قوله تعالى : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين } .
اعلم أنه تعالى قال في الآية الأولى { والله أعلم بالظالمين } يعني أنه سبحانه هو العالم بكل شيء فهو يعجل ما تعجيله أصلح . وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : المفاتح جمع مفتح . ومفتح ، والمفتح بالكسر المفتاح الذي يفتح به والمفتح بفتح الميم الخزانة وكل خزانة كانت لصنف من الأشياء فهو مفتح ، قال الفراء في قوله تعالى : { ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة } يعني خزائنه فلفظ المفاتح يمكن أن يكون المراد منه المفاتيح ويمكن أن يراد منه الخزائن ، أما على التقدير الأول . فقد جعل للغيب مفاتيح على طريق الاستعارة لأن المفاتيح يتوصل بها إلى ما في الخزائن المستوثق منها بالإغلاق والأقفال فالعالم بتلك المفاتيح وكيفية استعمالها في فتح تلك الأغلاق والأقفال يمكنه أن يتوصل بتلك المفاتيح إلى ما في تلك الخزائن فكذلك ههنا الحق سبحانه لما كان عالما بجميع المعلومات عبر عن هذا المعنى بالعبارة المذكورة وقرئ { مفاتيح } وأما على التقدير الثاني فالمعنى وعنده خزائن الغيب . فعلى التقدير الأول يكون المراد العلم بالغيب ، وعلى التقدير الثاني المراد منه القدرة على كل الممكنات في قوله : { وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم } وللحكماء في تفسير هذه الآية كلام عجيب مفرع على أصولهم فإنهم قالوا : ثبت أن العلم بالعلة علة للعلم بالمعلول وأن العلم بالمعلول لا يكون علة للعلم بالعلة . قالوا : وإذا ثبت هذا فنقول : الموجود إما أن يكون واجبا لذاته ، وإما أن يكون ممكنا لذاته ، والواجب لذاته ليس إلا الله سبحانه وتعالى . وكل ما سواه فهو ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يوجد إلا بتأثير الواجب لذاته وكل ما سوى الحق سبحانه فهو موجود بإيجاده كائن بتكوينه واقع بإيقاعه . إما بغير واسطة وإما بواسطة واحدة وإما بوسائط كثيرة على الترتيب النازل من عنده طولا وعرضا . إذا ثبت هذا فنقول : علمه بذاته يوجب عمله بالأثر الأول الصادر منه ، ثم علمه بذلك الأثر الأول يوجب عمله بالأثر الثاني لأن الأثر الأول علة قريبة للأثر الثاني . وقد ذكرنا أن العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول فبهذا علم الغيب ليس إلا علم الحق بذاته المخصوصة ثم يحصل له من علمه بذاته علمه بالآثار الصادرة عنه على ترتيبها المعتبر ، ولما كان علمه بذاته لم يحصل إلا لذاته لا جرم صح أن يقال : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } فهذا هو طريقة هؤلاء الفرقة الذين فسروا هذه الآية بناء على هذه الطريقة .
ثم اعلم أن ههنا دقيقة أخرى ، وهي : أن القضايا العقلية المحضة يصعب تحصيل العلم بها على سبيل التمام والكمال إلا للعقلاء الكاملين الذين تعودوا الإعراض عن قضايا الحس والخيال وألفوا استحضار المعقولات المجردة ، ومثل هذا الإنسان يكون كالنادر وقوله : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } قضية عقلية محضة مجردة فالإنسان الذي يقوى عقله على الإحاطة بمعنى هذه القضية نادر جدا . والقرآن إنما أنزل لينتفع به جميع الخلق . فههنا طريق آخر وهو أن من ذكر القضية العقلية المحضة المجردة ، فإذا أراد إيصالها إلى عقل كل أحد ذكر لها مثالا من الأمور المحسوسة الداخلة تحت القضية العقلية الكلية ليصير ذلك المعقول بمعاونة هذا المثال المحسوس مفهوما لكل أحد ، والأمر في هذه الآية ورد على هذا القانون ، لأنه قال أولا : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } ثم أكد هذا المعقول الكلي المجرد بجزئي محسوس فقال : { ويعلم ما في البر والبحر } وذلك لأن أحد أقسام معلومات الله هو جميع دواب البر ، والبحر ، والحس ، والخيال قد وقف على عظمة أحوال البر والبحر ، فذكر هذا المحسوس يكشف عن حقيقة عظمة ذلك المعقول .
