مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعۡمَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (8)

قوله تعالى : { فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم } فيه مسائل :

المسألة الأولى : نصب فضلا لأجل أمور ، إما لكونه مفعولا له ، وفيه وجهان ( أحدهما ) أن العامل فيه هو الفعل الذي في قوله { الراشدون } فإن قيل : كيف يجوز أن يكون فضل الله الذي هو فعل الله مفعولا له بالنسبة إلى الرشد الذي هو فعل العبد ؟ نقول لما كان الرشد توفيقا من الله كان كأنه فعل الله فكأنه تعالى أرشدهم فضلا ، أي يكون متفضلا عليهم منعما في حقهم ( والوجه الثاني ) هو أن العامل فيه هو قوله { حبب إليكم الإيمان . . . وكره إليكم الكفر } فضلا وقوله { أولئك هم الراشدون } جملة اعترضت بين الكلامين أو يكون العامل فعلا مقدرا ، فكأنه قال تعالى جرى ذلك فضلا من الله ، وإما لكونه مصدرا ، وفيه وجهان ( أحدهما ) أن يكون مصدرا من غير اللفظ ولأن الرشد فضل فكأنه قال أولئك هم الراشدون رشدا ( وثانيهما ) هو أن يكون مصدرا لفعل مضمر ، كأنه قال حبب إليكم الإيمان وكره إليكم الكفر فأفضل فضلا وأنعم نعمة ، والقول بكونه منصوبا على أنه مفعول مطلق وهو المصدر ، أو مفعول له قول الزمخشري ، وإما أن يكون فضلا مفعولا به ، والفعل مضمرا دل عليه قوله تعالى : { أولئك هم الراشدون } أي يبتغون فضلا من الله ونعمة .

المسألة الثانية : ما الفرق بين الفضل والنعمة في الآية ؟ نقول فضل الله إشارة إلى ما عنده من الخير وهو مستغن عنه ، والنعمة إشارة إلى ما يصل إلى العبد وهو محتاج إليه ، لأن الفضل في الأصل ينبئ عن الزيادة ، وعنده خزائن من الرحمة لا لحاجة إليها ، ويرسل منها على عباده ما لا يبقون معه في ورطة الحاجة بوجه من الوجوه ، والنعمة تنبئ عن الرأفة والرحمة وهو من جانب العبد ، وفيه معنى لطيف وهو تأكيد الإعطاء ، وذلك لأن المحتاج يقول للغني : أعطني ما فضل عنك وعندك ، وذلك غير ملتفت إليه وأنابه قيامي وبقائي ، فإذن قوله { فضلا من الله } إشارة إلى ما هو من جانب الله الغني ، والنعمة إشارة إلى ما هو من جانب العبد من اندفاع الحاجة ، وهذا مما يؤكد قولنا فضلا منصوب بفعل مضمر ، وهو الابتغاء والطلب .

المسألة الثالثة : ختم الآية بقوله { والله عليم حكيم } فيه مناسبات عدة { منها } أنه تعالى لما ذكر نبأ الفاسق ، قال إن يشتبه على المؤمن كذب الفاسق فلا تعتمدوا على ترويجه عليكم الزور ، فإن الله عليم ، ولا تقولوا كما كان عادة المنافق لولا يعذبنا الله بما نقول ، فإن الله حكيم لا يفعل إلا على وفق حكمته ( وثانيها ) لما قال الله تعالى : { واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم } بمعنى لا يطيعكم ، بل يتبع الوحي ، قال فإن الله من كونه عليما يعلمه ، ومن كونه حكيما يأمره بما تقتضيه الحكمة فاتبعوه ( ثالثها ) المناسبة التي بين قوله تعالى : { عليم حكيم } وبين قوله { حبب إليكم الإيمان } أي حبب بعلمه الإيمان لأهل الإيمان ، واختار له من يشاء بحكمته ( رابعها ) وهو الأقرب ، وهو أنه سبحانه وتعالى قال : { فضلا من الله ونعمة } ولما كان الفضل هو ما عند الله من الخير المستغني عنه ، قال تعالى هو عليم بما في خزائن رحمته من الخير ، وكانت النعمة هو ما يدفع به حاجة العبد ، قال هو حكيم ينزل الخير بقدر ما يشاء على وفق الحكمة .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعۡمَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (8)

6

8- { فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم } .

