مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَقَالُواْ رَبَّنَا بَٰعِدۡ بَيۡنَ أَسۡفَارِنَا وَظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَحَادِيثَ وَمَزَّقۡنَٰهُمۡ كُلَّ مُمَزَّقٍۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ} (19)

وقوله تعالى : { قالوا ربنا باعد بين أسفارنا } قيل بأنهم طلبوا ذلك وهو يحتمل وجهين أحدهما : أن يسألوا بطرا كما طلبت اليهود الثوم والبصل ، ويحتمل أن يكون ذلك لفساد اعتقادهم وشدة اعتمادهم على أن ذلك لا يقدر كما يقول القائل لغيره اضربني إشارة إلى أنه لا يقدر عليه . ويمكن أن يقال : { قالوا ربنا بعد } بلسان الحال ، أي لما كفروا فقد طلبوا أن يبعد بين أسفارهم ويخرب المعمور من ديارهم ، وقوله : { وظلموا أنفسهم } يكون بيانا لذلك ، وقوله : { فجعلناهم أحاديث } أي فعلنا بهم ما جعلناهم به مثلا ، يقال : تفرقوا أيدي سبا ، وقوله : { ومزقناهم كل ممزق } بيان لجعلهم أحاديث ، وقوله تعالى : { إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } أي فيما ذكرناه من حال الشاكرين ووبال الكافرين .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَقَالُواْ رَبَّنَا بَٰعِدۡ بَيۡنَ أَسۡفَارِنَا وَظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَحَادِيثَ وَمَزَّقۡنَٰهُمۡ كُلَّ مُمَزَّقٍۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ} (19)

15

{ فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } .

المفردات :

باعد بين أسفارنا : اجعل المسافات والأبعاد بيننا وبين القرى المباركة طويلة ممتدة لتطول أسفارنا إليها .

أحاديث : لمن جاء بعدهم ولم يبق منهم إلا إخبارهم الغريبة .

ومزقناهم كل ممزق : فرقناهم في البلاد كل التفرق .

التفسير :

أسبغنا عليهم نعمنا فبطروا النعمة ، وسئموا من طيب العيش وملوا العاقبة ، وطلبوا الكد والتعب وطول الأسفار والتباعد بين الديار وقالوا : ربنا اجعل بيننا وبين البلاد التي تسافر إليه مفاوز وقفارا ليركبوا فيها الرواحل وليتزودوا بالماء والزاد إظهارا للتمايز الطبقي والتكبر والتفاخر على الفقراء والعاجزين .

{ وظلموا أنفسهم . . . }

إذ عرضوها للسخط والعذاب حين بطروا النعمة ولم يشكروا الله عليها .

{ فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق . . . }

شردوا ومزقوا وتفرقوا في أنحاء الجزيرة مبددي الشمل وأصلحوا أحاديث يرويها السمار في مجالسهم وفرقنا شملهم في البلاد كل تفريق فصارت تضرب بهم المثل فتقول ( تفرقوا أيدي سبأ ) أي مذاهب سبأ وطرقها .

فنزلت الأوس والخزرج بيثرب وغسان بالشام والأزد بعمان وخزاعة بتهامة فمزقهم الله كل ممزق وهدم السيل بلادهم .

{ إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } .

أي في قصة سبأ وما حل بهم جزاء كفرهم وبطرهم لعبرة يعتبر بها كل صبور على الشدائد فلا يجزع ويهلع بل يلقيها بالإيمان والرضا والقدر خيره وشره حلوه ومره .

{ شكور } : لله على نعمائه اللهم اجعلنا من الشاكرين .

وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " عجبا للمؤمن لا يقضي الله تعالى له قضاء إلا كان خير له إن أصابته سراء شكر فكان خير له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمنين " . ix

ومن كلام العارفين نعم العبد الصبار الشكور الذي إذا أعطى شكر وإذا ابتلى صبر . *