قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ، وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون ، اتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفي كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة أن من انتهى عن الربا فله ما سلف فقد كان يجوز أن يظن أنه لا فرق بين المقبوض منه وبين الباقي في ذمة القوم ، فقال تعالى في هذه الآية { وذروا ما بقى من الربا } وبين به أن ذلك إذا كان عليهم ولم يقبض ، فالزيادة تحرم ، وليس لهم أن يأخذوا إلا رؤوس أموالهم ، وإنما شدد تعالى في ذلك ، لأن من انتظر مدة طويلة في حلول الأجل ، ثم حضر الوقت وظن نفسه على أن تلك الزيادة قد حصلت له ، فيحتاج في منعه عنه إلى تشديد عظيم ، فقال : { اتقوا الله } واتقاؤه ما نهى عنه { وذروا ما بقى من الربا } يعني إن كنتم قد قبضتم شيئا فيعفو عنه ، وإن لم تقبضوه ، أو لم تقبضوا بعضه ، فذلك الذي لم تقبضوه كلا كان ، أو بعضا ، فإنه محرم قبضه .
واعلم أن هذه الآية أصل كبير في أحكام الكفار إذا أسلموا ، وذلك لأن ما مضى في وقت الكفر فإنه يبقى ولا ينقص ، ولا يفسخ ، وما لا يوجد منه شيء في حال الكفر فحكمه محمول على الإسلام ، فإذا تناكحوا على ما يجوز عندهم ولا يجوز في الإسلام فهو عفو لا يتعقب ، وإن كان النكاح وقع على محرم فقبضته المرأة فقد مضى ، وإن كانت لم تقبضه فلها مهر مثلها دون المهر المسمى ، هذا مذهب الشافعي رضي الله عنه .
فإن قيل : كيف قال : { يا أيها الذين ءامنوا اتقوا } ثم قال في آخره { إن كنتم مؤمنين } .
الجواب : من وجوه الأول : أن هذا مثل ما يقال : إن كنت أخا فأكرمني ، معناه : إن من كان أخا أكرم أخاه والثاني : قيل : معناه إن كنتم مؤمنين قبله الثالث : إن كنتم تريدون استدامة الحكم لكم بالإيمان الرابع : يا أيها الذين آمنوا بلسانهم ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين بقلوبكم .
المسألة الثانية : في سبب نزول الآية روايات :
الرواية الأولى : أنها خطاب لأهل مكة كانوا يرابون فلما أسلموا عند فتح مكة أمرهم الله تعالى أن يأخذوا رؤوس أموالهم دون الزيادة .
والرواية الثانية : قال مقاتل : إن الآية نزلت في أربعة أخوة من ثقيف : مسعود ، وعبد يا ليل ، وحبيب ، وربيعة ، بنو عمرو بن عمير الثقفي كانوا يداينون بني المغيرة ، فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على الطائف أسلم الأخوة ، ثم طالبوا برباهم بني المغيرة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .
والرواية الثالثة : نزلت في العباس ، وعثمان بن عفان رضي الله عنهما وكانا أسلفا في التمر ، فلما حضر الجداد قبضا بعضا ، وزاد في الباقي فنزلت الآية ، وهذا قول عطاء وعكرمة .
الرواية الرابعة : نزلت في العباس وخالد بن الوليد ، وكانا يسلفان في الربا ، وهو قول السدي .
المسألة الثالثة : قال القاضي : قوله { إن كنتم مؤمنين } كالدلالة على أن الإيمان لا يتكامل إذا أصر الإنسان على كبيرة وإنما يصير مؤمنا بالإطلاق إذا اجتنب كل الكبائر .
والجواب : لما دلت الدلائل الكثيرة المذكورة في تفسير قوله { الذين يؤمنون بالغيب } [ البقرة : 3 ] على أن العمل خارج عن مسمى الإيمان كانت هذه الآية محمولة على كمال الإيمان وشرائعه ، فكان التقدير : إن كنتم عاملين بمقتضى شرائع الإيمان ، وهذا وإن كان تركا للظاهر لكنا ذهبنا إليه لتلك الدلائل .
ثم ينتقل القرآن الكريم إلى أسلوب الخطاب المباشر للمؤمنين فيأمرهم بتقوى الله وينهاهم عن التعامل بالربا فيقول :
278- { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله . . . } أي اخشوه وصونوا أنفسكم عن الأعمال والأقوال التي تفضي بكم إلى عقابه .
و قوله : { و ذروا ما بقي من الربا } أي : اتركوا ما بقي في ذم الذين عاملتموهم بالربا ولا تأخذوا منهم إلا رؤوس أموالكم فحسب هذا مقابل لقوله تعالى قبل ذلك فله ما سلف أي ما سلف قبضه من الربا قبل نزول الآية فهو لكم وما لم تقبضوه فأنتم مأمورون بتركه .
