قوله تعالى: الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا وأذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } .
اعلم أنه تعالى لما عظم أمر الإنفاق في سبيل الله ، أتبعه ببيان الأمور التي يجب تحصيلها حتى يبقى ذلك الثواب ، منها ترك المن والأذى ثم في الآية مسائل :
المسألة الأولى : نزلت الآية في عثمان وعبد الرحمن بن عوف ، أما عثمان فجهز جيش العسرة في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها وألف دينار ، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه يقول : يا رب عثمان رضيت عنه فارض عنه ، وأما عبد الرحمن بن عوف فإنه تصدق بنصف ماله أربعة آلاف دينار فنزلت الآية .
المسألة الثانية : قال بعض المفسرين : إن الآية المتقدمة مختصة بمن أنفق على نفسه ، وهذه الآية بمن أنفق على غيره فبين تعالى أن الإنفاق على الغير إنما يوجب الثواب العظيم المذكور في الآية إذا لم يتبعه بمن ولا أذى قال القفال رحمه الله : وقد يحتمل أن يكون هذا الشرط معتبرا أيضا فيمن أنفق على نفسه ، وذلك هو أن ينفق على نفسه ويحضر الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين ابتغاء لمرضاة الله تعالى ، ولا يمن به على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، ولا يؤذي أحدا من المؤمنين ، مثل أن يقول : لو لم أحضر لما تم هذا الأمر ، ويقول لغيره : أنت ضعيف بطال لا منفعة منك في الجهاد .
المسألة الثالثة : المن في اللغة على وجوه أحدها : بمعنى الإنعام ، يقال : قد من الله على فلان ، إذا أنعم ، أو لفلان على منة ، وأنشد ابن الأنباري :
فمنى علينا بالسلام فإنما *** كلامك ياقوت ودر منظم
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : « ما من الناس أحد أمن علينا في صحبته ولا ذات يده من ابن أبي قحافة » يريد أكثر إنعاما بماله ، وأيضا الله تعالى يوصف بأنه منان أي منعم .
والوجه الثاني : في التفسير المن النقص من الحق والبخس له ، قال تعالى : { وإن لك لأجرا غير ممنون } أي غير مقطوع وغير ممنوع ، ومنه سمي الموت : منونا لأنه ينقص الأعمار ، ويقطع الأعذار : ومن هذا الباب المنة المذمومة ، لأن ينقص النعمة ، ويكدرها ، والعرب يمتدحون بترك المن بالنعمة ، قال قائلهم :
زاد معروفك عندي عظما *** أنه عندي مستور حقير
تتناساه كأن لم تأته *** وهو في العالم مشهور كثير
إذا عرفت هذا فنقول : المن هو إظهار الاصطناع إليهم ، والأذى شكايته منهم بسبب ما أعطاهم وإنما كان المن مذموما لوجوه الأول : أن الفقير الآخذ للصدقة منكسر القلب لأجل حاجته إلى صدقة غير معترف باليد العليا للمعطي ، فإذا أضاف المعطي إلى ذلك إظهار ذلك الإنعام ، زاد ذلك في انكسار قلبه ، فيكون في حكم المضرة بعد المنفعة ، وفي حكم المسيء إليه بعد أن أحسن إليه والثاني : إظهار المن يبعد أهل الحاجة عن الرغبة في صدقته إذا اشتهر من طريقه ذلك الثالث : أن المعطي يجب أن يعتقد أن هذه النعمة من الله تعالى عليه ، وأن يعتقد أن لله عليه نعما عظيمة حيث وفقه لهذا العمل ، وأن يخاف أنه هل قرن بهذا الإنعام ما يخرجه عن قبول الله إياه ، ومتى كان الأمر كذلك امتنع أن يجعله منة على الغير الرابع : وهو السر الأصلي أنه إن علم أن ذلك الإعطاء إنما تيسر لأن الله تعالى هيأ له أسباب الإعطاء وأزال أسباب المنع ، ومتى كان الأمر كذلك كان المعطي هو الله في الحقيقة لا العبد ، فالعبد إذا كان في هذه الدرجة كان قلبه مستنيرا بنور الله تعالى وإذا لم يكن كذلك بل كان مشغولا بالأسباب الجسمانية الظاهرة وكان محروما عن مطالعة الأسباب الربانية الحقيقة فكان في درجة البهائم الذين لا يترقى نظرهم عن المحسوس إلى المعقول وعن الآثار إلى المؤثر ، وأما الأذى فقد اختلفوا فيه ، منهم من حمله على الإطلاق في أذى المؤمنين وليس ذلك بالمن بل يجب أن يكون مختصا بما تقدم ذكره وهو مثل أن يقول للفقير : أنت أبدا تجيئني بالإيلام وفرج الله عني منك وباعد ما بيني وبينك ، فبين سبحانه وتعالى أن من أنفق ماله ثم أنه لا يتبعه المن والأذى فله الأجر العظيم والثواب الجزيل .