وفيه دقيقة أخرى وهي : أنه تعالى قدم ذكر البر ، لأن الإنسان قد شاهد أحوال البر ، وكثرة ما فيه من المدن والقرى والمفاوز والجبال والتلال ، وكثرة ما فيها من الحيوان والنبات والمعادن . وأما البحر فإحاطة العقل بأحواله أقل إلا أن الحس يدل على أن عجائب البحار في الجملة أكثر وطولها وعرضها أعظم وما فيها من الحيوانات وأجناس المخلوقات أعجب . فإذا استحضر الخيال صورة البحر والبر على هذه الوجوه . ثم عرف أن مجموعها قسم حقير من الأقسام الداخلة تحت قوله : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } ثم إنه تعالى كما كشف عن عظمة قوله { وعنده مفاتح الغيب } بذكر البر والبحر كشف عن عظمة البر والبحر بقوله : { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها } وذلك لأن العقل يستحضر جميع ما في وجه الأرض من المدن والقرى والمفاوز والجبال والتلال ، ثم يستحضركم فيها من النجم والشجر ثم يستحضر أنه لا يتغير حال ورقة إلا والحق سبحانه يعلمها ثم يتجاوز من هذا المثال إلى مثال آخر أشد هيئة منه وهو قوله : { ولا حبة في ظلمات الأرض } وذلك لأن الحبة في غاية الصغر وظلمات الأرض موضع يبقى أكبر الأجسام وأعظمها مخفيا فيها فإذا سمع أن تلك الحبة الصغيرة الملقاة في ظلمات الأرض على اتساعها وعظمتها لا تخرج عن علم الله تعالى البتة ، صارت هذه الأمثلة منبهة على عظمة عظيمة وجلالة عالية من المعنى المشار إليه بقوله : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } بحيث تتحير العقول فيها وتتقاصر الأفكار والألباب عن الوصول إلى مباديها ، ثم إنه تعالى لما قوى أمر ذلك المعقول المحض المجرد بذكر هذه الجزئيات المحسوسة فبعد ذكرها عاد إلى ذكر تلك القضية العقلية المحضة المجردة بعبارة أخرى فقال : { ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين } وهو عين المذكور في قوله : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } فهذا ما عقلناه في تفسير هذه الآية الشريفة العالية . ومن الله التوفيق .
المسألة الثانية : المتكلمون قالوا إنه تعالى فاعل العالم بجواهره وأعراضه على سبيل الإحكام والإتقان ، ومن كان كذلك كان عالما بها فوجب كونه تعالى عالما بها والحكماء قالوا : إنه تعالى مبدأ لجميع الممكنات ، والعلم بالمبدأ يوجب العلم بالأثر فوجب كونه تعالى عالما بكلها :
واعلم أن هذا الكلام من أدل الدلائل على كونه تعالى عالما بجميع الجزئيات الزمانية وذلك لأنه لما ثبت أنه تعالى مبدأ لكل ما سواه وجب كونه مبدأ لهذه الجزئيات بالأثر . فوجب كونه تعالى عالما بهذه التغيرات والزمانيات من حيث إنها متغيرة وزمانية وذلك هو المطلوب .
المسألة الثالثة : قوله تعالى : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } يدل على كونه تعالى منزها عن الضد والند وتقريره : أن قوله : { وعنده مفاتح الغيب } يفيد الحصر ، أي عنده لا عند غيره . ولو حصل موجود آخر واجب الوجود لكان مفاتح الغيب حاصلة أيضا عند ذلك الآخر ، وحينئذ يبطل الحصر . وأيضا فكما أن لفظ الآية يدل على هذا التوحيد ، فكذلك البرهان العقلي يساعد عليه . وتقريره : أن المبدأ لحصول العلم بالآثار والنتائج والصنائع هو العلم بالمؤثر والمؤثر الأول في كل الممكنات هو الحق سبحانه . فالمفتح الأول للعلم بجميع المعلومات هو العلم به سبحانه لكن العلم به ليس إلا له لأن ما سواه أثر والعلم بالأثر لا يفيد العلم بالمؤثر . فظهر بهذا البرهان أن مفاتح الغيب ليست إلا عند الحق سبحانه . والله أعلم .
