مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{تِلۡكَ أُمَّةٞ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ وَلَا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (134)

أما قوله تعالى : { تلك أمة قد خلت } فهو إشارة إلى من ذكرهم الله تعالى في الآية المتقدمة ، وهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وبنوه الموحدون . و{ الأمة } الصنف . { خلت } سلفت ومضت وانقرضت ، والمعنى أني اقتصصت عليكم أخبارهم وما كانوا عليه من الإسلام والدعوة إلى الإسلام فليس لكم نفع في سيرتهم دون أن تفعلوا ما فعلوه ، فإن أنتم فعلتم ذلك انتفعتم وإن أبيتم لم تنتفعوا بأفعالهم ، والآية دالة على مسائل :

المسألة الأولى : الآية دالة على بطلان التقليد ، لأن قوله : { لها ما كسبت } يدل على أن كسب كل أحد يختص به ولا ينتفع به غيره ، ولو كان التقليد جائزا لكان كسب المتبوع نافعا للتابع ، فكأنه قال : إني ما ذكرت حكاية أحوالهم طلبا منكم أن تقلدوهم ، ولكن لتنبهوا على ما يلزمكم فتستدلوا وتعلموا أن ما كانوا عليه من الملة هو الحق .

المسألة الثانية : الآية دالة على ترغيبهم في الإيمان ، واتباع محمد عليه الصلاة والسلام ، وتحذيرهم من مخالفته .

المسألة الثالثة : الآية دالة على أن الأبناء لا يثابون على طاعة الآباء بخلاف قول اليهود من أن صلاح آبائهم ينفعهم ، وتحقيقه ما روي عنه عليه السلام أنه قال : «يا صفية عمة محمد ، يا فاطمة بنت محمد ، ائتوني يوم القيامة بأعمالكم لا بأنسابكم فإني لا أغني عنكم من الله شيئا » .

وقال ( ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه ) وقال الله تعالى { فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } وقال تعالى { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به } وكذلك قوله تعالى { ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى } وقال فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم } .

المسألة الرابعة : الآية تدل على بطلان قول من يقول : الأبناء يعذبون بكفر آبائهم ، وكان اليهود يقولون : إنهم يعذبون في النار لكفر آبائهم باتخاذ العجل ، وهو قوله تعالى { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } وهي أيام عبادة العجل فبين الله تعالى بطلان ذلك .

المسألة الخامسة : الآية دالة على أن العبد مكتسب وقد اختلف أهل السنة والمعتزلة في تفسير الكسب . أما أهل السنة فقد اتفقوا على أنه ليس معنى كون العبد مكتسبا دخول شيء من الأعراض بقدرته من العدم إلى الوجود ، ثم بعد اتفاقهم على هذا الأصل ذكروا لهذا الكسب ثلاث تفسيرات ( أحدها ) وهو قول الأشعري رضي الله عنه أن القدرة صفة متعلقة بالمقدور من غير تأثير القدرة في المقدور ، بل القدرة والمقدور حصلا بخلق الله تعالى ، كما أن العلم والمعلوم حصلا بخلق الله تعالى ، لكن الشيء الذي حصل بخلق الله تعالى وهو متعلق القدرة الحادثة هو الكسب ( وثانيها ) أن ذات الفعل توجد بقدرة الله تعالى ، ثم يحصل لذلك الفعل وصف كونه طاعة أو معصية وهذه الصفة حاصلة بالقدرة الحادثة . وهو قول أبي بكر الباقلاني ( وثالثها ) أن القدرة الحادثة والقدرة القديمة ، إذا تعلقتا بمقدور واحد وقع المقدور بهما ، وكأنه فعل العبد وقع بإعانة الله ، فهذا هو الكسب وهذا يعزى إلى أبي إسحاق الأسفرايني لأنه يروى عنه أنه قال الكسب والفعل الواقع بالمعين .

أما القائلون بأن القدرة الحادثة مؤثرة ، فهم فريقان ( الأول ) الذين يقولون بأن القدرة مع الداعي توجب الفعل فالله تعالى هو الخالق للكل بمعنى أنه سبحانه وتعالى هو الذي وضع الأسباب المؤدية إلى دخول هذه الأفعال في الوجود والعبد هو المكتسب بمعنى أن المؤثر في وقوع فعله هو القدرة والداعية القائمتان به ، وهذا مذهب إمام الحرمين رحمه الله تعالى اختاره في الكتاب الذي سماه بالنظامية ويقرب قول أبي الحسين البصري منه وإن كان لا يصرح به .

