ثم قال بعده : { كما أنزلنا على المقتسمين } وفيه بحثان :
البحث الأول : اختلفوا في أن المقتسمين من هم ؟ وفيه أقوال :
القول الأول : قال ابن عباس : هم الذين اقتسموا طرق مكة يصدون الناس عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقرب عددهم من أربعين . وقال مقاتل بن سليمان : كانوا ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم ، فاقتسموا عقبات مكة وطرقها يقولون لمن يسلكها لا تغتروا بالخارج منا ، والمدعي للنبوة فإنه مجنون ، وكانوا ينفرون الناس عنه بأنه ساحر أو كاهن أو شاعر ، فأنزل الله تعالى بهم خزيا فماتوا شر ميتة ، والمعنى : أنذرتكم مثل ما نزل بالمقتسمين .
والقول الثاني : وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما في بعض الروايات أن المقتسمين هم اليهود والنصارى ، واختلفوا في أن الله تعالى لم سماهم مقتسمين ؟ فقيل لأنهم جعلوا القرآن عضين آمنوا بما وافق التوراة وكفروا بالباقي . وقال عكرمة : لأنهم اقتسموا القرآن استهزاء به ، فقال بعضهم : سورة كذا لي . وقال بعضهم : سورة كذا لي . وقال مقاتل بن حبان : اقتسموا القرآن فقال بعضهم سحر . وقال بعضهم شعر ، وقال بعضهم كذب ، وقال بعضهم : أساطير الأولين .
والقول الثالث : في تفسير المقتسمين . قال ابن زيد : هم قوم صالح تقاسموا لنبيتنه وأهله ، فرمتهم الملائكة بالحجارة حتى قتلوهم ، فعلى هذا ، الاقتسام من القسم لا من القسمة ، وهو اختيار ابن قتيبة .
البحث الثالث : أن قوله : { كما أنزلنا على المقتسمين } يتقضي تشبيه شيء بذلك فما ذلك الشيء ؟
الوجه الأول : التقدير : ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم كما أنزلنا على أهل الكتاب وهم المقتسمون الذين جعلوا القرآن عضين ، حيث قالوا بعنادهم وجهلهم بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل ، وبعضه باطل مخالف لهما فاقتسموه إلى حق وباطل .
فإن قيل : فعلى هذا القول كيف توسط بين المشبه والمشبه به قوله : { ولا تمدن عينيك } إلى آخره ؟
قلنا : لما كان ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن تكذيبهم وعداوتهم ، اعترض بما هو مدار لمعنى التسلية من النهي عن الالتفات إلى دنياهم والتأسف على كفرهم .
والوجه الثاني : أن يتعلق هذا الكلام بقوله : { وقل إني أنا النذير المبين } . واعلم أن هذا الوجه لا يتم إلا بأحد أمرين : إما التزام إضمار أو التزام حذف ، أما الإضمار فهو أن يكون التقدير إني أنا النذير المبين عذابا كما أنزلناه على المقتسمين ، وعلى هذا الوجه ، المفعول محذوف وهو المشبه ، ودل عليه المشبه به ، وهذا كما تقول : رأيت كالقمر في الحسن ، أي رأيت إنسانا كالقمر في الحسن ، وأما الحذف فهو أن يقال : الكاف زائدة محذوفة ، والتقدير : إني أنا النذير المبين ما أنزلناه على المقتسمين ، وزيادة الكاف له نظير وهو قوله تعالى : { ليس كمثله شيء } والتقدير : ليس مثله شيء ، وقال بعضهم : لا حاجة إلى الإضمار والحذف ، والتقدير : إني أنا النذير أي أنذر قريشا مثل ما أنزلنا من العذاب على المقتسمين .
كما أنزلنا على المقتسمين : أي : مثل العذاب الذي أنزلناه على المقتسمين ، وهم رجال اقتسموا مداخل مكة أيام الحج ؛ لينفّروا الناس من الإسلام ، وقال الطبري : المقتسمين : اليهود والنصارى ، وكان اقتسامهم : أنهم اقتسموا الكتاب فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه .
{ كما أنزلنا على المقتسمين } .
تحتمل هذه الآية المعاني الآتية :
1{ ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم } ، كما آتينا من قبلك من اليهود والنصارى : التوراة والإنجيل ، وهم الذين اقتسموا القرآن وجزّءوه أجزاء ، فآمنوا ببعضه الذي وافق كتابيهما ، وكفروا ببعضه وهو ما خالفهما ، أخرج ذلك البخاري وغيره .
أن يتعلق : { كما أنزلنا على المقتسمين } . بقوله تعالى : { وقل إني أنا النذير المبين } . أي : وأنذر قريشا بالعذاب مثل ما أنزلنا على المقتسمين - يعني : اليهود وهو ما جرى على قريظة والنضير ، فجعل المتوقع بمنزلة الواقع ، وهو من الإعجاز ؛ لأنه إخبار بما سيكون ، وقد كانxxxiv .
أي : أنذر الكافرين بالعذاب ؛ { كما أنزلنا على المقتسمين } . أي : مثل ما أنزلنا من العذاب على المقتسمين ، وهم أصحاب صالح عليه السلام ، الذين تقاسموا بالله : لنبيتنه وأهله ، أي : نقتلنهم ليلا ، فأخذتهم الصيحة ، فالاقتسام من القسم لا من القسمةxxxv .
أنذر قريشا بعذاب مثل ما أنزلنا على المقتسمين ، وهم : الاثنا عشر ، اقتسموا مداخل مكة أيام الموسم ، فتعدوا في كل مدخل متفرقين ؛ لينفّروا الناس عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ يقول بعضهم : لا تغتروا بالخارج منا ؛ فإنه ساحر ، ويقول الآخر : كذاب ، والآخر : شاعر ، فأهلكهم الله يوم بدر وقبله بآفات ، كالوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل ، والأسود بن المطلب وغيرهمxxxvi .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.