و قوله من الربا متعلق بمحذوف على انه حال من فاعل بقي أي اتركوا الذي بقي حال كونه بعض الربا ومن التبعيض أو متعلق ببقي .
و ذروا فعل أمر بوزن علوا مبني على حذف النون والواو فاعل وأصله وذروا فحذفت فاؤه والماضي منه " وذر " .
و قوله : { إن كنتم مؤمنين } حض لهم على ترك الربا أي إن كنتم مؤمنين حق الإيمان فامتثلوا أمر الله وذروا ما بقي من الربا مما زاد على رؤوس أموالكم .
قال ابن الكثير : نزل هذا السياق في بني عمرو بن عمير بن ثقيف وبني المغيرة من بني مخزوم كان بينهم ربا في الجاهلية فلما جاء الإسلام ودخلوا فيه طلبت ثقيف أن تأخذه منهم فتشاوروا وقالت بنو المغيرة : لا نؤدى في الإسلام فكتب في ذلك عتاب بن أسيد نائب مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه فقالوا : نتوب على الله ونذر ما بقي من الربا فتركوه كلهم وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لكل من استمر على تعاطي الربا بعد الإنذار " ( 72 ) .
هذا والمتدبر في هذه الآيات التي وردت في موضوع الربا يراها قد نفرت منه تنفيرا شديدا وتوعدت متعاطيه بأشد العقوبات وشبهت الذين يأكلونه بتشبيهات تفزع منها النفوس وتشمئز منها القلوب وحضت المؤمنين على أن يلتزموا في معاملاتهم ما شرعه الله لهم وأن يتسامحوا مع المعسرين ويتصدقوا عليهم بما يستطيعون التصدق به .
و قد تكلم الفقهاء ( 82 ) وبعض المفسرين عن الربا وأقسامه وحكمة تحريمه كلاما مستفيضا قال بعضهم : الربا قسمان : ربا النسيئة وربا الفضل .
فربا النسيئة : هو الذي كان معروفا بين العرب في الجاهلية وهو أنهم كانوا يدفعون المال على ان يأخذوه في موعد معين فإذا حل الأجل طولب المدين برأس المال كاملا فإذا تعذر الأداء زادوا في الحق وفي الأجل .
و ربا الفضل : ان يباع درهم بدرهمين أو دينار بدينارين أو رطل برطلين أو شعير كيلة بكيلتين .
و كان ابن عباس في أول الأمر لا يحرم إلا ربا النسيئة وكان يجيز ربا الفضل اعتمادا على ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنما الربا في النسيئة " ( 73 ) ولكن لما تواتر عنده الخبر بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الحنطة بالحنطة مثلا بمثل يدا بيد " ( 74 ) رجع عن قوله لأن قوله صلى الله عليه وسلم " إنما الربا في النسيئة " محمول على اختلاف الجنس فإن النسيئة تحريم ويباح التفاضل كبيع الحنطة بالشعير . تحرم فيه النسيئة ويباح فيه التفاضل .
و لذلك وقع الاتفاق على تحريم الربا في القسمين أما ربا النسيئة فقد ثبت تحريمه بالقرآن كما في قوله تعالى : { و أحل الله البيع وحرم الربا } .
و أما ربا الفضل فقد ثبت تحريمه بالحديث الصحيح الذي رواه عبادة الصامت ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كانت يدا بيد " ( 75 ) .
و قد اشتهرت رواية هذا الحديث حتى صارت مسلمة عند الجميع وجمهور العلماء على ان الحرمة ليست مقصورة على هذه الأشياء الستة بل تتعداها إلى غيرها مما يتحد معها في العلة وقد فسر بعضهم هذه العلة باتحاد الجنس والقدر . . . " ( 76 ) .
و من الحكم التي ذكرت في أسباب تحريم الربا أنه يقتضي أخذ المال من الغير بدون عوض ويؤدي إلى امتناع أصحاب الأموال عن تحمل المشاق في الكسب والتجارة والصناعة واستغلال حاجة المحتاج أسوأ استغلال وكل ذلك يقضي إلى إشاعة روح التباغض والتخاصم والتحاسد بين أفراد المجتمع كما سبق أن أشرنا .
و من الأحاديث الشريفة التي وردت في التحذير من تعاطي الربا ما رواه الشيخان عن أبي هريرة ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " اجتنبوا السبع الموبقات أي الهلكات قالوا يا رسول الله وما هن ؟ قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات " ( 87 ) .
واخرج مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال : " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه " ( 88 ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.