الفريق الثاني من المعتزلة ، وهم الذين يقولون : القدرة مع الداعي لا توجب الفعل ، بل العبد قادر على الفعل والترك متمكن منهما ، إن شاء فعل وإن شاء ترك ، وهذا الفعل والكسب قالت المعتزلة للأشعري : إذا كان مقدور العبد واقعا بخلق الله تعالى ، فإذا خلقه فيه استحال من العبد أن لا يتصف في ذلك الوقت بذلك الفعل ، وإذا لم يخلقه فيه : استحال منه في ذلك الوقت أن يتصف به . وإذا كان كذلك لم يكن البتة متمكنا من الفعل والترك ولا معنى للقادر إلا ذلك ، فالعبد البتة غير قادر ، وأيضا فهذا الذي هو مكتسب العبد . إما أن يكون واقعا بقدرة الله ، أو لم يقع البتة بقدرة الله ، أو وقع بالقدرتين معا ، فإن وقع بقدرة الله تعالى لم يكن العبد فيه مؤثرا فكيف يكون مكتسبا له ؟ وإن وقع بقدرة العبد فهذا هو المطلوب وإن وقع بالقدرتين معا فهذا محال ، لأن قدرة الله تعالى مستقلة بالإيقاع ، فعند تعلق قدرة الله تعالى به فكيف يبقى لقدرة العبد فيه أثر ، وأما قول الباقلاني فضعيف ، لأن المحرم من الجلوس في الدار المغصوبة ليس إلا شغل تلك الأحياز ، فهذا الشغل إن حصل بفعل الله تعالى فنفس المنهي عنه قد خلقه الله تعالى فيه وهذا هو عين تكليف ما لا يطاق ، وإن حصل بقدرة العبد فهو المطلوب ، وأما قول الأسفرايني فضعيف لما بينا أن قدرة الله تعالى مستقلة بالتأثير ، فلا يبقى لقدرة العبد معها أثر البتة ، قال أهل السنة : كون العبد مستقلا بالإيجاد والخلق محال لوجوه ( أولها ) أن العبد لو كان موجدا لأفعاله ، لكان عالما بتفاصيل فعله ، وهو غير عالم بتلك التفاصيل ، فهو غير موجد لها ( وثانيها ) لو كان العبد موجدا لفعل نفسه ؛ لما وقع إلا ما أراده العبد ، وليس كذلك ، لأن الكافر يقصد تحصيل العلم فلا يحصل إلا الجهل ( وثانيها ) لو كان العبد موجدا لفعل نفسه لكان كونه موجدا لذلك الفعل زائدا على ذات ذلك الفعل وذات القدرة لأنه يمكننا أن نعقل ذات الفعل وذات القدرة مع الذهول عن كون العبد موجدا له ، والمعقول غير المغفول عنه ، ثم تلك الموجدية حادثة ، فإن كان حدوثها بالعبد لزم افتقارها إلى موجدية أخرى ، ولزم التسلسل وهو محال ، وإن كان الله تعالى والأثر واجب الحصول عند حصول الموجدية فيلزم استناد الفعل إلى الله تعالى ، ولا يلزمنا ذلك في موجدية الله تعالى لأنه قديم ، فكانت موجديته قديمة فلا يلزم افتقار تلك الموجدية إلى موجدية أخرى .

هذا ملخص الكلام من الجانبين والمنازعات بين الفريقين في الألفاظ والمعاني كثيرة والله الهادي .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{تِلۡكَ أُمَّةٞ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ وَلَا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (134)

المفردات :

الأمة : الجماعة ، والإشارة إلى الأنبياء الثلاثة .

خلت : مضت وذهبت .

لها ما كسبت : ما عملت .

ولكم ما كسبتم : أي أنتم مجازون بأعمالكم .

التفسير :

134- تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون .

تلك : إشارة إلى إبراهيم وبنيه .

أي أن إبراهيم وذريته أمة قد انقرضت ومضت ، لها جزاء ما كسبت من خير أو شر ، فإن من سنة الله في عباده أن يتحمل كل إنسان مسؤولية عمله وألا يجزي أحد إلا بكسبه وعمله هو ، ور يسأل عما عمل سواه .

قال تعالى : أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى . ( النجم : 36-39 ) .

وجاء في الحديث : «يا بني هاشم لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم »( 314 ) .

وقال الغزالي : إذا كان الجائع يشبع إذا أكل واله دونه ، والظمآن يروي إذا شرب والده وإن لم يشرب ، فالعاصي ينجو بصلاح والده .

وقد كانت الدعوة إلى الإيمان بالله والعمل الصالح رسالة الأنبياء جميعا ، فهم هداة إلى التوحيد ودعاة إلى مكارم الأخلاق ، ومرشدون إلى إخلاص العمل لله ، وإسلام الوجه له واتباع تعاليم الإسلام .

وفي القرآن الكريم آيات صرحت بأن الإسلام للذين الذي دعا إليه كل الأنبياء ، وانتسب إليه أتباعهم ، فنوح قال لقومه : وأمرت أن أكون من المسلمين . ( يونس : 72 ) وموسى قال لقومه : يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين . ( آل عمران : 52 ) .

والحواريون قالوا لعيسى : آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون . ( يونس : 84 ) .

بل إن فريقا من أهل الكتاب حين سمعوا القرآن أشرقت قلوبهم لدعوته وقالوا : آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين( القصص : 53 ) .

لقد كانت الشرائع السماوية خطوات متصاعدة ، ولبنات متراكمة في بنيان الدين والأخلاق وسياسة المجتمع ، وكانت مهمة اللبنة الأخيرة أن أكملت البنيان وملأت ما بقي من فراغ ، وأنها في الوقت نفسه كانت بمثابة حجر الزاوية الذي يمسك أركان البناء .

يقول الدكتور محمد عبد الله دراز : يجب أن نفهم أن تعديل الشريعة المتأخرة للمتقدمة ليس نقضا لها وإنما وقوفا بها عند وقتها المناسب وأجلها المقدر .

مثل ذلك كمثل ثلاثة من الأطباء جاء أحدهم إلى الطفل في الطور الأول من حياته فقصر غذاءه على اللبن .

وجاء الثاني في مرحلته التالية فقرر له طعاما لينا وطعاما نشويا خفيفا .

وجاء الثالث في المرحلة التي بعدها فأمر له بغذاء كامل .

لا ريب أن ها هنا اعترافا ضمنيا من كل واحد منهم بأن صاحبه كان موفقا كل التوثيق في علاج الحالة التي عرضت عليه ، هكذا الشرائع السماوية كلها صدق وعدل في جملتها وتفصيلها ، وكلها يصدق بعضها بعضا من أنفها إلى يائها ( 315 ) .

قال صلى الله عليه وسلم : «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وجمله إلا موضع لبنة فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون : هلا وضعت هذه اللبنة ، فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين( 316 ) . » .