فإن قيل : ظاهر اللفظ أنهما بمجموعهما يبطلان الأجر فيلزم أنه لو وجد أحدهما دون الثاني لا يبطل الأجر .
قلنا : بل الشرط أن لا يوجد واحد منهما لأن قوله { لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى } يقتضي أن لا يقع منه لا هذا ولا ذاك .
المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : الآية دالة على أن الكبائر تحبط ثواب فاعلها ، وذلك لأنه تعالى بين أن هذا الثواب إنما يبقى إذا لم يوجد المن والأذى ، لأنه لو ثبت مع فقدهما ومع وجودهما لم يكن لهذا الاشتراط فائدة .
أجاب أصحابنا بأن المراد من الآية أن حصول المن والأذى يخرجان الإنفاق من أن يكون فيه أجر وثواب أصلا ، من حيث يدلان على أنه إنما أنفق لكي يمن ، ولم ينفق لطلب رضوان الله ، ولا على وجه القربة والعبادة ، فلا جرم بطل الأجر ، طعن القاضي في هذا الجواب فقال : إنه تعالى بين أن هذا الإنفاق قد صح ، ولذلك قال : { ثم لا يتبعون ما أنفقوا } وكلمة { ثم } للتراخي ، وما يكون متأخرا عن الإنفاق موجب للثواب ، لأن شرط المتأثر يجب أن يكون حاصلا حال حصول المؤثر لا بعده .
أجاب أصحابنا عنه من وجوه الأول : أن ذكر المن والأذى وإن كان متأخرا عن الإنفاق ، إلا أن هذا الذكر المتأخر يدل ظاهرا على أنه حين أنفق ما كان إنفاقه لوجه الله ، بل لأجل الترفع على الناس وطلب الرياء والسمعة ، ومتى كان الأمر كذلك كان إنفاقه غير موجب للثواب والثاني : هب أن هذا الشرط متأخر ، ولكن لم يجوز أن يقال : إن تأثير المؤثر يتوقف على أن لا يوجد بعده ما يضاده على ما هو مذهب أصحاب الموافاة ، وتقريره معلوم في علم الكلام .
المسألة الخامسة : الآية دلت أن المن والأذى من الكبائر ، حيث تخرج هذه الطاعة العظيمة بسبب كل واحد منهما عن أن تفيد ذلك الثواب الجزيل .
أما قوله { لهم أجرهم } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن العمل يوجب الأجر على الله تعالى ، وأصحابنا يقولون : حصول الأجر بسبب الوعد لا بسبب نفس العمل لأن العمل واجب على العبد وأداء الواجب لا يوجب الأجر .
المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على نفي الإحباط ، وذلك لأنها تدل على أن الأجر حاصل لهم على الإطلاق ، فوجب أن يكون الأجر حاصلا لهم بعد فعل الكبائر ، وذلك يبطل القول بالإحباط .
المسألة الثالثة : أجمعت الأمة على أن قوله { لهم أجرهم عند ربهم } مشروط بأن لا يوجد منه الكفر ، وذلك يدل على أنه يجوز التكلم بالعام لإرادة الخاص ، ومتى جاز ذلك في الجملة لم تكن دلالة اللفظ العام على الاستغراق دلالة قطعية ، وذلك يوجب سقوط دلائل المعتزلة في التمسك بالعمومات على القطع بالوعيد .
أما قوله { ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ففيه قولان الأول : أن إنفاقهم في سبيل الله لا يضيع ، بل ثوابه موفر عليهم يوم القيامة ، لا يخافون من أن لا يوجد ، ولا يحزنون بسبب أن لا يوجد ، وهو كقوله تعالى : { ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما } [ طه : 112 ] والثاني : أن يكون المراد أنهم يوم القيامة لا يخافون العذاب البتة ، كما قال : { وهم من فزع يومئذ ءامنون } [ النمل : 89 ] وقال : { لا يحزنهم الفزع الأكبر } [ الأنبياء : 103 ] .
262- { الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله } استئناف جيء به لبيان كيفية الإنفاق الذي يحبه الله . ويجازي عليه المنفقين بالجزاء العظيم وقوله : { ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى } تحذير للمتصدق من هاتين الصفتين الذميمتين لأنهما مبطلتان لثواب الصدقة .
و المن معناه : أن يتطاول المحسن بإحسانه على من أحسن إليه ويتفاخر عليه بسبب ما أعطاه من عطايا . كأن يقول على سبيل التفاخر والتعيير لقد أحسنت إليك وأنقذتك من الفقر وما يشبه ذلك .
قال الإمام الرازي ما مخلصه : والمن في اللغة على وجوه فقد يأتي بمعنى الإنعام يقال قد من الله على فلان إذا انعم عليه بنعمة وقد يأتي بمعنى النقص من الحق والبخس له قال تعالى- وإن لك لأجرا غير ممنون ( القلم 3 ) . أي غير مقطوع وغير ممنوع ومنه سمي الموت منونا لأنه يقطع الأعمار ومن هذا الباب المنة المذمومة لأنها تنقص النعمة وتكدرها والعرب يمتدحون بترك المن بالنعمة والمراد بالمن في الآية المن المذموم هو بمعنى إظهار الاصطناع إليهم ( 33 ) .
و قال صاحب الكشاف : المن : أن يعتد على من أحسن بإحسانه ويريد أنه اصطنعه وأوجب عليه حقا وكانوا يقولون إذ صنعتم صنيعة فانسوها ولبعضهم .
و ان امرؤ أسدى إلى صنيعة *** وذكرنيها إنه للئيم
و في نوابغ الكلم : " صنوان من منح سائله ومنّ ومن منع نائله وضن والمراد بالأذى في الآية أن يقول المعطى لمن أعطاه قولا يؤذيه او يفعل معه فعلا يسئ به إليه وهو أعم من المن إذ المن نوع من الأذى لكنه نص عليه لكثرة وقوعه ( 34 ) .
و جاء العطف بثم في الجملة الكريمة لإظهار التفاوت الشديد في الرتبة بين الإنفاق الذي يحبه الله وبين الإنفاق الذي يصاحبه المن والأذى والإشعار بان المن والأذى بغيضان عند الإنفاق وبعده فعلى المنفق أن يستمر في أدبه وإخلاصه وقت الإنفاق وبعده حتى لا يذهب ثوابه إذ المن والاذى مبطلان للثواب في أي وقت يحصلان فيه .
قال الشيخ ابن المنير مبينا أن " ثم " هنا تفيد استمرار الفعل بجانب إفادتها للتفاوت في الرتبة : وعندي فيها - أي في ثم - وجه آخر محتمل في هذه الآية ونحوها وهو الدلالة على دوام الفعل المعطوف بها وإرخاء الطول في استصحابه فهي على هذا لم تخرج على الإشعار ببعد الزمن ولكن معناها الأصلي تراخي زمن وقوع الفعل وحدوثه ومعناه المستعار إليه دوام وجود الفعل وتراخي زمن بقائه وعليه حمل قوله : { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } أي وداوموا على هذه الاستقامة دواما متراخيا ممتد الأمد . . و كذلك قوله تعالى هنا : { ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى } أي يدومون على تناسي الإحسان وعلى ترك الاعتداد به والامتنان والأذى . . ( 35 ) .
و كرر- سبحانه النفي في قوله : { ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى } لتأكيده وشموله لأفراد كل واحد منهما أي يجب ألا يقع منهم أي نوع من أنواع المن ولا أي نوع من أنواع الأذى حتى لقد قال بعض الصالحين : " لئن ظننت أن سلامك يثقل على ما أنفقت عليه بنفقة تبتغي بها وجه الله فلا تسلم عليه " .
ثم ختم سبحانه الآية ببيان عاقبة المنفقين بلا من ولا أذى فقال : { لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } . أي لهم جزاؤهم العظيم مكافأة لهم على أدبهم وإخلاصهم عند مربيهم مالك أمرهم ولا خوف عليهم مما سيجدونه في مستقبلهم ولا هم يحزنون على ماضيهم وذلك لأن الله تعالى قد أحاطهم برعايته في دنياهم وأخراهم وعوضهم عما فارقوه خير عوض وأكرمه .