لقد تفضل الله على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الصفات الحكيمة ، وأنعم عليهم بهذه النعم ، وهو { عليم } . مطلع على النفوس ، { حكيم } . جليل الحكمة في أفعاله .

والآية وسام على صدر هؤلاء الصحابة ، فهي وما سبقها تبين أن معظم الصحابة كانوا نموذجا ومثلا أعلى في محبة الإيمان والصدق فيه ، والتضحية والفداء ، وكراهة الكفر والفسوق والعصيان ، وأن هذا الهدى والطاعة ، كان فضلا من الله ونعمة ، لا تعادلهما أي نعمة ، وقد امتن الله على رسوله بأنه هو الذي هدى ووفق ، وأخرج من أصلاب الكافرين هؤلاء المؤمنين .

قال تعالى : { وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم } . ( الأنفال : 63 ) .

في أعقاب التفسير :

ذكر الأستاذ وهبة الزحيلي في التفسير المنير ( جزء 26 ص 232 ) أنه يستنبط من الآيات السابقة ما يأتي :

1- إن وجود الرسول صلى الله عليه وسلم في أصحابه ركن تثبت وأناة وتأن فيمنع التسرع في إصدار الأحكام ، فإنه لو قتل القوم الذين سعى بهم الوليد بن عقبة إليه ، لكان خطأ ، ووقع في العنت ( الإثم والمشقة والهلاك ) من أراد إيقاع الهلاك بأولئك القوم ، لعداوة كانت بينه وبينهم ، ويكون المراد من قوله تعالى : { واعلموا أن فيكم رسول الله . . . } ألا تكذبوا فإن الله تعالى يعلم رسوله صلى الله عليه وسلم أنباءكم فتفتضحون .

2- استدلت الأشاعرة بقوله : { حبب } ، { وكره } . على مسألة خلق الأفعال ، أي أن الله تعالى خلق أفعال العباد وذواتهم وصفاتهم وألسنتهم وألوانهم ، لا شريك له ، لقوله تعالى : { والله خلقكم وما تعملون } . ( الصافات : 96 ) . وهذا رد على القدرية7 ، والإمامية ، والمعتزلة الذين يقولون : إن الإنسان يخلق أفعال نفسه ، ويؤولون آية : { حبب } ، { وكره } . على اللطف والتوفيق .

3- إن الله تعالى عليم بكل شيء ، يعلم من يتحرى الخير ومن لا يتحراه ، ومن يريد الرسول صلى الله عليه وسلم على ما لا تقتضي به الحكمة ومن لا يريده ، وهو فوق هذا يعلم الأشياء ويعلم الرسول صلى الله عليه وسلم بها ، ويأمره بما تقضي به الحكمة ، فيجب الوقوف عند أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ، واجتناب الاقتراح عليه .

4- كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو بمضمون الآيات السابقة ، فقد أخرج الإمام أحمد ، والنسائي ، عن أبي رفاعة الزُّرقي ، عن أبيه قال : لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( استووا حتى أثنى على ربي عز وجل ) ، فصاروا خلفه صفوفا ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( اللهم لك الحمد كله ، اللهم لا قابض لما بسطت ، ولا باسط لما قبضت ، ولا هادي لمن أضللت ، ولا مضل لمن هديت ، ولا معطي لما منعت ، ولا مانع لما أعطيت ، ولا مقرب لما باعدت ، ولا مباعد لما قربت ، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك ، وفضلك ورزقك ، اللهم إني أسالك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول ، اللهم أسالك النعيم يوم العَيْلة ، والأمن يوم الخوف ، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا ، ومن شر ما منعتنا ، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا ، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان ، واجعلنا من الراشدين ، اللهم توفنا مسلمين ، وأحينا مسلمين ، وألحقنا بالصالحين ، غير خزايا ولا مفتونين ، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ، ويصدون عن سبيلك ، واجعل عليهم رجزك وعذابك ، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب ، إله الحق )8 .