذي وافق كتابيهما ، وكفروا ببعضه وهو ما خالفهما ، أخرج ذلك البخاري وغيره .

2 المعنى الثاني :

أن يتعلق : { كما أنزلنا على المقتسمين } . بقوله تعالى : { وقل إني أنا النذير المبين } . أي : وأنذر قريشا بالعذاب مثل ما أنزلنا على المقتسمين - يعني : اليهود وهو ما جرى على قريظة والنضير ، فجعل المتوقع بمنزلة الواقع ، وهو من الإعجاز ؛ لأنه إخبار بما سيكون ، وقد كانxxxiv .

3 المعنى الثالث :

أي : أنذر الكافرين بالعذاب ؛ { كما أنزلنا على المقتسمين } . أي : مثل ما أنزلنا من العذاب على المقتسمين ، وهم أصحاب صالح عليه السلام ، الذين تقاسموا بالله : لنبيتنه وأهله ، أي : نقتلنهم ليلا ، فأخذتهم الصيحة ، فالاقتسام من القسم لا من القسمةxxxv .

4 المعنى الرابع :

أنذر قريشا بعذاب مثل ما أنزلنا على المقتسمين ، وهم : الاثنا عشر ، اقتسموا مداخل مكة أيام الموسم ، فتعدوا في كل مدخل متفرقين ؛ لينفّروا الناس عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ يقول بعضهم : لا تغتروا بالخارج منا ؛ فإنه ساحر ، ويقول الآخر : كذاب ، والآخر : شاعر ، فأهلكهم الله يوم بدر وقبله بآفات ، كالوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل ، والأسود بن المطلب وغيرهمxxxvi .