مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ ٱلۡقُرَى ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَا قُرٗى ظَٰهِرَةٗ وَقَدَّرۡنَا فِيهَا ٱلسَّيۡرَۖ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ} (18)

قوله تعالى : { وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة . وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور }

أي بينهم وبين الشام فإنها هي البقعة المباركة . وقرى ( ظاهرة ) أي يظهر بعضها لبعضها يرى سواد القرية من القرية الأخرى ، فإن قال قائل : هذا من النعم والله تعالى قد شرع في بيان تبديل نعمهم قوله : { وبدلناهم بجنتيهم جنتين } فكيف عاد مرة أخرى إلى بيان النعمة بعد النقمة ؟ فنقول ذكر حال نفس بلدهم وبين تبديل ذلك بالخمط والأثل ، ثم ذكر حال خارج بلدهم وذكر عمارتها بكثرة القرى ، ثم ذكر تبديله ذلك بالمفاوز والبيادي والبراري بقوله : { ربنا باعد بين أسفارنا } وقد فعل ذلك ، ويدل عليه قراءة من قرأ ( ربنا بعد ) على المبتدأ والخبر ، وقوله : { وقدرنا فيها السير } الأماكن المعمورة تكون منازلها معلومة مقدرة لا تتجاوز ، فلما كان بين كل قرية مسيرة نصف نهار ، وكانوا يغدون إلى قرية ويروحون إلى أخرى ما أمكن في العرف تجاوزها ، فهو المراد بالتقدير والمفاوز لا يتقدر السير فيها بل يسير السائر فيها بقدر الطاقة جادا حتى يقطعها ، وقوله : { سيروا فيها ليالي وأياما } أي كان بينهم ليال وأيام معلومة ، وقوله : { آمنين } إشارة إلى كثرة العمارة ، فإن خوف قطاع الطريق والانقطاع عن الرقيق لا يكون في مثل هذه الأماكن ، وقيل بأن معنى قوله : { ليالي وأياما } تسيرون فيه إن شئتم ليالي وإن شئتم أياما لعدم الخوف بخلاف المواضع المخوفة فإن بعضها يسلك ليلا ، لئلا يعلم العدو بسيرهم ، وبعضها يسلك نهارا لئلا يقصدهم العدو ، إذا كان العدو غير مجاهر بالقصد والعداوة ،

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ ٱلۡقُرَى ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَا قُرٗى ظَٰهِرَةٗ وَقَدَّرۡنَا فِيهَا ٱلسَّيۡرَۖ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ} (18)

15

{ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما ءامنين } .

المفردات :

القرى التي باركنا فيها : هي قرى الشام مبارك فيها بكثرة أشجارها ووفرة ثمارها والتوسعة على أهلها .

قرى ظاهرة : متواصلة من اليمن إلى الشام .

وقدرنا فيها السير : جعلنا المسافات بينها مقدرة على أبعاد قريبة بحيث يسهلا التنقل بينها .

التفسير :

تأتي هذه الآية كالتعقيب على قصة سبأ فقد ذكر فيما سبق أن الله أنعم عليهم بالجنان والبساتين والنعم المتعددة لكنهم كفروا وجحدوا فاستحقوا العقوبة .

وأردف ذلك بذكر نوع آخر من النعم التي أنعم الله بها عليهم وهي نعمة القرى المتتابعة المرتفعة الظاهرة على الطريق الموصل بين اليمن والشام قيل من سافر من قرية صباحا وصل إلى الأخرى وقت الظهر والقيلولة ومن سار من قرية بعد الظهر وصل على الأخرى بعد الغروب إلى أن يبلغ الشام لا يخاف جوعا ولا عطشا ولا عدوا ولا يحتاج لحمل زاد ، ولا مبيت في أرض خالية .

وقوله تعالى : سيروا فيها ليالي وأياما ءامنين : على إرادة القول بمعنى أبحناها وقلنا لهم سيروا فيها حيث شئتم وكيف شئتم ليالي وأياما آمنين لا تحسون مشقة ولا تستشعرون جوعا ولا عطشا ولا ترهبون عدوا .

وهذا القول إما بلسان الحال بمعنى أن وضع القرى وتأمين السير فيها واقترابها من بعضها كأنه يقول للسائر سر آمنا مطمئنا وإما بلسان المقال أي قال أنبياؤهم ومرشدهم سيروا فيها آمنين مطمئنين وإن تطاولت مدة سفركم وامتدت أياما وليالي كثيرة .