مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{۞قَوۡلٞ مَّعۡرُوفٞ وَمَغۡفِرَةٌ خَيۡرٞ مِّن صَدَقَةٖ يَتۡبَعُهَآ أَذٗىۗ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٞ} (263)

قوله تعالى { قول معروف ومغفرة من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم ، يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فبمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين ، ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فأتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير } .

أما القول المعروف ، فهو القول الذي تقبله القلوب ولا تنكره ، والمراد منه ههنا أن يرد السائل بطريق جميل حسن ، وقال عطاء : عدة حسنة ، أما المغفرة ففيه وجوه أحدها : أن الفقير إذا رد بغير مقصوده شق عليه ذلك ، فربما حمله ذلك على بذاءة اللسان ، فأمر بالعفو عن بذاءة الفقير والصفح عن إساءته وثانيها : أن يكون المراد ونيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل وثالثها : أن يكون المراد من المغفرة أن يستر حاجة الفقير ولا يهتك ستره ، والمراد من القول المعروف رده بأحسن الطرق وبالمغفرة أن لا يهتك ستره بأن يذكر حاله عند من يكره الفقير وقوفه على حاله ورابعها : أن قوله { قول معروف } خطاب مع المسئول بأن يرد السائل بأحسن الطرق ، وقوله { ومغفرة } خطاب مع السائل بأن يعذر المسئول في ذلك الرد ، فربما لم يقدر على ذلك الشيء في تلك الحالة ، ثم بين تعالى أن فعل الرجل لهذين الأمرين خير له من صدقة يتبعها أذى ، وسبب هذا الترجيح أنه إذا أعطى ، ثم أتبع الإعطاء بالإيذاء ، فهناك جمع بين الانفاع والإضرار ، وربما لم يف ثواب الانفاع بعقاب الإضرار ، وأما القول المعروف ففيه إنفاع من حيث إنه يتضمن إيصال السرور إلى قلب المسلم ولم يقترن به الإضرار ، فكان هذا خيرا من الأول .

واعلم أن من الناس من قال : إن الآية واردة في التطوع ، لأن الواجب لا يحل منعه ، ولا رد السائل منه ، وقد يحتمل أن يراد به الواجب ، وقد يعدل به عن سائل إلى سائل وعن فقير إلى فقير .

ثم قال : { والله غنى } عن صدقة العباد فإنما أمركم بها ليثيبكم عليها { حليم } إذا لم يعجل بالعقوبة على من يمن ويؤذي بصدقته ، وهذا سخط منه ووعيد له .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞قَوۡلٞ مَّعۡرُوفٞ وَمَغۡفِرَةٌ خَيۡرٞ مِّن صَدَقَةٖ يَتۡبَعُهَآ أَذٗىۗ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٞ} (263)

ثم كرر سبحانه التحذير من المن والأذى مناديا المؤمنين بأن يجتنبوا في صدقاتهم هاتين الرذيلتين مبينا أن الكلمة الطيبة للفقير خير من إعطائه مع إيذائه استمع إلى القرآن الكريم وهو يسوق هذه المعاني وغيرها بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول :

{ قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رياء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تواب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين }

263- { قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها من وأذى والله غني حليم } والمعنى : { قول معروف } بان تقول المسائل كلاما جميلا طيبا تجبر به خاطره ويحفظ له كرامته ومغفرة لما وقع منه من إلحاف في السؤال . وستر لحاله وصفح عنه { خير من صدقة يتبعها أذى } أي خير من صدقة يتبعها المتصدق أذى للمتصدق عليه .

لأن الكلمة الطيبة للسائل والستر عليه والعفو عنه فيما صدر منه كل ذلك يؤدي إلى رفع الدرجات عند الله وإلى تهذيب النفوس وتأليف القلوب وحفظ كرامة الذين مدوا أيديهم بالسؤال أما الصدقة التي يتبعها الأذى فإن إيتاءها بتلك الطريقة يؤدي إلى ذهاب ثوابها وإلى زيادة الآلام عند السائلين ولاسيما الذين يحرصون على حفظ كرامتهم وعلى صيانة ماء وجوههم لأن ألم الحرمان عند بعض الناس أقل أثرا في نفوسهم من آلام الصدقة المصحوبة بالأذى لهم فإنها تصيب النفوس الكريمة بالجراح التي يعسر الشفاء منها .

قال القرطبي : روى مسلم في صحيحه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الكلمة الطيبة صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق " ( 36 ) . فعلى المسؤول أن يتلقى السائل بالبشر والترحيب ويقابله بالطلاقة والتقريب ليكون مشكورا إن أعطى معذورا إن منع . وقد قال بعض الحكماء : " ألق صاحب الحاجة بالبشر فإن عدمت شكره لم تعدم عذره " ( 37 ) .

و قوله : { قول معروف } مبتدأ وساغ الابتداء بالنكرة لوصفها وللعطف عليها وقوله : { و مغفرة } عطف عليه وسوغ الابتداء بها العطف أو الصفة المقدرة إذ التقدير ومغفرة للسائل أو من الله . وقوله : { خير } خبر عنهما وقوله : { يتبعها أذى } في محل جر صفة لصدقة .

ثم ختم الله تعالى الآية بقوله : { و الله غني حليم } أي والله تعالى في غنى عن إنفاق المنفقين وصدقات المتصدقين وإنما أمرهم بهما لمصلحة تعود عليهم أو غنى عن الصدقة المصحوبة بالأذى فلا يقبلها . حليم فلا يعجل بالعقوبة على مستحقيها فهو سبحانه يمهل ولا يهمل والجملة الكريمة تذييل لما قبله مشتملة على الوعد والوعيد والترغيب والترهيب .