المسألة الرابعة : قرئ { ولا حبة ولا رطب ولا يابس } بالرفع وفيه وجهان : الأول : أن يكون عطفا على محل من ورقة وأن يكون رفعا على الابتداء وخبره { إلا في كتاب مبين } كقولك : لا رجل منهم ولا امرأة إلا في الدار .
المسألة الخامسة : قوله : { إلا في كتاب مبين } فيه قولان : الأول : أن ذلك الكتاب المبين هو علم الله تعالى لا غير . وهذا هو الصواب . والثاني : قال الزجاج : يجوز أن يكون الله جل ثناؤه أثبت كيفية المعلومات في كتاب من قبل أن يخلق الخلق كما قال عز وجل : { ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها } وفائدة هذا الكتاب أمور : أحدها : أنه تعالى إنما كتب هذه الأحوال في اللوح المحفوظ لتقف الملائكة على نفاذ علم الله تعالى في المعلومات وأنه لا يغيب عنه مما في السماوات والأرض شيء . فيكون في ذلك عبرة تامة كاملة للملائكة الموكلين باللوح المحفوظ لأنهم يقابلون به ما يحدث في صحيفة هذا العالم فيجدونه موافقا له . وثانيها : يجوز أن يقال إنه تعالى ذكر ما ذكر من الورقة والحبة تنبيها للمكلفين على أمر الحساب وإعلاما بأنه لا يفوته من كل ما يصنعون في الدنيا شيء : لأنه إذا كان لا يهمل الأحوال التي ليس فيها ثواب ولا عقاب ولا تكليف فبأن لا يهمل الأحول المشتملة على الثواب والعقاب أولى . وثالثها : أنه تعالى علم أحوال جميع الموجودات فيمتنع تغييرها عن مقتضى ذلك العلم ، وإلا لزم الجهل . فإذا كتب أحوال جميع الموجودات في ذلك الكتاب على التفصيل التام امتنع أيضا تغييرها وإلا لزم الكذب فتصير كتبة جملة الأحوال في ذلك الكتاب موجبا تاما وسببا كاملا في أنه يمتنع تقدم ما تأخر وتأخر ما تقدم كما قال صلوات الله عليه : ( جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ) والله أعلم .
مفاتح : جمع مفتح أو مفتاح – بكسر الميم فيهما ، وهو أداة الفتح . والمراد بمفتاح الغيب : أسباب علمه .
في كتاب مبين : الكتاب المبين هو علم الله .
55- وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها . . . الآية .
تصور هذه الآية علم الله تعالى الشامل المحيط لهذا الكون ، فلا يند عن علم الله شيء في الزمان ولا في المكان ، في الأرض ولا في السماء ، في البر ولا في البحر ، في جوف الأرض ، ولا في طبقات الجو ، من حي وميت ويابس ورطب .
أي أن الله سبحانه وتعالى استأثر بعلم الغيب فلا يعلمه أحد سواه ، إنه هو الذي خلق الإنسان ، وكتب أجله ورزقه ، وشقي أو سعيد ، وهو المحيط علما بما في البر والبحر وخصهما بالذكر لأنهما مشاهدان أمام الإنسان وهما رمز لإحاطة علم الله الشامل بكل ما في الكون .
والمعنى : يعلم ما في البر والبحر من أجزائهما ، وما ظهر أو خفي فيهما : من الإنسان والحيوان والنبات ، والسوائل ، والجوامد ، والأدهنة والأبخرة ، وعناصرها ، وذراتها ، ومكونات هذه الذرات .
وقد صرح الحق سبحانه بشمول علمه لكل كلي وجزئي ، ولكل صغير وكبير ، ولكل دقيق وجليل فقال سبحانه :
وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين . أي وما تسقط ورقة ما من شجرة من الأشجار ، ولا حبة في باطن الأرض وأجوافها ، ولا رطب ولا يابس من الثمار أو غيرها ، إلا ويعلمه علما تاما شاملا ، لأن ذلك مكتوب ومحفوظ في العلم الإلهي الثابت .
ويمكن أن نضيف إلى تفسير هذه الآية ما يأتي :
قامت الشيوعية وأظهرت تبرمها بالأديان ، وادعت أن الإنسان يخطط لنفسه ويصنع مستقبله بعلمه وعمله وظن الناس ان التطور العلمي سيحدد مستقبل الإنسان ، وإذا بالعلماء يصرحون أن الإنسان كلما زاد علمه زاد إدراكه بالجهل ، واتساع دائرة ما لا يعلمه . أي أن زيادة العلم تشعر الإنسان بزيادة الجهل بحقائق كثيرة في هذا الكون ، وبذلك تراجعت الفلسفة الشيوعية ، وانسحبت الشيوعية من أوروبا الشرقية بعد مرور ( 70 ) سبعين عاما على نشأتها وعاد الإيمان إلى الناس ، وعادت ثقتهم في الإيمان بالغيب .
الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر عاد الناس إلى الكنائس في موسكو نفسها ، وفي غيرها من البلدان التي كانت شيوعية ، ولم يكن الذاهبون إلى الكنائس من كبار السن فقط بل كان فيهم الشباب والفتيان والفتيات .
يتعلق بهذه الآية أيضا : أن علم الغيب مقصور على الله تعالى ، أما ظن الغيب بأمارات فإنه ممكن لمن يأخذ بأسباب هذه المعرفة كما يحدث عن الراصدين لحركات الرياح والشمس والقمر ، حين يخبرون بهبوب الرياح بشدة أو باعتدالها ، وبكسوف الشمس يوم كذا ، وبخسوف القمر ليلة كذا ، وكما يحدث عن علماء الفلك حين يخبرون بزمن نزول المطر ، أو نزول درجة الحرارة أو صعودها .
أو نحو ذلك ، فيقع الأمر كما قالوا . . وكما يفعله الأطباء بحكم العادة عندهم إذ يقولون : لمن حلمة ثديها الأيمن سوداء جنينك ذكر ، ولمن حلمة ثديها الأيسر كذلك جنينك أنثى فيقع الأمر كما قالوا . ونحو ذلك مما يخضع لقواعد علمية أو أمارات ظنية .
أما العرافون الذين يدعون علم الغيب كقول أحدهم :
إنك ستكسب كذا ، أو تتزوج فلانة فهو آثم جاحد .
قال علماؤنا : أضاف سبحانه علم الغيب إلى نفسه في غير ما آية من كتابه ، إلا من اصطفى من عباده ، والله تعالى يقول : قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله .
ثم قال : وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان بإتيان المنجمين والكهان ولا سيما بالديار المصرية ، فقد شاع في رؤسائهم وأتباعهم وأمرائهم ، اتخاذ المنجمين ، بل ولقد انخدع كثير من المنتسبين للفقر والدين فلجأوا إلى هؤلاء الكهنة والعرافين فبهرجوا عليهم بالمحال واستخرجوا منهم الأموال ، فحصلوا من أقوالهم على السراب ( 93 ) .
وقد ورد في السنة الصحيحة النهي عن الذهاب إلى العرافين والمنجمين ، جاء في صحيح مسلم : ( من أتى عرافا فسأله عن شيء ، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ( 94 ) .
وروى البخاري بسنده عن ابن عمر أن رسول الله قال : ( مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله لا يعلم أحد ما يكون في غد إلا الله ، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام إلا الله ، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدا ، ولا تدري نفس بأي أرض تموت ، ولا يدري أحد متى يجيء المطر ( 95 ) .
وهذا الحديث يوافق قوله تعالى : إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير . ( لقمان : 34 ) .
وهنا نجد بعض الناس يتساءلون عن توصل العلم إلى معرفة نوع الجنين ، والجواب أن علم الله بما في الأرحام علم شامل يمتد إلى معرفة أجله ورزقه وسعادته أو شقاوته وهذه أمور لا يعلمها إلا الله تعالى .
ولا ينبغي أن نطاوع العامة في محاولة معرفة المستقبل عند العرافين فقد روى الإمام أحمد وغيره عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه ، فقد كفر بما أنزل على محمد ( 96 ) .